صناعة الترفيه في عُمان

31 يناير 2026
31 يناير 2026

يرتبط الترفيه بحياة المجتمعات باعتباره جزءًا أساسيًا وحاجة متعلِّقة بالبناء الاجتماعي لنسق حياة الناس، لما له من أهمية في التخفيف من أعباء الحياة اليومية وضغوطاتها من ناحية، والترويح عن النفس من ناحية أخرى، إضافة إلى كونه سبيلًا إلى بلوغ السرور والسعادة؛ وبالتالي، فإن أهميته مرتبطة بالحاجات النفسية والاجتماعية؛ إذ يعتبر الترفيه واحدًا من الفضاءات التي تجمع العائلات والأصدقاء، وترسِّخ العلاقات الإيجابية فيما بينهم؛ لذا فإنه مجال خصب لتحسين جودة الحياة، وتعزيز الصحة النفسية، وتجديد النشاط والطاقة، بالإضافة إلى أهميته من الناحية البدينة بما يتضمنه من ممارسة للرياضات المختلفة، التي تنمي المواهب والقدرات.

تشير الأدبيات المختلفة إلى أهمية الترفيه في تحسين الصحة النفسية من خلال التخلص من الطاقات السلبية والتوتر، بما يُعزِّز الشعور بالرضا، كما أنه يُسهم في تجديد النشاط والطاقة وتحقيق التوازن، بما يوفره من مساحات واسعة للتعلم والممارسة المباشرة للعديد من المهارات الذهنية والثقافية والرياضية وغيرها؛ لذا فإنه يقدِّم لمرتاديه فرصًا عدة لتطوير الشخصية وتنمية الإبداع والتعبير عن الأفكار بطرق مختلفة؛ وبالتالي فإن الترفيه بأساليبه وفضاءاته المتعددة يوفِّر مجالًا واسعًا لممارسة الأنشطة التي تدعم الشعور بالسعادة والسرور.

إن هذا الشعور المرتبط بالترفيه التعليمي أو الثقافي أو الرياضي أو البيئي، يُعزِّز الجوانب الاجتماعية والنفسية خاصة لدى الناشئة والشباب من حيث توفير بيئة آمنة لاستثمار أوقات الفراغ فيما يفيدهم من معارف وثقافة تربطهم بمجتمعهم وترسِّخ لديهم مفاهيم الهُوية الوطنية وقيم المواطنة، بما يقدمونه من أعمال ومشاركات من ناحية، وما ينتجونه من إبداعات وابتكارات وما يمارسونه من مهارات ورياضات تقييهم الأمراض النفسية المختلفة المرتبطة بالحياة اليومية وتحديات الانفتاح المعرفي خاصة على مستوى ما تقدمه التقنيات الحديثة من إشكالات وتحديات.

ولهذا فإن الترفيه يُعد وسيلة مهمة للترويح عن النفس، وقضاء الأوقات الماتعة والمفيدة مع الأهل والأصدقاء، والاستمتاع والممارسة الفاعلة للأنشطة والهوايات، الأمر الذي ينعكس على حياة الأفراد عموما؛ من حيث صحتهم النفسية والبدنية، وكذلك عطائهم وإقبالهم على الأعمال ومشاركتهم الفاعلة في تحقيق الأهداف الوطنية.

فالترفيه حاجة مهمة من الحاجات الإنسانية الأساسية، ولأن الدول تؤمن بهذه الحاجة وتقدِّر أهميتها، فإن كثير منها أسَّس منظومة متكاملة تقود الترفيه نحو تحقيق تلك الأهداف برؤية واضحة تنطلق من حاجات المجتمع وتتأسس وفق معطيات اجتماعية وثقافية خاصة به.

إن العالم اليوم ينظر إلى الترفيه بوصفه صناعة؛ من حيث ارتباطه بالثقافة الوطنية من ناحية، والتقنيات الحديثة من ناحية ثانية، وقابلية التوسُّع في الأسواق وفتح فرص عمل للشباب من ناحية أخرى، فهذه الصناعة ترتبط بالإبداع والمبدعين، وقدرتهم على إضفاء طابع جديد ومبتكر لجذب الجماهير خاصة فئة الشباب؛ وبالتالي، فإنها صناعة تقوم على المشاركة المجتمعية التي تفتح مجالات واسعة لذوي المهارات من كُتَّاب وفنانيين في كافة المجالات (الموسيقى والمسرح والأداء الحركي وغير ذلك)، وأصحاب الصناعات الحرفية بمختلف أنواعها وأشكالها، إضافة إلى المشاركات التعليمية القائمة على دعم مهارات التفكير والإبداع.

لذا، فإن ما شهدناه خلال هذه الفترة من إقبال جماهيري على ما تم تنفيذه من مهرجانات وما صاحبها من فعاليات وأنشطة سواء في محافظة مسقط (ليالي مسقط)، أو محافظة الظاهرة (مهرجان الظاهرة السياحي)، أو محافظة شمال الباطنة (مهرجان صحار) وغيرها، يدل صراحة إلى أهمية الترفيه بمظاهره السياحية والثقافية والاجتماعية وحتى الاقتصادية، وقدرته على تقديم ما يتناسب مع أفراد المجتمع بمختلف أعمارهم واهتماماتهم.

