القوي يفعل ما يستطيع ويتحمل ما لا بد منه

05 يوليو 2026
05 يوليو 2026

يبدو لكثيرين في هذه الأيام أن العالم غابة لا تخضع إلا لقانون واحد. فمنذ عودته إلى الحكم عام 2025، لم يكتفِ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بجعل القوة الأمريكية مشهدا استعراضيا ـ عبر ضرب من وصفوا بأنهم مهرّبو مخدرات في الكاريبي، واختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وقصف إيران، بل حتى التهديد بسيادة الحلفاء ـ وإنما حوّل ذلك أيضا إلى مبدأ. فقد وصف ترامب القبض على مادورو بأنه تثبيت لـ«القوانين الحديدية التي حكمت القوة العالمية دائما». وعلى المنوال نفسه، أكد نائب كبير موظفي البيت الأبيض ستيفن ميلر في يناير أن العالم «تحكمه القوة» و«تحكمه القدرة»، وأن «هذه هي القوانين الحديدية للعالم منذ بداية الزمن». وقد سمع مراقبون في هذه التصريحات الفجّة أصداء ثوسيديدس، الأرستقراطي الأثيني القديم الذي يُنظر إليه غالبا بوصفه أول من بشّر بعقيدة الواقعية الباردة. ففي كتابه الحرب البيلوبونيسية، عمله الكبير عن صراع أثينا المحكوم عليه بالفشل، والذي امتد عقودا ضد إسبرطة في القرن الخامس قبل الميلاد، ترد العبارة الشهيرة: «الأقوياء يفعلون ما يستطيعون، والضعفاء يعانون ما لا بد لهم منه».

تأتي تلك العبارة المعروفة من مقطع مهم في النص يُعرف باسم «حوار ميليان»، وفيه يضيّق ممثلو أثينا الخناق على مبعوثي جزيرة ميلوس. وبعد أن يفشل الأثينيون في إقناع الميليين بقبول الاستسلام غير المشروط، يقتلون كل رجال الجزيرة ويستعبدون نساءها وأطفالها. وطالما استُشهد بمقطع ميلوس عند ثوسيديدس دليلا على أن القليل، خارج القوة وممارستها، هو ما يحكم العالم؛ ودليلا أيضا على أن الجنرال والمؤرخ والفيلسوف الأثيني اللامع نفسه كان يؤمن بذلك. وقد أُعطيت أجيال من طلاب العلاقات الدولية هذه الشذرات المنتزعة من سياقها من عمله الواسع، وقيل لهم إن هذا، بالفعل، هو درس ثوسيديدس. واليوم، نشأت صناعة صغيرة من المعلّقين الذين يحتفون بما يوصف بأنه انعطافة ثوسيديدية في السياسة الخارجية الأمريكية، أو يتحسرون عليها. ففي مقال بعنوان «كيف فاز ترامب في دافوس»، نُشر في يناير، استدعى المؤرخ نيال فيرغسون صراحة «حوار ميليان» للترويج لانتصار ترامب بوصفه واقعيا على طريقة ثوسيديدس، مؤكدا أن «الواقعيين حققوا في ميلوس نصرا حاسما». لكن هذا الفهم للحوار ولصاحبه يقلب المعنى رأسا على عقب. فثوسيديدس يشير مرارا إلى فكرة أن الأقوياء أحرار في أن يفعلوا ما يشاؤون، لكنه لا يتبناها أبدا. وعلى العكس من ذلك، فإن قراءة متأنية لـ«الحرب البيلوبونيسية» تقترح رؤية مختلفة تماما. فمن بين الدروس الأساسية التي ينبغي استخلاصها من ثوسيديدس أن طموح الأقوياء قد يقودهم إلى خرابهم هم أنفسهم. فمباشرة بعد أن يورد ثوسيديدس كلمات المبعوثين الأثينيين المشؤومة، وما أعقبها من تدمير ميلوس، يمضي في وصف الحملة الكارثية التي خاضتها أثينا في صقلية بإسهاب شديد، وهي الحملة التي انتهت، في نهاية المطاف، إلى هزيمة أثينا وانتصار إسبرطة. ومن هذا المنظور، لا يكون حوار ميليان دليلا على الفضيلة الكبرى للقوة في العلاقات الدولية، بل تصويرا للكبرياء الذي يسبق السقوط.

