ما الأذى الذي تريد إسرائيل إلحاقه بلبنان؟

26 أبريل 2026
26 أبريل 2026

ثلاث لحظات تاريخية قد تساعدنا في فهم الضغط الأمريكي - الإسرائيلي الجاري لاختطاف لبنان ودفعه نحو اتفاق مخيف مع إسرائيل؟

اللحظة الأولي هي اللحظة الراهنة للحرب الجارية على إيران ولبنان منذ ٢٨ فبراير الماضي. وهنا يمكن القول: إن واشنطن وتل أبيب اللتين فشلتا في ترجمة تفوقهما العسكري إلى انتصار سياسي تحاولان أن تحققا إنجازا جيو سياسيا على الجبهة اللبنانية التي ترى أن قابليتها وقابلية نخبتها المنقسمة للضغوط قد تكون أكبر كثيرا من الموقف الإيراني الصلب والمتشدد.

لم تنجح كل عمليات الدمار والقصف التي شنتها إسرائيل وأمريكا على إيران في دفع النظام للانهيار أو الاستسلام أو التخلي عن حلفائه الإقليميين ومنهم وعلى رأسهم حزب الله في لبنا. يبدو هنا أن الأمريكيين والإسرائيليين قرروا فيما يبدو أنه إذا كانت إيران ترفض التخلي عن حزب الله، ونجحت في ربط المفاوضات مع أمريكا بوقف إطلاق نار في لبنان فرضه ترامب بالأمر المباشر على نتنياهو؛ فمن الأفضل الالتفاف وقطع صلة لبنان والحزب بإيران عن طريق دفع الحكومة اللبنانية لنزع سلاح الحزب وقطع موارد تمويله.

تقديرات الطرفين تتمحور حول أن الأزمة الاقتصادية الطاحنة في لبنان والخسائر التي لحقت بحزب الله في زعامته التاريخية وفي قدراته التسليحية والبشرية تمثل فرصة تاريخية للانقضاض عليه، ونزع سلاح المقاومة، وترك الجنوب ولبنان كله تحت رحمة الجيش الإسرائيلي.

اللحظة الثانية هي لحظة ممتدة من سبتمبر ٢٠٢٤ تفجيرات البيجر واغتيال حسن نصر الله، وسقوط النظام السوري السابق وقيام النظام السوري الجديد ديسمبر ٢٠٢٤ حتى تصل إلى انتخاب جوزيف عون رئيسا للبنان في يناير ٢٠٢٥ وبعدها تعيين حكومة نواف سلام. في هذه اللحظة نظرت أمريكا ومبعوثوها مثل توم براك إلى بلاد الشام بشكل عام باعتبارها الخاصرة الرخوة التي يمكن من خلالها ليس فقط إنهاء النفوذ الغربي لإيران، ولكن أيضا إنجاح خطة التهيئة الأمريكية للمنطقة بحيث تخضع لعصر الهيمنة الإسرائيلية ما يحفظ سيطرة أمريكا على الشرق الأوسط بأقل تكلفة مباشرة.

الفكرة الرئيسية هنا هي تحويل المناطق الحدودية في لبنان حتى نهر الليطاني وسوريا حتى جنوب العاصمة دمشق إلى مناطق أمنية إسرائيلية تتمتع فيها إسرائيل وجيشها بحرية العمل العسكري متى وكيفما شاءت.

بعبارة أخرى تهدف الخطة إلى تحويل دول الطوق العربية قديما التي كان يفترض أن تحاصر الاحتلال والتوسع الإسرائيلي إلى دول طوق حماية لإسرائيل. إن ضم لبنان وسوريا الجديدة ومن قبله اتفاق وادي عربة مع الأردن ينظر له هنا في التفكير الاستراتيجي الإسرائيلي بالنظر لاتصال يابسة الشام بالجزيرة العربية والخليج حيث ثروات النفط واتصالها البري بمصر ووادي النيل عبر سيناء كواقع جيو سياسي جديد يمكن إسرائيل من رقبة مصر والخليج.

اللحظة الثالثة هي لحظة تاريخية تريد فيها واشنطن وتل أبيب العودة بعقارب الساعة إلى الوراء نحو نصف قرن من الزمن. هي لحظة السادات وفيليب حبيب وبشير الجميل: في هذه اللحظة سعت أمريكا لتعميم نموذج الرئيس المصري أنور السادات في التسوية مع إسرائيل والخروج من الصراع العربي - الإسرائيلي.

لاحظ محللون غربيون أن الرئيس اللبناني جوزيف عون استدعى الخطاب الساداتي بالحرف تقريبا في التمهيد لاستعداد لقاء الإسرائيليين عندما كرر عبارة السادات قبل زيارته للقدس «مستعد للذهاب إلي أي مكان لتحقيق السلام».

