في أمريكا ثماني قبائل سياسية

21 يوليو 2026
21 يوليو 2026

ترجمة -أحمد شافعي

قد يبدو الأمر تاريخًا عتيقًا، لكن كريس روك أصاب في شيء حينما تحدث عن سياسات حرب العراق في عرضه الكوميدي الخاص سنة 2004 وعنوانه «بلا خوف»؛ فقد أشار إلى أنه شأن أغلب الناس «محافظ في بعض الأمور، ليبرالي في بعضها الآخر».

وقد غيرت بعض الكلمات البذيئة لكن المعنى واضح: وهو أن الناخبين نادرًا ما يكونون في توافق تام مع هذا الحزب السياسي الواحد أو ذلك؛ فقد يميلون إلى اليسار في قضايا السلاح والإجهاض، لكن يتبين أنهم صقور باسم القانون والنظام في قضايا الأمن الحدودي والعمل الشرطي.

وقد يرى بعض المثاليين في هذا تناقضا أيديولوجيا، أما أنا، بوصفي خبيرة استطلاعات رأي، فأراه طبيعيا تماما.

والواقع أن التوافق الصارم لأعضاء الأحزاب داخل الكونجرس ـ وقد تنامى عبر السنين ـ هو المنافي للطبيعة. ونحن في أمريكا لدينا نظام الحزبين، لكن قاعدة الأمريكيين الانتخابية أشد تعقيدا من هذه الثنائية الحزبية وما يروق لها الاعتقاد به.

بناء على بحث جديد أجرته شركتي العاملة في استطلاعات الرأي أعتقد أن الوصف الأدق لأمريكا هو أن فيها ثماني «قبائل» سياسية، أي جماعات تنتظم لا حول عوامل ديموغرافية أو تبعية حزبية، أو حتى حول مواقف من بعض القضايا، وإنما أيضا حول مواقف من المؤسسات والأعراف المجتمعية.

يقع قرابة 40% من الأمريكيين في مجموعتين تبدوان شبيهتين باليمين واليسار التقليديين لدينا. ونحن نصفهما بـ(اليمين المخلص) و(اليسار المخلص).

أما أغلب الناخبين فيقعون في إحدى القبائل الست التي تستمد بعض رؤاها من اليمين، وبعضها من اليسار.

وفي حين أن بعض هذه الجماعات يبدو متماثلا في الظاهر؛ إذ تصوت للديمقراطيين أو الجمهوريين بأعداد متماثلة، لكنها في العمق تختلف في بعض أكثر القضايا إلحاحا على أمتنا. والانقسامات بين هذه المجموعات تزعزع الحزب الديمقراطي اليوم وتكشف صدوعا كامنة في ما يرجح كثيرا أن يكون معركة انتخابية قوية داخل الحزب الجمهوري على الترشح للانتخابات الرئاسية القادمة.

لنبدأ باليسار السياسي، بما أنه الذي يشهد تركز النشاط في الانتخابات الأولية للعام الحالي. نجد أن 21% من الناخبين ـ منهم 42% ممن يعرِّفون أنفسهم بأنهم ديمقراطيون ـ يقعون في فئة اليسار المخلص، وهي جماعة تقدمية في أغلب القضايا، وتكنُّ غضبا كبيرا تجاه ما تعده استشراء للفساد السياسي.

ويرجح أيضا منهم أن يقولوا إن لديهم «دوافع طاغية» للتصويت في انتخابات التجديد النصفي، ويقول أكثر من النصف: إن السياسة مكون شديد الأهمية في هويتهم الشخصية. والنموذج المعبر عن هذه المجموعة قد يتمثل في النائبة ألكسندريا أوكاسيو كورتيز.