وقد صاغ عالم السياسة جراهام أليسون، على نحو شهير، مصطلح «فخ ثوسيديدس» للإشارة إلى الدينامية الكامنة في الحرب البيلوبونيسية: كيف أن التوترات بين قوة صاعدة وقوة قائمة ستغلي، لا محالة، حتى تنفجر في صراع. غير أن فخ ثوسيديدس الحقيقي مختلف. فالدرس الحاسم في الكتاب لا يتمثل في رسم صورة لأثينا وإسبرطة وهما تمشيان نائمتين نحو حرب لم يكن أي من الطرفين يريدها أو يفهمها. وكما يوضح ثوسيديدس بإسهاب، فقد دخل الطرفان ذلك الصراع وأعينهما مفتوحة تماما. وأكثر من ذلك، فإن بداية تلك الحرب، في نظره، لم تكن فخا بالمعنى الدقيق. فقد أيّد ثوسيديدس بدء الأعمال العدائية والاستراتيجية الحذرة التي وضعها بريكليس، الزعيم الأثيني الذي حشد الجمهور خلف مطالبته بالحرب مع إسبرطة. أما الكارثة الحقيقية، والفخ الحقيقي، فقد وقعا بعد سنوات طويلة، حين تخلت أثينا عن حذر بريكليس، واستسلمت لطموح متهور، تجلى بأكثر صوره قتامة في المحاولة الخاطئة لغزو صقلية.

إن المأساة المركزية في الحرب البيلوبونيسية هي قصة الغطرسة الأثينية المتنامية، والصلف الذي تمدد معها، وما ترتب على ذلك من عواقب مصيرية. وعلى أثينيي هذا العصر، الذين يرفعون فضيلة القوة على رؤوس الأشهاد، أن يصغوا جيدا إلى تحذيرات ثوسيديدس إن كانوا لا يريدون استدعاء كوارثهم بأيديهم.

الحقيقة في الرواية

يقدّم «حوار ميليان» بالفعل دروسا حيوية، لكن بشرط أن يُفهم في سياق الحرب البيلوبونيسية كما كُتب الكتاب. وهذا يتطلب معرفة لا ببضع جمل منتقاة، بل بمضمون العمل كله، وبمنهج ثوسيديدس اللامع، الدقيق، والشامل. ففي تقديره، تكشّف الصراع الذي دام سبعة وعشرين عاما بين أثينا وإسبرطة، من عام 431 إلى عام 404 قبل الميلاد، عبر ثلاث مراحل متميزة: عشر سنوات أولى من الصراع المباشر، ثم مرحلة انتقالية قلقة دامت سبع سنوات من المناوشات المستمرة والمناورات على المواقع، ثم عشر سنوات أخرى من الحرب قبل استسلام أثينا غير المشروط. وقد عاش ثوسيديدس طويلا بما يكفي ليرى نهاية الحرب، لكنه، على ما يبدو، لم يعش بما يكفي ليُتمّ روايته، التي تنقطع فجأة عند أحداث عام 411. أدرك ثوسيديدس بحدسه أن الحرب البيلوبونيسية ستكون ذات أثر هائل، ومع ما توفر له من وقت، بعدما أُعفي من قيادته ونُفي عام 424 عقابا له على انتكاسة عسكرية وقعت تحت مسؤوليته، شرع في تسجيل تفاصيلها بوصفها «ملكا للأبد». وقد بذل جهدا استثنائيا في سبيل الدقة والموضوعية، وهما صفتان يمكن السعي إليهما، بطبيعة الحال، وإن كان بلوغهما كاملا أمرا متعذرا. وكان عليه، في بعض الأحيان، أن يحكم بين روايات متعارضة لأحداث لم يشهدها بنفسه. ويشرح، بشأن الخطب الكثيرة الواردة في الكتاب، قائلا إن «بعضها سمعته بنفسي، وبعضها نقلته عن مصادر شتى؛ وكان من الصعب، في كل الأحوال، أن تُحفظ في الذاكرة كلمة بكلمة، ولذلك جرت عادتي أن أجعل المتكلمين يقولون ما بدا لي أن المقام كان يقتضيه منهم، مع الالتزام، بطبيعة الحال، قدر الإمكان، بالمعنى العام لما قالوه فعلا».

