حرب ألعاب الفيديو التي يخوضها ترامب تختزل الصراع في إيران

24 مارس 2026
24 مارس 2026

ترجمة: أحمد شافعي

رغم اتساع نطاق الحرب وزعزعتها للاستقرار في منطقة الشرق الأوسط وللاقتصاد العالمي؛ فإن الحرب في إيران غير حقيقية، أو أن هذا هو ما تصوره إدارة ترامب. إنما هي لعبة فيديو، أو مباراة جماهيرية، أو مهرجان صاخب على مواقع التواصل الاجتماعي.

فقد جعل مخططو هذه الحرب الغباء فضيلة، واستعانوا على ذلك ببيئة إعلامية مضللة؛ فتبدو الحرب التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية أشبه بالأولى من نوعها في العصر الحديث؛ لكونها بعيدة تمامًا، ومنطوية على جهل تام.

بعد أسبوع من الحرب أطلق البيت الأبيض فيديو على قنواته في مواقع التواصل الاجتماعي وفيه لقطات من أفلام توب جن Top Gun والقلب الشجاع Braveheart وبريكنج باد Breaking Bad مع تعليق مكتوب نصه: «العدالة على الطريقة الأمريكية»، والتعليق نفسه إشارة إلى شعار سوبرمان.

وفي فيديو آخر بعنوان «هبوط الطائرة» يتبارى لاعبون في دوري كرة القدم الأمريكية، وعند تصادمهم يدوي انفجار، وتعقبه صور غارة، وتعليق نصه: «غير سري». وحتى سبونج بوب يظهر هو الآخر متسائلا «أتريدون رؤيتي وأنا أفعلها مرة أخرى؟»، ثم يحدث انفجار. وثمة فيديو آخر يصور «عملية الغضب الملحمي» في صورة لعبة من ألعاب الفيديو.

قال مسؤول رفيع المستوى في البيت الأبيض لموقع بوليتيكو: «نحن منخرطون في عمل ميمات رائعة أيها الرفيق. ثمة عنصر ترفيهي في ما نقوم به». ويتسق هذا تماما مع دونالد ترامب وقاعدته في حركة ماجا الذين يمثل كل شيء بالنسبة لهم منافسة وليس لعبة فقط.

فالسياسة على المستويين المحلي أو الخارجي مسألة تسجيل نقاط وفوز وإذلال للطرف الآخر. ولكي تزداد المنافسة إمتاعًا فلا بد من تصويرها بأقل قدر ممكن من المخاطر. وهكذا لا تكون الحرب مسألة موت ودمار وتداعيات كارثية من الناحيتين الاقتصادية والجيوسياسية، وإنما مسألة بهجة ونقاط واحتفال.

يبدأ أحد الفيديوهات بعبارة «استيقظوا جميعا. لقد رجع الأب إلى البيت». فإدارة ترامب أشبه بلاعب في قبو معتم يشرب البيرة، ويعاني من مخاوف عميقة، ويبذل محاولات محمومة لتهدئة نفسه عبر وميض الألوان والصخب في شاشة ضخمة، أي: تحقيق أكبر قدر من الإثارة بأقل قدر من الجهد.

لكن بعيدًا عن القلق الذكوري المكبوت يحقق تصوير آلة ترامب لهذه الحرب غرضًا سياسيًا؛ إذ يبدد الحاجة إلى أي سرديات أو تبريرات معقدة.

فترامب وفريقه عاجزون عن الإتيان بأي منطق راق للحرب؛ لأنهم عاجزون عن الارتقاء فكريًا إلى مستوى الحدث. وأيضا لأن الحرب تعثرت منذ بدايتها؛ فالهدف الأصلي المتمثل في خلق ظروف مواتية لتغيير النظام لم يتحقق؛ إذ قصفت إيران دول الخليج وإسرائيل بالمسيرات والصواريخ، وأغلقت مضيق هرمز، مانعة مرور النفط والغاز والسلع، ومتسببة في ارتفاع فوري كبير لأسعار الطاقة، فإذا الذي كان يفترض أن يكون نصرا سريعا يتحول إلى مستنقع، ومن ثم فلا بد من اختزال كل شيء في جرعة سريعة الانتشار من الدوبامين، لتصوير المستنقع باعتباره انتصارًا.

وتزداد حالة عدم الواقعية عمقًا بسبب طبيعة الصراع البعيدة.

فلم يحدث من قبل أن نشبت حرب بهذه العواقب التدميرية والنطاق الكبير مع هذا الانفصال المادي؛ فقد وظف الذكاء الاصطناعي على نحو غير مسبوق. وفي فيديو أطلقته القيادة المركزية الأمريكية لعملية «الغضب الملحمي» في منتصف مارس، قال الأدميرال براد كوبر: إن الذكاء الاصطناعي لعب دورا محوريا في 5500 غارة على إيران.

