الحرب والإرهاق المعلوماتي
24 مارس 2026
24 مارس 2026
هل لاحظت عزيزي القارئ خلال متابعتك لمجريات الحرب الصهيوأمريكية على إيران أنك بدأت تضيق ذرعًا بأخبار هذه الحرب، وتبحث عن أحداث أخرى جديدة أقل توترًا تستحق المتابعة؟
هل لاحظت أيضا أن اهتمامك بأخبار العدوان الإسرائيلي المستمر على غزة وعلى لبنان قد فتر إلى حد كبير؟ إن كنت تشعر بذلك فتأكد أن الأمر لا يرجع إلى ضعف اهتمامك بهذه الأحداث الكبيرة.
العيب ليس فيك، ولا يمس انتماءك كمسلم وعربي. الأمر في الحقيقة يتجاوز قدرة عقلك على الاستيعاب، ويتعلق بقضية أكبر ترتبط بما يسميه علماء الاتصال وعلماء النفس بالإرهاق المعلوماتي الناتج عن التدفق الهائل في الرسائل الإعلامية وعدم قدرة العقل البشري على معالجتها.
في هذا الإطار يمكن استحضار مقولة للاقتصادي وعالم الاجتماع الأمريكي هربرت سيمون الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد للعام 1978 الذي قال في كتابه نماذج العقلانية المحدودة (1971): إن «وفرة المعلومات تؤدي إلى تراجع القدرة على تركيز الانتباه»، وذلك للتأكيد على أن للعقل البشري حدودًا في معالجة المعلومات لا يستطيع أن يتجاوزها خاصة عندما يواجه تدفقًا معلوماتيًا كثيفًا.
تبدو دلالة هذه الفكرة أكثر وضوحًا اليوم من أي وقت مضى؛ فمع تصاعد الأحداث الدولية وتسارع التحولات في المجال الاتصالي يواجه العقل البشري كمًا متزايدًا من المعلومات يفوق قدرته على مواصلة متابعة الأحداث والقضايا المعقدة مثل الحروب والأزمات؛ إذ يتعرض لضغوط إدراكية هائلة تعيق قدرته على الفهم؛ وبالتالي على استمرار الاهتمام بالحدث.
في ضوء خبرتي الممتدة في تدريس مقررات نظريات الاتصال لسنوات طويلة لطلبة مرحلتي البكالوريوس والماجستير في عدد من الجامعات العربية يمكن القول: إن ما نعيشه اليوم يتجاوز مجرد زيادة في حجم المعلومات المتاحة إلى حالة أكثر تعقيدًا يمكن وصفها بالتخمة المعلوماتية التي قد تفضي إلى حالة من الإرهاق والعجز عن التفكير على نحو يذكّر بالتخمة الغذائية التي تجعلنا في بعض الأحيان عاجزين عن الحركة. وإذا كان من الممكن علاج التخمة الغذائية فمن الصعب علاج الإرهاق المعلوماتي الذي يترك آثاره السلبية على إدراك الواقع وعلى قدرتنا على متابعة الأحداث.
واقع الحال أن الأحداث الجارية تقدم مثالًا شديد الوضوح على هذه الحالة. الحرب الصهيوأمريكية على إيران ولبنان -التي دخلت أسبوعها الرابع- تكشف عن تراجع تدريجي في الاهتمام بأخبارها التي أصبحت شبه معادة ومكررة: ضربات أمريكية- إسرائيلية غاشمة لمواقع مدنية وعسكرية ومنشآت حيوية ومحطات طاقة في إيران ولبنان، يقابلها رد إيراني ولبناني باستهداف الأراضي المحتلة والقواعد الأمريكية بالصواريخ الباليستية.
ومع التدفق المستمر لأخبار الحرب تتزايد الضغوط على العقل البشري، وهو ما يؤدي في النهاية إلى تراجع الاهتمام بها، والبحث عن مهرب منها. وقريب من ذلك ما يحدث في غزة التي لم تتوقف الحرب فيها يومًا رغم اتفاق وقف إطلاق النار؛ حيث نشهد تراجعًا كبيرًا في الاهتمام بالجرائم التي ما زالت ترتكبها قوات الاحتلال في القطاع والضفة الغربية رغم استمرار أعمال القتل والتدمير والتجويع لشعب غزة الأعزل.
هذه الظاهرة تمثل في تقديري تحولا مهما في بيئة الاتصال الإنساني يصعب التعامل معها بوصفها ظاهرة محدودة تتعلق بتسارع الأحداث والأخبار المرتبطة بالحروب. وعلى هذا الأساس من المهم تفسيرها بالاستناد إلى بعض الحقائق النظرية التي ثبت صحتها على مدى عقود، خاصة تلك التي تفسر العلاقة بين كثافة التعرض للرسائل الإعلامية وبين حدود الإدراك الإنساني.
لعل أول هذه الحقائق أن الإنسان المعاصر أصبح يعاني على خلاف الأجيال السابقة من وفرة المعلومات. وقد أشار إلى ذلك عدد من المنظرين منهم «ألفين توفلر»، وقدموا لاحقا نظرية «فيض المعلومات» أو ما أُفضل أن أطلق عليها «التخمة المعلوماتية»، وهي حالة يتجاوز فيها حجم المعلومات المتاحة عن حدث ما قدرة الفرد على معالجة المعلومات، ثم يلجأ إلى أساليب دفاعية تقلل من التوتر الناتج عن هذه التخمة، منها خفض اهتمامه بالحدث وعدم التعرض لمزيد من الرسائل الخاصة به؛ وبالتالي تضعف قدرته على التركيز وبناء فهم متماسك للأحداث.