ويبدو من المأمون القول إن الموضوعية كانت طموحا صادقا لدى ثوسيديدس. لكنه، في الوقت نفسه، كان يملك، على نحو لا مفر منه، وجهة نظر، ودروسا أراد إيصالها. وقد بسط تلك الأفكار لا عبر ليّ الحقائق، بل عبر اختياره أن يروي القصة بطرائق بعينها. وكما قال توماس هوبز، أول مترجميه الكبار إلى الإنجليزية، فإن ثوسيديدس، وإن كان لا يتوقف أبدا لكي «يلقي محاضرة، أخلاقية أو سياسية، على نصه»، فإن «السرد نفسه يعلّم القارئ في الخفاء». ويشاطر دارسو ثوسيديدس المعاصرون هذا الرأي. فكما أوضحت عالمة الكلاسيكيات الفرنسية جاكلين دو روميّي، فإن ثوسيديدس «يسعى على نحو مدهش إلى موضوعية علمية كاملة»، لكنه «يقوم بالاختيار باستمرار»، وتدخله «بالغ العمق». يؤثر ثوسيديدس أيضا في ميزان القراءة عبر حجب المعلومات ببساطة. وعلى القارئ أن ينتبه إلى المواضع التي يختار فيها أن يوسّع السرد أو يختصره. فأحيانا تُضغط سنة كاملة من القتال في بضع فقرات، بينما تُروى أحداث أخرى، حتى تلك التي لا تترتب عليها نتائج استراتيجية مباشرة تُذكر في مسار الحرب، بتفصيل واسع. ويوظف ثوسيديدس تقنية سمّاها أحد الدارسين «الإبطاء السردي الشديد» لكي يضفي معنى أكبر على أحداث بعينها، وهو إذ يفعل ذلك يصوغ، بمهارة خفية، الدروس التي يريد إيصالها.

لغز ميلوس

يمثل «حوار ميليان» مثالا دراميا على ذلك الإبطاء السردي الشديد عند ثوسيديدس. فعلى الرغم من كثرة الاقتباس منه بلا انقطاع، فإن أكثر سماته تميزا، والأقل اعترافا بها، هي أنه لا يوجد أي سبب واضح على الإطلاق يفسر لماذا يتوقف المؤلف طويلا عند هذا الحدث. ففي السنة السادسة عشرة من الحرب، خلال تلك المرحلة الانتقالية المضطربة التي كانت فيها أثينا وإسبرطة، من الناحية الفنية، في حالة سلم، عاد الأثينيون إلى هذه الجزيرة المتواضعة في بحر إيجه، وطالبوها إما بالاستسلام أو بالمحو. وكانت ميلوس، من الناحية الرسمية، حليفة لإسبرطة، لكنها لم تكن منخرطة كثيرا في القتال، وكانت تريد أن تُترك وشأنها، فتوسل ممثلوها إلى الأثينيين أن يسمحوا لها بالبقاء على حياد هادئ.