وقال: «البشر هم الذين سيتخذون دائما القرارات النهائية في ما ينبغي ضربه، وما لا ينبغي ضربه وفي موعد الضرب، لكن أدوات الذكاء الاصطناعي المتقدمة تحول العمليات التي كانت تستغرق ساعات، بل وأياما إلى ثوان».

وتعرف هذه العملية باسم كريه هو «تيسير سلسلة القتل» التي تقلل الجهد المبذول في المراقبة وجمع المعلومات، ثم اختيار الهدف.

وفي هذا الصدد تكون الحرب لعبة فيديو فعلية عبر إسنادها إلى برامج. فما من قوات برية، وما من أحد يرى أعين من يلقون مصارعهم، ما من إحساس بحياة وأرض أولئك القائمين على الجهة الأخرى من القنابل والصواريخ. والخسائر البشرية قليلة في الجانب الأمريكي والإسرائيلي قياسًا إلى حجم الهجوم. فتغيب من ثم المخاطر التي كانت بادية عند غزو العراق، من قتل للمدنيين وجهًا لوجه، وتعذيب لهم في أماكن من قبيل أبوغريب، وحصيلة موتى للجنود الأمريكيين والأوروبيين أنفسهم. كل ما هنالك لا يعدو عدوا عديم الوجه، وقياسا للنجاح أو الهزيمة في ضوء ما يلحق بالنرجسية الأمريكية من ضرر أو يتحقق لها من ترسيخ.

وتجري الحرب أيضا في بيئة معلوماتية مهيأة بالفعل للانفصال المريع عن الواقع؛ فقد مضت تلك الأيام التي لم يكن يمكن متابعة الحرب فيها إلا عبر تغطية (سي إن إن) أو (بي بي سي) مع وجود مراسلين ومصورين في الميدان ينقلون الأحداث للمشاهدين، أو مراسلين صحفيين يجرون التحقيقات. فجميع الأحداث تافهها وعظيمها مختزلة الآن في إشعارات. وعبر إنستجرام أو تيك توك أو إكس يمكنكم التنقل بين وصفات الآلات والمؤثرين وفيديوهات البيت الأبيض ومشاهد الدخان المتصاعد من طهران والدوحة ودبي. ومن خلال التصفح المستمر، والرؤية دونما استيعاب تبلد الكثير منا أمام هذه الوفرة. فضلا عن فيض الآراء، والمنشورات الهرائية، ومقاطع الذكاء الاصطناعي التصويرية الزائفة، وملايين المحللين والمذيعين على يوتيوب ومواقع البث.

لم أعد أقوى على حصر منشورات «الأخبار العاجلة» وفيديوهات الحرب على مواقع التواصل الاجتماعي التي تبين من الفحص الدقيق أنها مختلقة بالكامل عن طريق حسابات تبدو موثوقة، وهي لا تستهدف إلا تحقيق المزيد من التفاعل. وحينما تكون الحقيقة والزيف في صراع مستمر داخل تيار من المحتوى لا يبدو أي شيء حقيقيا. لقد نشأ نشاط اقتصادي كامل للانتفاع من هذا الوضع؛ فقد بلغت المراهنات على موقع بولي ماركت (وهو موقع إلكتروني مخصص للتنبؤات يتيح لمستخدميه المراهنة على نتائج أي شيء حتى الصراعات) مبلغا عظيما من التعقيد والضخامة لدرجة تهديد صحفي في وقت سابق من الشهر الحالي بالموت من مستخدمين خسروا رهانهم من جراء تقاريره الصحفية.

من الصعب للغاية وسط هذه القوى المتلاحمة أن نتمسك بإحساس التعاطف، أو نتبع بوصلة أخلاقية، أو نفهم أن آلاف الأبرياء يموتون، وتتحول منازلهم إلى ركام، وتفقد بلادهم استقرارها لجيل قادم، وندرك أن علينا واجبًا تجاههم يمكن أن نؤذيه من خلال الضغط على مخططي هذه المعاناة. هذا هو تحدي هذه الحرب، بل إن هذا في واقع الأمر هو تحدي عصرنا كله: أن نحافظ على إنسانيتنا ونصر عليها في مواجهة أولئك القادة السياسيين الذين يستفيدون من طمس هذه الإنسانية، وأصحاب المنصات الذين يتربحون من ذلك.

نسرين مالك من كتاب الرأي في صحيفة ذي جارديان