عُمان .. ودينان مختلفان: النصرانية والمسيحية
15 ديسمبر 2025
15 ديسمبر 2025
2 ديسمبر 2025م.. نَشرتْ جريدة «عمان» مقالاً بعنوان «كِتاب المسيحية في عمان والمسكوت عنه» للكاتب العماني بدر بن سالم العبري، تحدث فيه عن الوجود المسيحي بعمان في العصر الحديث؛ خاصةً في العهد البوسعيدي بشكله البروتستانتي الأمريكي ـ مع إلماح إليه في العهد النبهاني بشكله الكاثوليكي البرتغالي ـ مُركِّزاً على الإرسالية الأمريكية التي أنشأت مستشفى الرحمة في مطرح، الذي عرفه العمانيون بـ«مستشفى طومس»؛ نسبة إلى مؤسسه الطبيب الأمريكي شارون توماس (ت:1913م)، ثم خلفه ابنه ويلز توماس (ت:1971م) المعروف بـ«الدختر طومس»، والذي أسس مركز الأمانة في مسقط.
لقد زرت المركز أول مرة أواخر تسعينيات القرن العشرين الميلادي، والتقيت فيه بالطبيب الأمريكي دونالد باش (ت:2012م)، الذي أجرى لي عملية باطنية في الثانية من عمري تقريبًا. وباش منحه السلطان قابوس بن سعيد ـ طيب الله ثراه ـ (ت:2020م) عام 1972م «وسام عمان»، كما منحه كذلك الجنسية العمانية، جزاء ما قام به مِن خدمات طبية وتدريب الكوادر العمانية، واستعان به كذلك في بناء المنظومة الصحية الحديثة بسلطنة عمان.
بوصول السلطان قابوس عام 1970م للحكم انتهى الدور الدعوي للمسيحية في عمان، وأصبح مركز الأمانة يعقد جلسات حوارية؛ حضرتُ أواخر التسعينيات بعضها، وحينها لم تُعنَ بـ(التعايش والتعريف بالسياحة الدينية في عمان)، وإنَّما تدور حول التعريف بالمسيحية والحوار في معتقداتها، وكان حواراً جاداً، يديره مسيحيون مصريون، واستعرتُ مِن المركز بعض الكتب المرجعية للمذهب البروتستانتي؛ خاصةً عن مرحلة التأسيس مِن قَبَل الراهب الألماني مارتن لوثر (ت:1546م) والراهب الفرنسي جون كالفن (ت:1564م).
وعند زيارتي الأخيرة لمركز الأمانة قبل عامين أخبروني بأنَّهم الآن (يُعرِّفون بالتسامح في عمان، ومكوناتها الدينية)، ولم أقف على برامجهم التطبيقية في ذلك. فالمسيحيون اليوم في عمان ـ بحسب اطلاعي ـ كلهم وافدون، وهم كغيرهم قد كفل لهم القانون أداء طقوسهم الدينية، دون الدعوة إليها خارج نطاق جماعتهم.
لقد اهتمتْ بالوجود المسيحي في عمان عدةُ دراسات معاصرة، سواءً مِن قِبَل العرب المسلمين أو الغرب المسيحيين، وقد ذكر بدر العبري بعضها في مقاله؛ مِنها «المسيحية في عمان: الإباضية والحرية الدينية والكنيسة» تأليف القس أندرو ديفيد تومسون، بترجمة رشا جميل صويلح. ثم يقول العبري: (نُشِرَتْ مؤخراً بعض الكتابات التي لها علاقة غير مباشرة بالتحولات الدينية، وأقرب إلى تمظهراتها التبشيرية والحوارية والتجارية، مثل: «الحملات التنصيرية إلى عمان» للدكتور سليمان الحسيني، و«النصارى في عُمان: حوار بين المسلمين والنصارى في عُمان خلال قرن مِن الزمان (1891-1990م)» مِن تأليف القس الإنجليزي ريموند فريدريك سكنر، وترجمه الدكتور المعتصم المعولي).
المقال جدير بقراءته، وقراءتي له استدعتني التعليق عليه.
يذهب العبري إلى أنَّ الحملات المسيحية لعمان في العصر الحديث (لها علاقة غير مباشرة بالتحولات الدينية، وأقرب إلى تمظهراتها التبشيرية)، ومِن الجيد أنَّه وصفها بأنَّها «غير مباشرة»، لأنَّ تأثيرها المباشر يكاد يكون منعدماً، فهي لم تُحدِث تحولاً يُذكر على المستوى الديني.. بل لم يُكتب لها أنْ يعتنق عمانيون المسيحية، إلا آحادهم ممن هو واقع تحت ضغط «البرمجة الدينية»، وتحت ضغط الحاجة أيضاً، حيث إنَّ المجتمع حينها يعيش في فقر مدقع.
ومع الإقرار بهذه الحملات، وتقرير عدم تأثيرها في معتقدات العمانيين، إلّا أنَّ هذا ليس حكماً عليها بنجاح أو فشل، ولا بصواب أو خطل، وإنَّما هو قراءة لما حدث فحسب. وكذلك؛ لا أنفي الأعمال الجليلة التي قامت بها هذه الحملات بعلاج العمانيين من أمراضهم المستشرية والتخفيف مَن آلامهم، في وقت لم تكن عمان مهيأة بعدها أنْ تبني دولة حديثة؛ تهتم بصحة الناس وتعليمهم، وإيجاد فرص العمل الضرورية لعيشهم الطبيعي.
إنَّ البحث الموضوعي يفرض ألّا تنطلق كتابات المؤرخين بحكم سابق مِن كون هذه الحملات شراً أو خيراً على المجتمع، وإنَّما عليها أنْ تقرر الحدث الواقع بحسب الوثائق المحفوظة.