عند هذه النقطة يوقف ثوسيديدس مسار السرد، ويتتبع المداولات بين حفنة من الأثينيين والميليين. ويأخذ ذلك النقاش شكل حوار يتناوب فيه كل طرف على تقديم حجة أو تفنيد أخرى. وهو الحوار الوحيد من نوعه في العمل كله، ويمتد على صفحات عدة، يحذر خلالها الميليون من أن الأثينيين قد يندمون على تدميرهم، بينما يصر الأثينيون على الخضوع الكامل. كان الأثينيون متغطرسين ومتباهين بقوتهم، ولم يبدوا اكتراثا يذكر لاحتمال أن يعود أي فعل بربري يرتكبونه ليطاردهم لاحقا. حثّوا سكان الجزيرة على الاستسلام ليُعفوا من الإبادة، ويبقوا أحياء بوصفهم تابعين. أما الميليون، أو على الأقل أولئك الذين شاركوا في المفاوضات المغلقة، فاختاروا المقاومة. وبعد مدة، إذ تبيّن أن ميلوس لم تكن لقمة سائغة كما تخيلوا، فتح الأثينيون الجزيرة. «واستسلم الميليون للأثينيين دون قيد، فقتل الأثينيون كل الرجال البالغين الذين وقعوا في أيديهم، وباعوا النساء والأطفال عبيدا، ثم أرسلوا لاحقا خمسمائة مستوطن وأسكنوا المكان بأنفسهم».

تقدم خاتمة هذه الحادثة مثلا أخّاذا، نابضا بالحياة على طريقة ثوسيديدس المعهودة. لكن من غير الواضح إطلاقا لماذا منح ثوسيديدس ميلوس كل هذا القدر من الاهتمام. فالحملة على ميلوس لم يكن لها أي أثر في مسار الحرب ونتيجتها.

كما أن ميلوس لا تقدم مثالا فريدا على فكرة أن «الأقوياء يفعلون ما يستطيعون، والضعفاء يعانون ما لا بد لهم منه». فقد لاحظ عدد كبير من دارسي الكلاسيكيات أن هذه الفكرة تتكرر كثيرا في العمل. وقبل ذلك بست عشرة سنة، وفي خطاب أمام الإسبرطيين، دافع الأثينيون عن سلوكهم باستدعاء الفكرة نفسها: «لقد كان القانون دائما أن يخضع الأضعف للأقوى».

و«حوار ميليان» ليس سوى مثال واحد من أمثلة كثيرة في كتاب ثوسيديدس الضخم على أن العالم يعيش في حالة فوضى، وأنه لا توجد ببساطة أي ضمانات تكبح سلوك الآخرين بأي صورة، وأن الأفعال المروعة، بما فيها إفناء شعوب بأكملها، تظل واردة. في الحرب البيلوبونيسية، تحضر مثل هذه الفظائع في كل مكان، وكثيرا ما يتوقف ثوسيديدس عندها. ففي السنة الخامسة من الحرب، عندما استسلمت بلاتيا لإسبرطة، دار نقاش قدّم فيه البلاتيون حجة مؤثرة طلبا للرحمة. لكن الإسبرطيين، بدلا من ذلك، ذبحوا الرجال، واستعبدوا النساء، وسوّوا المدينة بالأرض، وأعادوا إسكان الإقليم. ولم يفعلوا ذلك لأن إسبرطة كانت تضمر عداء خاصا لبلاتيا، بل فعلوه «إرضاء للطيبيين، الذين كان يُظن أنهم مفيدون في الحرب». وفي السنة التالية، يصف ثوسيديدس حمام دم آخر، ويقول إنه أصيب «بالدهشة» من حجم الخسائر، وإن عدد القتلى «يبدو غير متناسب إطلاقا مع حجم المدينة إلى حد يصعب تصديقه». وتتكرر أمثلة أخرى كثيرة في أنحاء النص.