وبالتالي، فإن مظاهر الترفيه التعليمي والثقافي الذي وفَّرته هذه المهرجانات لجماهيرها يثبت حاجة المجتمع لأنماط هذا الترفيه في الترويح عن النفس.

تشير الإحصائيات المبدئية ـ حسب الصحف اليومية ـ أن هناك مليونًا ونصف المليون زائر لـ (ليالي مسقط)، وأكثر من (270) ألف زائر لـ (مهرجان صحار)؛ وهي أرقام لافتة تشير إلى حاجة أفراد المجتمع لمثل هذه التظاهرات السياحية الثقافية ذات الطابع الاجتماعي؛ فهي ليست مجالا للتسلية وحسب، بل فضاء للترفيه والابتكار بما تقدمه من مجالات واسعة لتعزيز الأثر الثقافي الاجتماعي، وتحسين جودة الحياة في بيئة عائلية ترسِّخ القيم وتوفِّر بيئة تعلمية وترفيهية هادفة ومفيدة.

إن ما قدمته هذه المهرجانات من مناشط وفعاليات عكست التراث الثقافي العماني، وواءمت بين الواقع والتقنيات الحديثة خاصة تقنيات الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي، بما يثير الدهشة، ويجذب الجماهير، ويقدِّم لهم تجارب إبداعية مختلفة؛ الأمر الذي أسهم في إيجاد صناعة ترفيهية تخلق بيئة تنافسية بين المحافظات لتقديم العروض والحفلات والأمسيات والفعاليات والأنشطة؛ بما يجعلها وجهة أساسية للأفراد والعائلات، ويوفِّر أفضل الممارسات التقنية التي تعزِّز ثقافة الإبداع والابتكار لدى الناشئة والشباب.

إضافة إلى ذلك، فإن هذه المهرجانات وفَّرت فرصا لتبادل التجارب والخبرات الثقافية والتقنية، من خلال استقطاب العديد من العروض العالمية الفنية والمسرحية وعروض الروبوت. فالاستضافات تقدِّم بعدًا مختلفًا للأنشطة بما تضفيه من عوالم ثقافية متنوعة، وما تقدمه من أنماط إبداعية توفِّر مساحات التعاون والتبادل المعرفي بين المشاركين في تلك المناشط من جهة، وبينهم وبين الجماهير من جهة أخرى.

لقد أسهمت المهرجانات في توفير بيئة تنافسية معزِّزة للبيئات المحلية في المحافظات؛ حيث أظهرت ثقافة المحافظات بتنوعها الحضاري وخصائصها الفريدة، وقدرة أبنائها وخبراتها المختلفة، إضافة إلى إمكاناتها التطويرية وتطلعاتها المستقبلية.

كما وفَّرت بيئتها الجاذبة مجموعة كبيرة من فرص العمل المؤقتة؛ حيث تطالعنا الصحف اليومية أن تلك المهرجانات وفَّرت مئات الفرص للعمل في التنظيم والتنفيذ والمشاركات المختلفة خاصة للشباب والمرأة؛ الأمر الذي يلفت النظر إلى أهمية صناعة الترفيه في فتح فرص العمل لا سيما في الوظائف الإبداعية وما يساندها من صناعات.

إن هذه المهرجانات بطابعها الثقافي والسياحي تبرز أهمية الاستثمار في الثقافة، من خلال ما ترتكز عليه من صناعات إبداعية؛ حيث تزدهر ضمنها الفنون بأنواعها المختلفة، فلا نكاد نرى ركنا في المهرجانات لا يقدَّم فيه المسرح أو الفنون التقليدية أو السهرات الغنائية، أو الأمسيات الشعرية، أو الحوارات الثقافية أو العروض البهلوانية أو غير ذلك من صناعات إبداعية تقوم على الثقافة واستثمار الثراء الحضاري الذي تتميَّز به محافظات عُمان.

لقد أثبتت المهرجانات اليوم الحاجة إلى أهمية إيجاد منظومة تقود صناعة الترفيه في عُمان، وتُعزِّز من دور الثقافة في هذه الصناعة، اعتمادًا على التنوُّع الثقافي والحضاري الذي تنفرد به، بما يُسهم في تطوير الإبداع والابتكار ودورهما في دعم مفاهيم الترفيه لتقديم تجربة معرفية وثقافية تقود الترفيه وتوسِّع من آفاقه.

فالحاجة إلى الترفيه الذي يحمل أبعادًا معرفية متوازنة يزداد في ظل الانفتاح المتزايد وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي التي تشكِّل خطرًا اجتماعيا على مستوى العالم.

إن الترفيه باعتباره صناعة يقدِّم تجربة إبداعية تنافسية، تخدم الأهداف الوطنية، بما يعزِّز الصحة النفسية للأفراد، ويُحسن جودة حياتهم ويدعم مشاركتهم الإيجابية في خدمة الوطن.

عائشة الدرمكية باحثة متخصصة فـي مجال السيميائيات وعضوة مجلس الدولة