كيف يمكن إدارة ازدهار التدفقات المالية للبلدان الصاعدة؟
21 يوليو 2026
21 يوليو 2026
ترجمة - قاسم مكي
بعد أن تضع الحرب في إيران أوزارها من الممكن تخيُّل تحرُّك كميات ليست قليلة من رأس المال الإضافي نحو بلدان الاقتصادات الصاعدة. سيصل جزء كبير من هذه التدفقات في شكل أموال ساخنة. وهي تدفقات مضاربة تُستثمر في أوراق قصيرة الأجل ومتداولة في أسواق رأس المال بالبلدان النامية، ويمكن أن تنقلب على أعقابها وتهرب بسهولة.
رغم وجود دور لتدفقات رأس المال المضارب في النظام المالي العالمي، إلا أن تجاوزاته معروفة جيدا؛ إذ يشهد عقدان من الأزمات المالية المتكررة التي عانت منها بلدان الاقتصادات الناشئة في الثمانينيات والتسعينيات، وأيضا بعد التلميح برفع سعر الفائدة الأمريكية في عام 2013 على الفوضى التي يمكن أن يطلقها التقلب الناتج عن ذلك.
يجب أن يطرح احتمالُ حدوثِ «دورة ازدهار وانهيار» أخرى لتدفقات رأس المال الأجنبي السؤال التالي: هل توجد طريقة أفضل لإدارتها؟ قد يفيد في ذلك الاستخدامُ الحصيف لضوابط رأس المال.
ما يعزز القوة الجاذبة لرأس المال إلى الاقتصادات الصاعدة تحسُّن الجدارة الائتمانية لبلدانها. فحسب وكالة ستاندارد آند بورز كان عام 2025 العام الثالث على التوالي الذي يشهد حالات رفع للتصنيف السيادي تزيد عن خفضه. لقد شكل ذلك ارتفاعا متواصلا لم يحدث منذ سنوات ازدهار السلع في العشرية الأولى.
تعزز هذا حقيقةُ أن مؤشرات اختلال الاقتصاد الكلي مثل عجوزات الحساب الجاري الضخمة أو العملات المقومة بأعلى من قيمتها قليلة ومتفاوتة.
يعود ذلك جزئيا إلى ما فعلته خلال عقد أو نحو ذلك الاستثنائيةُ الأمريكية والتي حدَّت من تدفقات رأس المال إلى البلدان النامية لأن المستثمرين كانوا يفضلون البحث عن الفرص في الولايات المتحدة. وكانت قلة التدفقات نحو البلدان الصاعدة تقلل من احتمال تضخم قيمة عملاتها أو نمو عجوزات حسابها الجاري إلى مستويات غير صحية.
على نحو مماثل جعل «جفاف» تدفقات رأس المال في السنوات الأخيرة واضعي السياسات في الاقتصادات الصاعدة أكثر مرونة وانضباطا. فالتضخم مُدار بشكل جيد عموما. ورغم ارتفاع حجم الدين العام، إلا أنه أدنى كثيرا من ديون بلدان الاقتصادات المتقدمة.
سيجادل المتفائلون بأن الجهود التي بذلتها بلدان الاقتصادات الصاعدة في العقود الأخيرة لتكوين احتياطياتها من النقد الأجنبي منحتها أدوات لحماية اقتصاداتها من تقلب تدفقات رأس المال.
فالاحتياطيات تسمح لواضعي السياسات ببيع الدولارات عندما يهرب رأس المال. وذلك يقلل من خطر انهيار العملة أو العجز عن السداد عندما تنقلب دورة التدفق الرأسمالي ضد هذه البلدان.
لكن قيمة احتياطيات النقد الأجنبي كضمانة أو«وثيقة تأمين» تعتمد على كيفية تكوينها.
إذا تم تمويل بناء الاحتياطيات بتدفقات قصيرة الأجل في سوق السندات الحكومية يسهل خروجها وفرارها لاحقا على سبيل المثال لن يكون هنالك قدر كاف من التأمين الذاتي؛ فما يأتي ببساطة سيذهب بين طرفة عين وانتباهتها.
إلى ذلك يمكن أن يكون الاحتفاظ بالاحتياطيات باهظ التكلفة؛ فسعر الفائدة الذي تحققه من استثمارها أقل عموما مما تدفعه الحكومة من فائدة مقابل السندات المحلية التي تصدرها بهدف الحد من أثر هذه الاحتياطيات على عرض النقد.
يمكن أن يتخيل المرء هذا العائد السلبي باعتباره تكلفة التأمين ضد التقلب المالي. وهي تكلفة عالية خصوصا بالنسبة للذهب الذي أصبح مرغوبا كأصل احتياطي. (العائد السلبي الذي يشير إليه الكاتب هو الفرق بين عائد استثمار الاحتياطيات مثلا في سندات الخزانة الأمريكية أو الذهب وبين تكلفة السندات الحكومية المحلية- المترجم).
لكن على واضعي السياسات أن يسألوا أنفسهم هل من المعقول دفع ثمن غال مقابل التأمين عندما توجد بدائل؟
من ملامح الطفرة القادمة لتدفقات رأس المال إنها ستكون الأولى منذ نشر صندوق النقد الدولي رؤيته المؤسسية في عام 2012 (الخاصة بتحرير وإدارة التدفقات النقدية.) كانت تلك هي الوثيقة التي قبِل فيها الصندوق رسميا احتمال أن تكون الإجراءات المؤقتة التي تستهدف الحد من تدفقات رؤوس الأموال الهاربة مفيدة أحيانا في إدارة الدورة الاقتصادية.
شكل ذلك نهاية أصولية تحرير حساب رأس المال أو العقيدة الاقتصادية التي روّج لها في وقت سابق صندوقُ النقد الدولي ووزارة الخزانة الأمريكية بأن حركة المال غير المقيدة عبر الحدود هي دائما أفضل ما يمكن أن تُخدم به الرفاهية العالمية.
توجد سلسلة من الخيارات لواضعي السياسات الراغبين في الحد من تراكم الالتزامات المضاربة وقصيرة الأجل (الأموال الساخنة).
من بين هذه الخيارات متطلبات الاحتياطي عديم العائد كما في تجربة شيلي المعروفة بآلية «انكاخي» في التسعينيات والتي بموجبها يتم إيداع جزء صغير من رأس المال الوافد بدون فائدة لفترة بالبنك المركزي.
أيضا من بينها ضرائب المعاملات وفرض فترات حد أدنى لاحتفاظ المستثمر بالأصل المحلي وتحديد سقوفات أو حصص على أنواع معينة من التدفقات الرأسمالية أو وضع قيود على اختلالات العملات الأجنبية في البنوك.
ربما يظل تراكم الاحتياطيات الطريقة الوحيدة الأفضل لبلدان الاقتصادات الصاعدة لحماية نفسها من تقلب تدفقات رأس المال، لكن يمكن أن تكون أصولية تحرير حساب رأس المال شيئا خطرا.
ويجب أن تكون القيود الحصيفة على الأموال الساخنة من بين أدوات واضعي السياسات.
ديفيد لوبين زميل أول أبحاث في برنامج الاقتصاد والتمويل الدوليين بالمعهد الملكي للشؤون الدولية (شاتام هاوس)