ثمة ملاحظتان أخريان تزيدان لغز الدافع الذي جعل ثوسيديدس يورد «حوار ميليان» تعقيدا. أولا، إن كلمة «يورد» أو «ينقل» لا تبدو دقيقة تماما هنا. فثوسيديدس يوضح أنه كثيرا ما يتخيل اللقاءات كما يرجح أنها جرت، ومن المؤكد أن هذه واحدة من تلك الحالات. ففي العادة، يذكر أسماء الذين يلقون الخطب الكبرى، لكن المشاركين الأثينيين هنا ظلوا بلا أسماء، ومن المفترض أن الميليين الذين شاركوا في الحوار لم ينجوا لكي يرووا الحكاية. وربما يكون ثوسيديدس قد تلقى لاحقا روايات غير مباشرة عن الأحداث، لكن الحوار يعكس قدرة المؤلف على الابتكار بقدر ما يعكس قدرته على التسجيل الأمين.

والأشد إثارة للحيرة أن الأثينيين كانوا قد فعلوا في ميلوس ما فعلوه من قبل، لكن ثوسيديدس لم يكد يخصص لتلك الواقعة السابقة أكثر من جملة. فقبل خمس سنوات من تدمير ميلوس، قمع الأثينيون بوحشية مدينة سكيوني، التي كانت قد ثارت على حكمهم. ويلاحظ ثوسيديدس أن «أثينا نجحت في إخضاع سكيوني، وقتلت الرجال البالغين، وجعلت النساء والأطفال عبيدا، ومنحت الأرض للبلاتيين كي يقيموا فيها». لكن لم يكن هناك أي حوار في تلك الواقعة السابقة. كان «حوار ميليان» مهما جدا لثوسيديدس، بوضوح، غير أن القراء العابرين لـالحرب البيلوبونيسية قد لا يدركون السبب.

فساد أثينا

يكشف هذا الفصل، في جانب منه، عن قلق ثوسيديدي مستمر إزاء هشاشة الحضارة، وكيف تستطيع الحرب الطويلة أن تقوّض كرامة المجتمعات ونزاهتها الداخلية. يتوقف ثوسيديدس طويلا عند أحداث من قبيل الانحدار إلى البربرية الذي وقع خلال حرب أهلية عام 427 قبل الميلاد في الجزيرة المعروفة اليوم باسم كورفو، و«الإسراف الخارج على كل قانون» الذي جرى أثناء الطاعون في أثينا، وتفاصيل هياج دموي ارتكبه التراقيون في ميكاليسوس، مع أنه لم يكن ذا شأن كبير في مسار الحرب؛ فقد «نهبوا البيوت والمعابد وذبحوا السكان، دون أن يعفوا عن صغير أو كبير، بل قتلوا كل من صادفوه، واحدا تلو الآخر، أطفالا ونساء، بل حتى دواب الحمل، وكل كائن حي وقعت عليه أعينهم»، كما كتب. «وفي كل مكان سادت الفوضى، وحضر الموت بكل صوره؛ وعلى نحو خاص هاجموا مدرسة للصبيان، هي أكبر مدرسة في ذلك الموضع، وكان الأطفال قد دخلوها للتو، فذبحوهم جميعا».

توضح حالة ميلوس كيف كانت الحرب قد شوّهت المجتمع الأثيني، إذا ما قورنت بقضية ميتيليني قبل أكثر من عقد. ففي تلك الواقعة، حاولت ميتيليني، وهي حليف مميز ومهم للأثينيين، ارتكاب خيانة عميقة، إذ تواصلت مع إسبرطة أملا في تبديل ولائها في الحرب. وبعد أن قمعت أثينا المؤامرة، عُقد نقاش حول كيفية معاقبة المتمردين. وفي «ثورة الغضب في تلك اللحظة»، أقنع الديماغوجي كليون العامة بأن لا يقتصر العقاب على إعدام المسؤولين عن الانتفاضة، بل أن يشمل أيضا «قتل كل السكان الذكور البالغين في ميتيليني، واستعباد النساء والأطفال».