أقرب الجماعات إلى هؤلاء هم من نطلق عليهم «ديمقراطيو القابلين للانتخاب». يشكلون ما يصل إلى 10% من إجمالي الناخبين (قرابة 19% من الحزب الديمقراطي) وهم متحمسون للتصويت في انتخابات التجديد النصفي وتقدميون في الشؤون الاقتصادية. غير أن هذه الجماعة أكثر قليلا في تنوعها العرقي من اليسار المخلص الذين يغلب عليهم العرق الأبيض، ويختلفون أيضا لكن اختلافا حادا في العديد من القضايا الثقافية.

بصفة عامة يعارض «ديمقراطيو القابلين للانتخاب» فكرة إلغاء تمويل الشرطة، ويتبنون رؤى أكثر محافظة في مشاركة المتحولين جنسيا في الرياضات التنافسية ويتبنون موقعا أكثر من وسطي في قضايا الهجرة. وإن سئلت في أي جماعة أضع جيمس كارفيل لقلت هذه الجماعة.

ثمة جماعتان أخريان تميلان إلى يسار الوسط في قضايا كثيرة، لكنهما أقل التزاما بعض الشيء بالقضية الانتخابية الديمقراطية. وبرغم تشابه ميولهما الحزبية، فهم متميزون ديموغرافيا.

«المؤسسيون الأمريكيون» ـ ويمثلون 11% من إجمالي الناخبين ـ هم في الغالب من أصحاب الدخول المرتفعة والدرجات الجامعية. وهم أشد بياضا وأكبر سنا، فأكثر من نصفهم من مواليد ما قبل 1965. ويميلون إلى تكوين آرائهم اعتمادا على التليفزيون التقليدي أكثر من مواقع التواصل الاجتماعي. وبرغم إحباطهم من لحظتنا السياسية الراهنة وعدم تأييد 77% منهم للرئيس ترامب، فهم يؤمنون إيمانا راسخا بأمريكا ومؤسساتها، وبقدرتنا على تغيير المسار، بل الانقلاب عليه عندما يترك الرئيس ترامب السلطة. وأتخيل أنهم جميعا يحبون سيرة ذاتية ما مما كتب رون تشيرناو.

(الشبان المحبطون) هم النقيض إلى حد كبير. وهؤلاء 9% من الناخبين، ونسبتهم أقل من ذلك في الناخبين المضمونين للديمقراطيين؛ لأنهم ـ حسبما تشي التسمية ـ شبان ومحبطون. ووسائل التواصل الاجتماعي هي مصدرهم الإخباري، والسياسة لا تمثل جزءا كبيرا من هويتهم. وهم أدنى في سلم الدخول ولديهم في الغالب ميول ليبرتارية في قضايا السلاح والسياسة الخارجية والقيود التنظيمية. وهم قلقون من تكاليف المعيشة ويشكون في الإعلام والسياسة على السواء.

ولكي ينجح الديمقراطيون في انتخابات التجديد النصفي للعام الحالي فعليهم أن يجدوا سبيلا إلى نيل هذه الجماعات الأربع جميعا، وقد يحسن بهم أن يحاولوا اجتذاب بعض الناخبين من التحالف الجمهوري أيضا.

وفي اليمين انظروا أولا إلى «المتفائلين الأمريكيين الوسطيين» وهم يمثلون 11% من الناخبين هذا العام. وهم لا يكنون ودا كثيرا للديمقراطيين، وقد صوت ثلثا هذه الجماعة للرئيس ترامب سنة 2024. وهم حتى الآن لا يرون بأسا في أدائه الرئاسي، لكنهم ليسوا متحمسين كثيرا لحالة الاقتصاد. وهم أصغر سنا وأقل تدينا، وليس غريبا أنهم أقل كثيرا في ميولهم المحافظة في القضايا الثقافية والاقتصادية من بقية إخوانهم في اليمين السياسي. ويقول 37% من أفراد هذه الجماعة: إنهم قطعا يصوتون للمرشح الجمهوري في خريف العام الحالي.

