العرض والتفسير في مواقع الجذب السياحي

26 أبريل 2026
26 أبريل 2026

تطورت عملية العرض والتفسير في مواقع الجذب السياحي كالمواقع التراثية والثقافية من الوصف الأول لها من قبل مؤسس هذا العلم الحديث تلدن فريمان في كتابه «interpreting our heritage» بأنها أنشطة تعليمية تهدف إلى الكشف عن المعاني من خلال استخدام المعروضات «الأصلية»، والتجربة، واستخدام الوسائط التوضيحية. وأصبح العرض والتفسير في مواقع التراث السياحي إحدى الأدوات الاستراتيجية في تحويل مواقع التراث والثقافة من أماكن ساكنة إلى أخرى تشع بروح المكان الذي يمنح التجارب المختلفة لشرائح الزوار المتنوعة.

تبرز أهمية هذا التحول بشكل كبير في سلطنة عمان بشكل خاص؛ حيث تضع «رؤية عمان 2040»، والخطة الخمسية الحادية عشرة التراث والسياحة في مقدمة الأولويات، وتركّز على أهمية تفعيل مواردنا ومصادرنا التراثية والثقافية سياحياً بما يعزز الجوانب الاقتصادية والاجتماعية خاصة المرتبطة بالمشاريع الصغيرة والمتوسطة، والمواطنة والسمت العماني الأصيل، بحيث يوصل الجوانب المعرفية والوجدانية منها لزوار سلطنة عمان والزوار المحليين.

ومن هنا لا يصبح العرض والتفسير في المواقع ذات الصلة عنصراً ثانوياً، بل يأتي كعنصر أساسي في تعظيم وتعزيز القيم الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لمواقع الجذب السياحي ومجتمعاتها الحاضنة، ويصبح وجود المختصين في هذا المجال ضرورة مُلحة.

يتعدى التفسير والعرض في مواقع الجذب السياحي تقديم أو نقل المعلومات، بل إنه عملية تتقاطع فيها العديد من العناصر لإيصال رسالة هادفة قائمة على خلق ارتباط فكري ووجداني بين الزائر والموارد والمصادر الثقافية والتراثية والطبيعية.

وتؤكد الأسس التقليدية التي وضعها فريمان أن التفسير يجب أن يرتبط بتكوين الزائر من خبرات ومعارف سابقة، وأن يسهم في تحفيز التفكير ليعزز روح الاستكشاف للمعاني والأحاسيس المرتبطة بالمكان، وليس فقط عرض الحقائق.

في القرون الثلاثة  المنصرمة عمل عدد من الباحثين والعلماء (روي بالانتاين وطالبتاه كارن هيوز وجان باكر من أستراليا، وديفيد أزل من المملكة المتحدة، وجون فولك من الولايات المتحدة) على بناء هذا المجال، وتوظيفه في تعزيز السلوك والمواقف الإيجابية من خلال أسس التعلم الحر في المواقع السياحية.

تتجسد الثقافة والتراث في طبقات ومسارات متعددة من التاريخ الثقافي والبحري والاجتماعي والاقتصادي العماني، والعلاقات الدولية، والبناء المعرفي، والتكوين والتغير الطبيعي للبيئات العمانية. وهنا يصبح التفسير والعرض الأداة التي تُحضر هذه المسارات والقصص لمعاني مفهومة، وأحاسيس وجدانية نبيلة، وبدونه تصبح المعالم التراثية ومراكز الحضارة مثيرة بصرياً خافته معرفياً ووجدانياً.

في سياق «رؤية سلطنة عمان 2040» ومتطلبات الخطة الخميسة الحادية عشرة تكشف القراءة المتأنية في البرامج الاستراتيجية والأولويات الوطنية كأولوية المواطنة والهوية والتراث والثقافة الوطنية التي تحوي العديد من البرامج ذات الصلة -خاصة برنامج توظيف المعالم التاريخية والمواقع الأثرية، وأولوية القيادة والإدارة الاقتصادية التي أيضاً تحتوي العديد من البرامج المرتبطة بالنقاش، مثل برنامج تمكين الاقتصاد السياحي، وبرنامج تعزيز منظومة المحتوى المحلي، وبرنامج تطوير المنتجات والتجارب السياحي- عن سعي إلى تطوير وصون التراث من خلال قطاع السياحة، وإبراز تراثنا الغني ثقافياً ودينياً بطريقة تعكس سمتنا وقيمنا الأصيلة، وبما يحقق أيضاً أهداف الدبلوماسية الثقافية في تعزيز الصورة الإيجابية لسلطنة عمان عالمياً عن طريق سرد القصص العاكسة لقيم التسامح والتنوع والتواصل الحضاري.

ومن هذا المنطلق يأتي دور التفسير والعرض كممكن ضمني وأولوية رئيسية تتقاطع مع كل هذه البرامج.

يقوم التفسير والعرض المُتحفي على متخصصين في مختلف المجالات المرتبطة بموقع الجذب السياحي، سواء كان مُتحفاً، أو موقعاً أثرياً، أو موقعاً طبيعياً كمحمية السلاحف، لكن القاسم المشترك في رأس المال البشري هنا هو «المفسر».

عملياً يشكل المفسرون لمواقع التراث الطبيعي والثقافي دور الربط وحلقة الوصل بين الموقع بمكوناته المختلفة، والجمهور بتنوعه، ويكونون الضامن الرئيس في خلق التجارب السياحية التعليمية والترفيهية والاجتماعية في مواقع الجذب السياحي؛ حيث من المهم أن يكون «المُفسر» ذا معرفة عميقة بالموقع ملماً بمهارات التواصل والسرد القصصي، وذا ثقافة عالية ومعرفة بالتقنيات الحديثة التي يمكن أن تعزز من تجارب التفسير والعرض.

اقتصادياً يسهم التفسير والعرض المتحفي المتميز في تحسين تجربة الزائر، وتحفيزه على قضاء وقت أكبر في الموقع والوجهة السياحية، وإجمالاً يسهم في رفع جودة التجارب السياحية التكاملية في الوجهة السياحية والقيمة المدركة للموقع، وتشجيع الزيارات المتكررة ما يسهم في زيادة متوسط الإقامة وزيادة المساهمة الاقتصادية للزائر.

ختاماً؛ من المهم تعزيز الخبرات الوطنية في مجال التفسير والعرض في مواقع التراث الطبيعي والثقافي.

ولكون عملية العرض والتفسير تلعب دوراً في نقل المعرفة من خلال التعلم الحر، وخلق التجارب السياحية المتميزة؛ فإنه من المُستحسن تطوير أطر إرشادية أو وطنية لتنظيم العملية بما يضمن سلامة الرسائل المقدمة تاريخياً، وثقافياً، وسياقياً، وبما يعزز جودة التجارب السياحية لزوار المواقع السياحية.

د. حمد المحرزي ـ كلية عمان للسياحة