مرة أخرى، لا يقدّم ثوسيديدس رأيا في هذا القرار بصوته المباشر. ومع ذلك، يوضح الحرب البيلوبونيسية أنه كان ينفر بعمق من ممارسة العنف العشوائي والمجاني، على الرغم من أنه كان جنرالا قاد الرجال إلى معارك دموية كثيرة، وعلى الرغم من أن كل الأدلة تشير إلى أنه كان مرتاحا لاستخدام القوة في خدمة المصلحة الوطنية. غير أنه يكشف موقفه من خلال الطريقة التي يصف بها ما حدث بعد ذلك. ففي صباح اليوم التالي، تأمل الأثينيون «القسوة المرعبة لمرسوم حكم على مدينة كاملة بمصير لا يستحقه إلا المذنبون». وعُقد نقاش ثان، وفي هذه المرة انحازت الأغلبية إلى خصم كليون، وأُرسلت سفينة أخرى لتلحق بالأولى وتلغي أمر المذبحة الشاملة. وببراعة سينمائية، يصف ثوسيديدس استعجال طاقم السفينة الثانية، الذين كانوا يأكلون وهم يجدفون، ولا ينامون إلا بالتناوب.

في هذا السياق، يُظهر نهب ميلوس كيف غلظت طباع المجتمع الأثيني بعد اثنتي عشرة سنة إضافية من الحرب. لم تكن ميلوس قد فعلت شيئا يستدعي غضب أثينا الكارثي. ومع ذلك، وبسبب رغبة الميليين في أن يُتركوا وشأنهم في حياد غامض، أنزلت بهم عقوبة قاسية لا رحمة فيها، عُدّت من قبل أشد مما ينبغي فرضه على ميتيليني، التي حاولت خيانة أكثر خطورة بكثير. قد يكون صحيحا أن أثينا كانت لها بعض الخلافات الحربية المحدودة مع ميلوس، لكن ثوسيديدس، مستخدما مرة أخرى اليد الخفية لتقنيته السردية، يحجب تلك التفاصيل بعناية، ولا يترك تفسيرا آخر لسلوك أثينا. لقد حوّلت سنوات الحرب مدينة كانت في يوم ما مضيئة على تل إلى آلة للقتل.

الحوار لا يتعلق بمصير ميلوس بقدر ما يتعلق بحال أثينا، والصورة التي يقدمها ليست جميلة. ويتضح ذلك بجلاء في الطريقة التي يمهّد بها تدمير الجزيرة لما يليه مباشرة: محاولة أثينا المشؤومة للسيطرة على صقلية. فبعد وصف إبادة ميلوس مباشرة، يمضي ثوسيديدس قائلا: «وفي الشتاء نفسه قرر الأثينيون الإبحار مرة أخرى إلى صقلية... لغزو الجزيرة إن أمكن». إن أثينا التي عملت في ميلوس لا تنفصل عن أثينا التي اندفعت في حملتها الخاطئة، على نحو مذهل ومهلك، لغزو جزيرة صقلية الكبيرة والبعيدة، وهي الحماقة التي ستصبح أحد الأسباب الرئيسية لخرابها النهائي. كان ثوسيديدس يرى أن حملة صقلية هي الحدث الأهم في الحرب، ولذلك يخصص ما يقرب من ربع عمله العظيم لتصويرها تفصيلا. ومن الأسباب التي تجعل تدمير ميلوس، بخلاف ما جرى مثلا في سكيوني من أحداث شديدة الشبه، موضعا مثاليا لذلك الإبطاء السردي الشديد، أنه يتيح لثوسيديدس أن يربط مباشرة وبوضوح بين الغطرسة والصلف الأثينيين في ميلوس، كما ظهرا جليا في الحوار، وبين الغطرسة والصلف الأثينيين في صقلية، حيث سيأتي موعد السداد: «لقد هُزموا في كل موضع هزيمة تامة؛ وكان كل ما عانوه عظيما؛ ودُمّروا، كما يقال، دمارا كاملا، أسطولهم وجيشهم، كل شيء دُمّر، ولم يعد إلى الوطن من بين الكثيرين إلا القليل. تلك كانت أحداث صقلية».