أما الحاسمون في إعادة تشكيل الرئيس ترامب للحزب الجمهوري فهم مجموعتنا التالية، ونسميها «الشعبويون الجمهوريون» الذين يمثلون 6% من الناخبين في عام 2026. وهم أميل إلى التدين، ويعيشون في مناطق ريفية، ويعارضون الإجهاض مع رفضهم لكثير من جوانب العقيدة الاقتصادية المحافظة التقليدية، ولا ينتظر منهم القول: إن المرء قادر على أن ينهض بغير عون إلا من ذراعه. لا يجدون بأسا في ضخامة الحكومة، ويعتمدون على الخدمات التي يتلقونها منها. وهم إن شئت يناصرون شعار «الرعاية الطبية للجميع، ومنع الإجهاض».

يأخذنا هذا إلى «اليمين المعتدل» وهم يمثلون 13% من الناخبين ويشكلون جماعة يوالي أعضاؤها المؤسسة خلافا لأندادهم من يمين الوسط المناهض للمؤسسة. ولا يزالون يتبنون رؤية أشد ارتباطا بالمحافظة التقليدية في الاقتصاد، كما أنهم محافظون إلى حد كبير اجتماعيا. لكن لعلهم ـ بفضل كونهم قبيلة يغلب عليها النساء ـ معتدلون في قضية الإجهاض وأكثر انفتاحا على أن التمييز الجنسي لا يزال مشكلة في المجتمع. ومع ذلك لا ينبغي أن تغفلوا عن حقيقة أن أغلبهم لا يزال متعاطفا مع الرئيس ترامب، ويقول نصفهم إنهم من مشاهدي فوكس نيوز وثلاثة أرباعهم يختارون المرشح الجمهوري في المواجهة العامة. لكنهم في هذه الأيام ليسوا متحمسين كثيرا للأمر كله، فارجعي يا نيكي هالي.

وتبقى جماعة (اليمين الموالي) متحمسة للرئيس ترامب ومتأهبة لدعم الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي القادمة، لكن حجمها ـ 18% من الناخبين ـ يجعلها غير كافية بمفردها للاحتفاظ للجمهوريين بالأغلبية.

في الانتخابات التي تشهد إقبالا منخفضا من الناخبين، شأن انتخابات العام الحالي، أو انتخابات عام 2028 لاختيار المرشحين للرئاسة، يكون اليسار المخلص واليمين المخلص في ذروة قوتهما. فهؤلاء الناخبون هم الذين يشاركون حينما يلزم غيرهم المنازل. ولو أنكم تتساءلون لماذا يختار الحزبان مرشحين من الأطراف فذلك في الغالب بسبب الناخبين ذوي المشاركة المضمونة.

أما الناخبون الأقرب إلى الوسط فيظلون يشعرون بالإحباط إذا لم يلقوا بثقلهم وراء أحد، فيشاركون في انتخابات مرشحي الرئاسة بمثل مشاركة أندادهم الأكثر وضوحا من الناحية الأيديولوجية

ما من خطأ بالطبع في الولاء لحزب، لكن يجدر بنا أن نذكر أنفسنا بأن أغلبنا لا يتوافق تمام التوافق مع برنامج أي من الحزبين الرئيسيين في أمريكا. ويجدر بنا أيضا أن نراعي أن ثمة سببا يجعل الديمقراطيين يتراوحون بين النائبة الديمقراطية الاشتراكية أوكاسيو-كورتيز والسيناتورة الوسطية إليسا سلوتكين، ولأن الجمهوريين يتراوحون بين السيناتورة المعتدلة ليزا موركوفسكي والنائبة الشعبوية آنا بولينا لونا.

وقد يكون أنفع لنا أن نفكر في حزبينا بوصفهما تحالفين؛ فكلاهما في الوقت الراهن على الأقل مرغم على القبول بقدر ما من عدم التماسك الأيديولوجي من أجل تكوين الأغلبية.

كرستين سولتيس أندرسن من كتاب الرأي، وخبيرة استطلاع رأي جمهورية، ومنسقة سلسلة جماعات التركيز في صفحات الرأي بنيويورك تايمز