أفسد قيام الثورة الإسلامية الإيرانية فبراير ٧٩ من جهة، وتحالف نظام حافظ الأسد مع طهران الجديدة فكرة التحاق سوريا بالتسوية المنفردة، وأفسد فكرة تحالف موال لواشنطن خطط له كيسنجر تشمل مصر السادات وإيران الشاه وإسرائيل.

وحده لبنان الذي استدرج وقتها للتحالف مع إسرائيل عن طريق الرئيس بشير الجميل، لكنه اغتيل كما اغتيل السادات قبله.

استدرج الرئيس اللبناني الجديد أمين الجميل لاتفاق آيار ١٩٨٣ عن طريق المبعوث الأمريكي فيليب حبيب والذي كان وثيقة استسلام تام لإسرائيل أو بعبارة السياسي الشاب وقتها نبيه بري: هذا اتفاق حول لبنان محمية إسرائيلية. أشعلت الاتفاقية نار الحرب الأهلية اللبنانية المنفجرة منذ ٧٥ وحدثت مواجهات بين الجيش اللبناني ومواطنين لبنانيين، وكادت المجازر المتبادلة أن تمحو لبنان، فاضطر أمين الجميل إلى إلغاء الاتفاق.

تريد واشنطن وإسرائيل بلبنان شرا، وهي إعادته لاتفاق مماثل لاتفاق آيار/ حبيب وربما أسوأ بكثير فهذه المرة تخطط إسرائيل مدعومة من واشنطن لما يلي:

-استبدال ما تزعم أنه نفوذ إيراني على لبنان بنفوذ إسرائيلي، أو بتعبير أحد أكبر معاهدها الاستراتيجية «علينا تحطيم وهم السيادة اللبنانية وفرض سيطرتنا الإقليمية على لبنان».

-إقامة منطقة عازلة لمدة ١٠ كيلومترات في جنوب لبنان بحجة الدفاع عن مدى صواريخ المدرعات التي بحوزة مقاتلي حزب الله.

وفي هذا لم يعد الإسرائيليون يذكرون العودة إلى الخط الأزرق للحدود مع لبنان، بل استبدلوه بخط احتلال أسموه الخط الأصفر يقع في عمق الأراضي اللبنانية.

الحصول على حرية العمل العسكري في لبنان بما في ذلك ادعاء العمل الاستباقي لما قد تراه خطرًا محتملًا، وجعل لبنان مطية لنزوات الجيش الإسرائيلي وحكومته المتطرفة.

تعهد نتنياهو بعدم الانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة بما فيها خمسة مواقع استراتيجية احتلها جيشه٢٠٢٤ بالإضافة للمناطق المحتلة منذ زمن طويل مثل مزارع شبعا وقرية الغجر.

دفع الرئيس اللبناني لمقابلة نتنياهو في البيت الأبيض قبل أن يتعهد الأخير بالانسحاب الكامل من لبنان.

الإصرار على نزع سلاح حزب الله، بل السعي لحشد دول الخليج لتمويل عملية تحديث في الجيش اللبناني تمكنه من القيام بنزع سلاح الحزب.

تعلم إسرائيل أن حزب الله وحركة أمل هما حركتان شعبيتان شيعيتان ممثلتان في البرلمان والحكومة ومتغلغلتان اقتصاديا واجتماعيا في الحياة اليومية والمعيشية لما يزيد عن ثلث السكان، وأن نزع سلاح المقاومة دون توافق وطني سيجر لبنان لحرب أهلية جديدة ستكون حرب الـ ١٤ عامًا الأهلية السابقة بالمقارنة بها نزهة لطيفة خاصة مع تطور حجم ونوعية التسليح بين الأطراف اللبنانية في الفترة الراهنة.

لكن الذاكرة الجمعية اللبنانية لمآسي هذه الحرب لدى جيل الآباء ورغبتهم في عدم رؤية أولادهم وأحفادهم يواجهون قسوتها قد تكون كابحًا لوقف الاندفاع الحكومي لتسوية قسرية لنزع سلاح المقاومة.

عامل آخر قد يكبح جماح المشروع الأمريكي الإسرائيلي هو عدم وجود اتفاق وتوافق وطني وانتقال أطراف من السنة والدروز وحتى جزء صغير من الموارنة إلى صف التخوف من تطبيع مع نتنياهو يفجر السلم الأهلي.

لا تحظى التسوية المجحفة المطروحة بدعم عربي صريح كما تتحفظ عليه دول مثل تركيا فضلا عن المقاومة الإيرانية الشديدة للاستفراد بحزب الله أو قطع الصلة بين الملفين الإيراني واللبناني في المفاوضات الجارية بتعثر مع الأمريكيين.

حسين عبد الغني إعلامي وكاتب مصري