ومن المعقول القول إن الميليين كان ينبغي أن يختاروا الاستسلام والبقاء، لكنهم في النقاش قدّموا الحجج الأقوى، والأبعد نظرا. فقد جادلوا بأنه إذا ذبح الأثينيون من صاروا تحت رحمتهم، فقد يرسّخون سابقة خطيرة: «إن مصلحتكم في هذا لا تقل عن مصلحة أي طرف آخر، لأن سقوطكم سيكون إيذانا بأشد انتقام، ومثالا يتأمله العالم». في هذه النقطة، وفي نقاط أخرى، كان الميليون على صواب تام، وكانوا على الأرجح يعبّرون عن فكرة أراد ثوسيديدس إيصالها، وهي فكرة كان قراؤه الأوائل سيدركونها على الفور. وقد طرح عالم الكلاسيكيات هانتر رولينغز فكرة لا بد أن تظل تخمينية، لكنها مقنعة الحجة، مفادها أن «حوار ميليان» كان مقصودا به أن يعكس ما كان يمكن أن يُبسط في صورة «حوار أثيني» في نهاية العمل، حيث يجد الأثينيون أنفسهم هذه المرة في موقع الميليين المنكوبين.

وكما يلاحظ زينوفون، وهو معاصر لثوسيديدس استأنف روايته من حيث انقطعت، فإن إسبرطة أجرت بالفعل نقاشا مع حلفائها في نهاية الحرب، وقد جادل كثير منهم بقوة لمصلحة محو أثينا محوا كاملا. أما الأثينيون، فيكتب زينوفون أنهم «خافوا ألا يكون هناك ما ينقذهم من معاناة الشرور نفسها التي أنزلوها هم بمواطني الدول الأصغر». ويضيف: «لم يفعلوا تلك الأشياء انتقاما لمظالم، بل لمجرد إظهار غطرستهم». ومن ثم، فإن أحد دروس «حوار ميليان» هو أن على الأقوياء أن يفكروا بعناية في الكيفية التي يمارسون بها قوتهم التي لا تُقاوم.

في ذلك الحوار، وعلى النقيض من ذلك، يظهر الأثينيون محدودي البصيرة. والأشد صدمة، في سياقه التاريخي، هو موقفهم المستهتر من الإلهي. فعندما يقترح الميليون أن الآلهة قد لا تنظر بعين الرضا إلى أفعال البربرية العارية، يسخر الأثينيون ممن «يلجأون إلى الغيب، إلى النبوءات والعرّافين، وإلى غير ذلك من الاختراعات التي تخدع البشر بالآمال». لكن، بعد وقت قصير، وفي صقلية، غيّر الأثينيون نغمتهم، متوسلين: «إذا كان أي من الآلهة قد غضب من حملتنا، فقد عوقبنا بما يكفي وزيادة». لقد انقلبت الحال، بلا شك.

أقدام من طين

صحيح تماما أن ثوسيديدس يبيّن في الحرب البيلوبونيسية كيف أن الأقوياء، في كثير من الأحيان، يفعلون ما يستطيعون، وأن الضعفاء يعانون ما لا بد لهم منه. لكن الجنرال الأثيني لم يكن يرى أن أفضل وسيلة تستطيع بها دولة قوية أن تعزز مصالحها في السياسة العالمية هي أن تتصرف بعنف منفلت وقسوة بلا كوابح، وأن «تطلق»، بلغة العصر، أيدي «محاربيها»، غير عابئة بالأعراف أو القوانين أو قواعد الاشتباك «الغبية»، كما حثّ وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث.