لقد اعتاد الكُتَّاب أنْ يصفوا هذه الحملات بـ«التبشير» و«التنصير». فـ«التبشير».. لأنَّه أتى ببشارة «المسيح المخلص»، الذي فدى الناس جميعاً مِن خطيئة أبيهم آدم، ولكي يحصلوا على البشارة فعليهم أنْ يؤمنوا بأنَّ المسيح «ابن الله». وهذا المصطلح يحمل مضمونين ينبغي للمؤرخ تجنبهما: الأول.. أنَّه حُكْم، حيث يحمل معنى «البشارة الإلهية»، والموضوعية تقتضي ألّا نحكم ونحن ندوِّن أحداث التاريخ. والثاني.. أنَّه مُعتقَد، ولا إشكال في الكتابة عن المعتقدات بقصد توثيقها، ولكن الإشكال في الإطلاق؛ خاصةً أنَّ القارئ المسلم -غالباً- لم يقف على دلالات هذه المصطلحات ومفاهيمها.
و«التنصير».. لأنَّه جاء دعوةً إلى النصرانية. والتاريخ يقول.. بأنَّ هناك فرقاً بيّناً بين «النصرانية» و«المسيحية». والخلاف بينهما قديم وعميق، ابتدأ منذ حواريي المسيح عيسى بن مريم، فعيسى الذي أُرسل بالمقام الأول إلى (خراف بني إسرائيل)؛ دعا قومه الذين كانوا على اليهودية. ولم يأتِ بشريعة جديدة، وإنَّما دعاهم إلى ما دعا إليه النبي موسى، وهو عبادة الله وحده، وأنْ يقيموا بينهم التوراة: (لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ، مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ.. بَلْ لأُكَمِّلَ) -إنجيل متى5:17- ، لقد سار الحواريون على هذا الطريق، حتى ظهر شاؤول اليهودي؛ المسمى بولس، والذي كان يضطهدهم، فأعلن بأنَّ «يسوع» ظهر له نوراً من السماء، ودعاه أنْ يؤمن به، وألّا يضطهده، وأنْ يدعو إليه في العالمين، فقال بألوهية المسيح؛ ومعتقداتها مِن صلبه وقيامته.
فالنصرانية.. هي التي تَعتبر عيسى بن مريم نبياً داعياً إلى توحيد الله، والمسيحية.. هي التي تعتبره إلهاً أو ابن إله، مخلصاً للبشرية مِن خطيئة أبيهم. وقد انتشر هذان الدينان، وخرجت منهما طوائف، تآلف بعضها فيما بينها، وتحارب بعضها الآخر فيما بينها كذلك. بيد أنَّ كل دين ظلت طوائفه على أصلها، فأصل النصارى مُوَحِدون، وإنْ شابتهم شوائب مؤلِهة ذكرها القرآن.
وأصل المسيحيين مُؤلِهون للمسيح، وإنْ خالطتهم مسحة مِن التوحيد، فقد ظل هؤلاء يعتقدون بأنَّهم ـ رغم تأليههم للمسيح ـ مُوحِدون لله.
وبعد؛ فقبل البعثة المحمدية كان هذان الدينان منتشرين في المنطقة، المسيحية المُؤلِهة ممثلة في الكاثوليكية بروما والأرثوذكسية في القسطنطينية، والنصرانية المُوحِدة ممثلة في النسطورية بالرها ثم نصيبين، ثم طيفسون بفارس والحِيرة بالعراق.
لقد كان للنسطورية بالحِيرة تأثير على اعتناق كثير مِن سكان الجزيرة العربية للنصرانية، ومنهم الأزد، لكون الحِيرة مملكة يمانية. لقد انتشرت النصرانية المُوَحِدة بين العمانيين، واعتنقها ملوكها الجلندانيون، وكان للعمانيين حضورهم الديني في كنيسة الحِيرة النسطورية.. بل لجأ الرهبان والقسيسون النساطرة إلى عمان، عندما حصلت أزمة سياسية بين فارس والحِيرة، ونشطوا في دعوتهم بجزيرة العرب منطلقين مِن عمان.
يقول بدر العبري: (في عمان الحالة الدينية المختلفة لا تتوقف عند الإرساليات المسيحية، وإنْ كانت الأبرز كاثوليكياً نتيجة الوجود البرتغالي، والوجود الهندي القريب مِن عمان، المتدافع مع عمان تجارياً وقرباً جغرافياً، ثم البروتستانت مع الوجود الإنجليزي. بيد أنَّه حالياً فيه تنوع أكبر مع العرب الأقباط والسريان، أرثدوكس وكاثوليك، ومع الموارنة، ومع الكاثوليك والبروتستانت مِن شرق آسيا وسيرلانكا وغيرها، إلا أنَّ عمان ـ خصوصاً الشمال ـ لا يمكن فصلها تأريخياً عن كنيسة المشرق الآشورية، والمعروفة سابقاً بالنساطرة، وأشار المؤلف في كتابه إلى أبرشية «بيت مازوناي» الآشورية، وأسقفها كان مقره صحار).
هذا الخلط بين النصرانية والمسيحية يحدث باستمرار، ليس على مستوى التسمية فحسب، وإنَّما على مستوى المعتقدات والمسار التاريخي. فعمان القديمة.. ارتبطت بالنصرانية النسطورية المُوَحِدة، والتي كانت من أسباب إسراع اعتناق العمانيين للإسلام، لأنَّه جاء مكملاً لرسالات الأنبياء؛ ومِنهم عيسى بن مريم. أمَّا المسيحية المُؤلِهة فلم تعرفها عمان، إلا في العصور المتأخرة مع الوافدين إليها، وظلت منحصرة في المؤمنين بها، ولم يتقبلها العمانيون.
