قوة أمريكا ودبلوماسيتها القسرية لم تجد نفعًا أمام إيران!
09 مايو 2026
09 مايو 2026
ترجمة: أحمد شافعي -
بعد أشهر من الحرب، لا تزال الولايات المتحدة الأمريكية تجد عنتًا رهيبًا في إقناع إيران بإعادة المرور المستقر في مضيق هرمز، ناهيكم بقبول مطالب واشنطن الجوهرية، وهي تخلي إيران عن برنامجها النووي، وتفكيك قوتها الصاروخية وإلغاء شبكة وكلائها الإقليمية.
ولقد ضعف الجيش الإيراني ضعفًا كبيرا وتضعضع النظام، لكنها لا تزال إلى اليوم مستمرة في منع أغلب بلاد العالم من شحن النفط والغاز والأسمدة والهليوم عبر المضيق.
ومن جراء ذلك، يحدق الخطر بالاقتصاد العالمي، وينخفض الرضا الشعبي المحلي عن دونالد ترامب، وتربح روسيا، وتعاني جاهزية الولايات المتحدة العسكرية لا سيما في منطقة المحيطين الهندي والهادي.
تتفوق الولايات المتحدة الأمريكية على إيران وفقا لكل مقياس ذي شأن للقوة الوطنية؛ فهي تمتلك القوة العسكرية بحجم هائل، وهي الاقتصاد الأضخم في العالم، وهي التي تمتلك القدرة على عزل بلاد العالم عن الأسواق العالمية من خلال سطوة الدولار.
فما السر في أن إيران قادرة على إحباط خطط الولايات المتحدة الأمريكية بهذه النجاعة التامة؟
تكمن المشكلة الجوهرية في أنه على الرغم من زعم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه يتفاوض، فإنه يعتمد عمليا، وبصورة شبه حصرية، على الضغط العسكري والاقتصادي لا على دبلوماسية حقيقية تقوم على الأخذ والعطاء.
وكان من شأن نهج أجدى يقدم لطهران ضمانات وحوافز ذات معنى حقيقي أن يجعلها ترى ما يستحق القبول بمخاطر توقيع اتفاقية مع واشنطن، فضلا عن احترام النهج للخطوط الحمراء التي أبدى النظام الإيراني الحاكم أنه لا يستطيع أن يتزحزح عنها.
يتبع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نهج الدبلوماسية القسرية. وقد أفلحت هذه الدبلوماسية القسرية في الماضي؛ لكنها تستوجب تقديم مطالب يمكن أن يلبيها الخصم دون أن يخاطر ببقائه نفسه.
وقد كان هذا على سبيل المثال هو المنطق الذي قامت عليه الدبلوماسية القسرية فأتت بالرئيس الصربي سلوبودان ميلوسوفيتش إلى طاولة المفاوضات حول البوسنة سنة 1995 ثم التوصل إلى اتفاق بشأن كوسوفو سنة 1999.
أما في حالة إيران اليوم، فإن مطالب واشنطن تشارف المطالبة بنزع السلاح من جانب واحد. والموافقة على تلك المطالب تعني، بالنسبة لطهران، التنازل عن كل الدفاعات التي يؤمن النظام الإيراني الحاكم أنها تحميه من الإطاحة به.
فمن المفارقات أنه كلما لجأت واشنطن إلى تصعيد الضغط العسكري، ازدادت طهران اقتناعا بأن قدرات الردع الأقوى ـ ومنها الحفاظ على بعض السيطرة على المضيق ـ ضرورية لبقاء النظام الحاكم. فضلا عن أن انسحاب الرئيس دونالد ترامب من اتفاقية 2028 النووية مع إيران يؤكد لطهران أن واشنطن قد تستفيد من أي تنازل تقدمه ثم تعاود الرجوع إلى الأعمال العدائية.
كما أن إيران اليوم لديها قدرة على استيعاب الضغط تتجاوز قدرة أي من البلاد التي استهدفتها الدبلوماسية القسرية من قبل. فالطائرات المسيرة والصواريخ والأدوات السيبرانية والعمليات المعلوماتية تضع جميعا في يد طهران ما تستطيع به أن تزعج الولايات المتحدة وأن تهدد أصولها في المنطقة، وكذلك الشحن الأمريكي التجاري العالمي. وأهم من ذلك أن إيران لديها مناصرون خارجيون أقوياء.فالصين تمدها بالدعم الاقتصادي والدبلوماسي الضروري، بينما تستمر روسيا في تقديم دعمها العسكري والسياسي.
ولذلك فإن كسر الجمود يعني التفاوض بمزيد من الواقعية والقبول بأن الحد الأدنى للمطالب الأمريكية لا يمكن أن يتمثل في نزع إيران لسلاحها عمليا. فلا يمكن لحكومة إيرانية أن توافق على ذلك وتتوقع بقاءها في الحكم.
ومثلما أوضح مفاوضون أوروبيون سابقون، فإن أي اتفاقية كبيرة على القضايا الجوهرية قد تستوجب أيضا تخفيفا للعقوبات المفروضة على إيران في المدى القريب بقدر كاف لأن تكون المخاطر السياسية المترتبة على التنازلات مقبولة لطهران.
وأخيرا، سوف تحتاج إيران إلى شيء من الأمل في أن واشنطن ستحترم الاتفاق الذي توقعه بدلا من أن تتجه بعده إلى محاولة تغيير النظام.
وسوف يعين على تحقيق هذا أن تشارك أطراف ثالثة من قبيل الصين وأوروبا وربما دول الخليج.
غير أنه لن يكون من السهل الوصول إلى قدر أكبر من المرونة في موقف الولايات المتحدة وخاصة لأن حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة سوف يقاومون تخفيف العقوبات ما لم تقدم إيران تنازلات على الصعيدين النووي والصاروخي.
ولكن البديل هو استمرار الجمود الذي تربح من جرائه روسيا، ويتنامى نفوذ الصين، ويرى الحلفاء في منطقة المحيطين الهندي والهادئ استنزاف موارد الولايات المتحدة في حرب أخرى بالشرق الأوسط، ويتعرض الاقتصاد العالمي لخطر الركود.
وإذا ما ثبتت استحالة التفاوض في القضايا الكبيرة، سيكون الحد الأدنى الواقعي هو التفاوض على الرجوع إلى وضع ما قبل الحرب في ما يتعلق بحرية الملاحة في المضيق، وتجميد أي تصعيد عسكري.
وقد يكون هذا هو الاتجاه الذي تمضي إليه الإدارة الأمريكية بناء على تقارير صحفية حديثة؛ فقد يحاول دونالد ترامب أن يروج الضرر الذي ألحقه بإيران في الجيش والبنية الأساسية النووية باعتباره انتصارا لمصالح الولايات المتحدة. وبطبيعة الحال لن يكون هذا نجاحا في الواقع، لكنه سوف يوقف استنزاف القوة الأمريكية الذي تسببت فيه هذه الحرب.
ليس مأزق دونالد ترامب في إيران إلا نتيجة متوقعة لتصور مفاده أن القوة العسكرية والاقتصادية الهائلة قادرة على أن تحل محل القدرة على التنازل. فكم أدى هذا التصور إلى خيبات استراتيجية لقوة كبرى طوال فترة ما بعد الحرب الباردة ـ كما في العراق وأوكرانيا ـ وها هو يثبت من جديد أن القوة العسكرية ليست ببديل للدبلوماسية الحقيقية.
كريستوفر تشيفيز زميل أول ومدير برنامج الحكم الأمريكي في مؤسسة كارنيجي للسلام الدولي.
الترجمة عن ذي جارديان