في حواره الشهير، ينقل ثوسيديدس عن الميليين تحذيرهم من أن مثل هذه الوحشية غير المقيّدة سترتد على أصحابها، فتجعل الأثينيين يتكبدون، على المدى الطويل، أثمانا سياسية فادحة، حتى لو حققوا مكاسب ميدانية محدودة وقصيرة الأجل: «كيف يمكنكم أن تتجنبوا تحويل كل المحايدين الموجودين إلى أعداء، وهم سينظرون إلى حالنا ويستنتجون منها أنكم ستهاجمونهم يوما ما؟ وما معنى هذا إلا أنكم تزيدون عدد أعدائكم القائمين، وتجبرون آخرين على أن يصبحوا كذلك، مع أنهم ما كانوا ليفكروا في ذلك أبدا؟». ومن خلال بنية الحرب البيلوبونيسية، يبيّن ثوسيديدس أن الميليين ربما هُزموا في ساحة القتال، لكنهم ألحقوا بالأثينيين هزيمة ساحقة في ساحة الجدل، تاركين إرثا من الدروس الباقية حول حدود ما تستطيع القوة الغاشمة إنجازه.

وفكرة أن العنف المنفلت يأتي بنتائج عكسية هي، في الواقع، ثيمة متكررة في أنحاء الكتاب. ففي مراجعته للعقود التي سبقت الحرب، يوضح ثوسيديدس أن حملات البطش الدموية التي قادها الجنرال الإسبرطي باوسانياس كانت أحد الأسباب التي جعلت التحالف الأثيني يزداد قوة، إذ إن «الكراهية التي أثارها دفعت الحلفاء إلى الانفضاض عنه... والاصطفاف إلى جانب الأثينيين». وبعد عقود قليلة، انعكست الآية، إذ تحولت أثينا، التي كانت في يوم ما قائدة تحالف، إلى حاكمة إمبراطورية. ويكتب ثوسيديدس أنه عند اندلاع الحرب البيلوبونيسية، «كانت مشاعر الناس تميل أكثر بكثير إلى الإسبرطيين»، بسبب «الاستياء الواسع من أثينا». وهذه نقطة يؤكدها ثوسيديدس مرة بعد أخرى، كما حين يروي كيف أرسلت إسبرطة مبعوثين إلى الميدان لكبح جماح قائد بحري عُرف بذبح الأسرى وإطلاق المذابح. وقد وبخوه قائلين إن مثل هذا السلوك «سيحوّل من الأصدقاء إلى أعداء أكثر مما يحوّل من الأعداء إلى أصدقاء».

ينبغي أن يُقرأ الحرب البيلوبونيسية اليوم، وأن يُعاد قراءته، بعناية كبيرة، لا لمجرد اقتباس مقطع منزوع من سياقه عن صعود القوة الأثينية. فهذا العمل، المكتوب بدهاء وحجة محكمة، لا يزال زاخرا ببصائر عديدة يمكن أن تساعد القراء على فهم العلاقات الدولية المعاصرة فهما أعمق. ومن بين تعاليمه الكثيرة، يظل درسه الأهم أن الغطرسة والصلف اللذين يقودان إلى تقويض الذات هما من الأخطار التي تتهدد القوى العظمى.

وفي نظرته إلى السنة الأولى من ولايته الثانية في الحكم، قال ترامب: «أعتقد أن الله فخور جدا بالعمل الذي أنجزته». وعلى امتداد المسار الطويل لـالحرب البيلوبونيسية، لا يشدد مؤلفه كثيرا على أي توقير خاص للإلهي. لكن يبدو واضحا أن ثوسيديدس، بعيدا عن تأييد مثل هذه المشاعر والسياسات المتهورة الملازمة لها، كان سيزن مقدار هذا الإعجاب اللامحدود بالذات، ثم يهز رأسه أسفا.

جوناثان كيرشنر أستاذ فنسنت كيو وماري آن جيفوني للعلوم السياسية والعلاقات الدولية في كلية بوسطن. وهو مؤلف كتاب مستقبل غير مكتوب: الواقعية واللايقين في السياسة العالمية.

عن مجلة فورين أفيرز «خدمة تربيون»