المواجهة الأمريكية الإيرانية.. إلى أين؟

31 يناير 2026
31 يناير 2026

في خضم الأحداث الجارية، تواصل معي قبل أيام صديق ألماني يعمل مستشارا في أحد مراكز الدراسات الاستراتيجية هناك، يسأل عن قراءتي للمشهد الإيراني، وعما إذا كانت الحرب وشيكة! وهل الحشد الأمريكي الحالي ينمّ عن استعداد قتالي مكتمل؟ وإذا حصل ما نخشاه جميعا، ما التداعيات المحتملة على المنطقة؟ والأهم، ما موقف دول الخليج مما يحدث الآن؟

بمعنى آخر، هل يمكن أن تقوم هذه الدول بدبلوماسية نشطة لخفض التصعيد، تجنّبها -قبل كل شي- ويلات الحرب والدمار، أم أن الأمر لا يعنيها أساسا، وبالتالي تفضّل ممارسة دور المراقب، تجبنا للإحراج، وحتى لاتقع بين مطرقة أمريكا وسندان إيران؟

ومع أن التنبؤ بالمستقبل والتحليل الاستراتيجي عموما، ميدان يخوض فيه الكثير، ويدّعي العديد معرفة به ودراية، لكن الحقيقة، أن القليل جدا هم ممن يتوفر لديه قراءة واعية للواقع، قراءة، بعيدة عن العواطف، وغير متأثرة بالضوضاء والتشويش الإعلامي الرقمي، ناهيك عن حيازة أدوات ناجعة وقدرات فاحصة للتنبؤ بالمستقبل، خاصة في عصر السياسات الارتجالية للرئيس ترامب، وانفراده بالقرار السياسي، بعيدا عن

تقاليد دولة الموسسات، وقواعد وسياسة الضوابط والتوازنات Checks and Balances التي طالما وجهت السياسة الأمريكية.

دروس من فنزويلا

لا شك أن استذكار دروس من التاريخ، لإجراء المقارنات، واختبار الاحتمالات، يساعد في العادة بالتنبؤ بمسارات الأحداث. ومع أن التاريخ يوفر شواهد ودلالات تؤكد على عمق العلاقة بين حشد القوات وزيادة فرص الحرب، سواء كان ذلك بالنوايا والخطط المعدّة سلفا، أم بالتصعيد الناتج عن سوء التقدير والأحداث المفاجئة، إلا أنه، ولحسن الحظ، لا نحتاج للبحث بالتاريخ البعيد؛ فالأزمة الأخيرة بين الولايات المتحدة وفنزويلا، توفر نموذجا حيا للمقارنة.

في حالة هذه الدولة، كل شيء حدث بشكل سريع ومفاجئ، وبطريقة يصعب معها التقييم بأنها عمل ممنهج، وأتى ضمن استراتيجية أمن قومي وخطط حرب مدروسة!

يومها، قام الرئيس ترامب بنشر قوات محدودة، تسمح بتنفيذ حصار اقتصادي، وضمان تفوق جوي على فنزويلا، والقيام ببعض الاستفزازات التي أدت في نهايتها إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي مادورو، ونقله مقيدا إلى نيويورك للمحاكمة.

لم يتطلب الأمر شن حرب شاملة وطويلة، بل مجرد عملية قوات خاصة خاطفة، محدودة، وسريعة. لم يهتم ترامب بإجراء خطط لليوم التالي، كما لم يبال كثيرا بأي ترتيبات لردة الفعل المحتملة، ولا للحفاظ على السلم، أو بناء وتثبيت نظام ديمقراطي موال.

هذه، كما اتضح جليا، الاستراتيجية المفضّلة للرئيس ترامب، والتي تتلاءم مع نهجه وطباعه. استراتيجية تبدأ باستعراض القوة والتصعيد المتدرج، ثم القيام بالخطوة الأولى، وبعد ذلك مراقبة النتائج، والتفاعل معها بناء على المعطيات وردود الافعال؛ إن كانت مواتية، يسارع بالبناء عليها وتوظيفها لخدمة أهدافه الداخلية والخارجية، وإن كانت غير ذلك، يجد مخرجا سريعا وبأقل التكاليف السياسية لتفادي أي تداعيات محتملة.

فرص المواجهة مع إيران

ومع أن لكل حالة ظروفها، وإيران ليست فنزويلا، وقدرات الردع لديها أكبر وأكثر تعقيدا، إلا أنه على ما يبدو أن الحالة الإيرانية لاتختلف عن فنزويلا كثيرا؛ فبين ليلة وضحاها، أصبحت إيران المغامرة والهدف القادم للرئيس ترامب، بعد النجاح الجزئي بفنزويلا، والمواجهة الفاشلة مع أوروبا.