ولا يقف تفسير هذه الحالة على التخمة المعلوماتية وحدها، ويمتد إلى آليات عمل وسائل الإعلام نفسها. هنا تأتي الحقيقة النظرية الثانية وتتعلق بنظرية «وضع الأجندة» أو «ترتيب الأولويات»، وهي نظرية شديدة الأهمية تفسر لنا لماذا تتقدم أحداث وقضايا في تغطية وسائل الإعلام بينما تتراجع أخرى ولا يستمر الاهتمام بها. تقول هذه النظرية المعروفة جيدا لدي طلاب وأساتذة الإعلام: إن وسائل الإعلام لا تكتفي بتحديد الموضوعات ذات الأهمية، وتعيد ترتيبها باستمرار وربما أكثر من مرة على مدار اليوم الواحد. ومن الطبيعي أن ينتج عن ذلك تقليص الزمن المتاح لعرض كل حدث أو قضية، والحد من تراكم المعرفة حولها.
على المنوال نفسه يشرح مدخل «الاستخدامات والإشباعات» التحولات في أنماط تعرض الجمهور لوسائل الإعلام؛ إذ يتجه الأفراد وفقا لهذا المدخل إلى عمليات نفسية وسلوكية تجعلهم يتعرضون بشكل انتقائي لوسائل ورسائل الإعلام التي تتوافق مع اتجاهاتهم ومعتقداتهم ويتجاهلون ما يتعارض معها.
ولعل هذا ما قالت به نظريات أخرى مثل نظرية التنافر المعرفي التي تؤكد أن الناس يواجهون المعلومات المتنافرة التي يروج لها أطراف الصراع بآليات عديدة تبدأ بتجنب التعرض للرسائل التي يرون أنها لا تتماشى مع مفهومهم عن العالم، أو ربما يهتمون فقط بأجزاء الرسالة التي تتوافق مع «الأطر المرجعية السائدة» لديهم، وهو ما يُعرف بـ «الانتباه الانتقائي» إلى جانب التشكيك في مصدر المعلومات المتنافرة، والتذكر الانتقائي.
في بيئة المنصات الرقمية لم يعد حضور الأحداث والقضايا في وعي الجمهور يتم بصورة عفوية كما كان يُتصور. ما يُعرض علينا اليوم يخضع إلى حد كبير لمنطق الخوارزميات التي تحرص على إبراز ما يثير الاهتمام ويحفز التفاعل، وتعيد تدويره مرات عديدة بينما يختفي غيره سريعًا.
ولهذا قد نجد أنفسنا نتابع موضوعًا بعينه لساعات أو أيام؛ فقط لأنه الأكثر حضورًا أمامنا. هذا الحضور المتكرر له آثار كثيرة؛ فطريقة عرض الموضوع، والزوايا التي يُقدم من خلالها، واللغة المصاحبة له كلها عوامل تسهم في تشكيل صورة ذهنية قد تبدو مع الوقت وكأنها الواقع نفسه.
هنا يمكن استدعاء مفهومين نظريين آخرين، هما «التهيئة المعرفية» و«التأطير الإعلامي». يشير الأول إلى أن تكرار إبراز موضوعات أو قضايا معينة يجعلها أكثر حضورًا في ذهن المتلقي بما يؤثر في الطريقة التي يقيم بها الأحداث اللاحقة، ويشير الثاني إلى تقديم الحدث ضمن زاوية أو سياق محدد؛ بحيث يوجه هذا الإطار إدراك الجمهور وتفسيره لما يحدث.
الأهم من المصطلحات من وجهة نظري هو أن ندرك أننا أصبحنا لا نرى الحدث كما وقع أو يقع، ونراه بالطريقة التي يُعاد تقديمه بها. ومع تكرار ذلك تصبح متابعة الأحداث مرهقة للغاية خاصة مع كثرة المعلومات.
هنا يبرز سؤال مهم هو ماذا يمكن أن يفعل الإعلام؟ واقع الأمر أن الاستمرار في ضخ المزيد من المعلومات لن يحل المشكلة. ما يحتاجه المتلقي في كثير من الأحيان يتجاوز الأخبار الجديدة إلى تفسير واضح للأحداث والربط بينها.
علينا أن ندرك أن التعامل مع الإرهاق المعلوماتي ليس مسؤولية المؤسسات الإعلامية وحدها. نحن كجمهور أصبحنا مطالبين بأن تكون لدينا درجة أعلى من الوعي في الانتقاء والمتابعة. لم يعد من الممكن متابعة كل ما يجري حولنا، وربما لم يعد ذلك ضروريًا.
وعلى هذا فإن التحدي الحقيقي يتمثل في قدرتنا على التعامل مع الأحداث مثل الحرب الحالية على إيران ولبنان دون أن تتحول إلى عبء يسبب الإرهاق ويصيبنا بالتخمة المعلوماتية.