ومع أن الدوافع الأمريكية تجاه إيران متعددة؛ ابتداء بالعلاقات المتوترة منذ الثورة الإسلامية قبل 47 عاما، ومعارضة ترامب للاتفاق النووي، ورغبته في محو إرث الرئيس أوباما، وتدخلات اللوبي الصهيوني لصالح إسرائيل، لمعاقبة إيران لمنازعتها تفوق إسرائيل، والرغبة في التأثير على الردع الإيراني، بعد أن تم تحقيق نجاحات مهمة في إضعاف محور المقاومة، وضرب قدرات الدفاع المتقدم عبر وكلاء إيران بالمنطقة، أو حتى اقتصاديات النفط والمال، أو قطع الطريق على الصين ومحاصرتها، وانتهاء بالرغبة في إنجاح مهمة مجلس سلام غزة، وإعادة بناء نظام جديد للأمن بمنطقة الشرق الأوسط، وفق مصالح ترامب والولايات المتحدة، إلا أنه مع كل ذلك، كان خيار أمريكا في ادارة هذه الاختلافات، هو الاحتواء، بدل المواجهة العسكرية معها. هذه المرة الأمر مختلف، والرئيس ترامب في عجلة من أمره!

لقد قام ترامب باتباع النهج والأساليب العسكرية نفسها مع فنزويلا، ومع عدم الاستهانة بقوة النيران التي تم نشرها ميدانيا، لا يبدو لكثير من المحللين، أنها تتوافق مع سيناريوهات الحرب الشاملة.

عسكريا، هي أقرب لاستعراض القوة التي تسمح بإجراء حصار بحري ذي فعالية معقولة، مع الضغط على التفاوض، والدفع نحو تسوية سياسية، مع القدرة، بالطبع، لتوجيه ضربة مباشرة، وحاسمة، لكنها تبقى محدودة، دون المزيد من الدعم العسكري، وتعاون الدول المجاورة.

وبالرغم من الردع المتبادل، وتوفر خيارات الرد الإيرانية، إلا أن ترامب، على مايبدو، سيجد نفسه مضطرا لتوجيه ضربة لإرضاء كبريائه، وللوفاء بوعده للمتظاهرين، وبالطبع، استجابة للتحريض الإسرائيلي والمساعي الخفية للوبي الصهيوني في أمريكا.

قد تبقى الأمور تحت السيطرة، وبشكل أشبه بالمواجهة السابقة بين الدولتين، في حالة توجيه الضربة للمشروع النووي، أو استهداف من ألحقوا الضرر بالمتظاهرين بشكل مباشر. أما إن طالت صلب النظام الإيراني، ومحاولة تغييره، أو تمكنت من تحريض الداخل الإيراني لصالح ثورة مضادة، فإن الوضع سيكون مختلفا، والصدام حتميا، وقد نصل معها إلى مرحلة المواجهة الشاملة.

بالرغم من كل ذلك، فإن أي صفقة مغرية لترامب ـ على شاكلة فنزويلا ـ يمكن أن تحقق تهدئة مؤقتة وتكسب معها الوقت، ويمكن أن تؤدي إلى ضجر ترامب، أو انشغاله بقضايا أكثر الحاحا.

غياب الأفق السياسي

ما يسهم في تأزيم الوضع بالنسبة لحالة إيران، هي انعدام الأفق السياسي، من خلال الشروط القاسية التي وضعها ترامب لإيران؛ فالواضح أن الشروط تبدو تعجيزية، ويصعب توقع قبولها بشكلها الحالي.

إن موافقة إيران على التصفير النووي، وتسليم اليورانيوم المخصب، وتفكيك برنامج الصواريخ ذات المديات ما فوق ٣٠٠ كلم، والتخلص منه نهائيا، بالإضافة إلى وقف الدعم لوكلاء إيران وقطع العلاقة معهم، أمور يصعب تصورها.

إن تخيير إيران بين القبول بشروط مهينة، أو الحرب، يضعها في زاوية صعبة، ويدفعها إلى طريق واحد، وهو الصدام، وألا تكون كمن يتجرع السم، وتقبل بالانتحار والموت البطيء لمشروع الثورة الإيرانية.

دبلوماسية لدرء المخاطر

في الوقت الذي تحتاج فيه دول الخليج، أكثر من أي وقت مضى، للتركيز على برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، تجد نفسها في عين إعصار آخر، وقد يكون أشدّ وقعا ودمار هذه المرة.

صحيح أن هذه المنطقة لديها رصيد من التجارب، وتمتاز بالمرونة والقدرة على التأقلم مع التغيرات، لكن لا يجب أن تكون الحرب قدرنا!

في هذه المرحلة الحرجة، لا بد من ترك الخلافات مع إيران جانبا والتركيز على التحدي القائم، ومحاولة إيجاد مقاربات للحل؛ وبحكم الخبرة، نحن أدرى من غيرنا بإنجاز الصفقة التي يبحث عنها ترامب.

لا شك أن الدبلوماسية النشطة الذكية تستطيع أن تعمل فارقا، ودول الخليج في موقف جيد للقيام بها، والحوافز للقيام بذلك كثيرة؛ فالعواقب المحتملة للفوضى التي يمكن أن يحدثه انهيار النظام الحالي بإيران، أو الاستيلاء على السلطة من فئات أكثر تشددا، كبيرة جدا، وكذلك الحال بغياب الردع المتبادل مع إسرائيل، وبروز الأخيرة كلاعب مهيمن بالمنطقة.

وعلى المستوى الاقتصادي، ستلحق الحرب والإغلاق المحتمل لمضيق هرمز، الذي يعد أهم ممر استراتيجي للطاقة في العالم، بكارثة على المشروع الاقتصادي الطموح لدول الخليج، ناهيك عن الكارثة البيئية المحتملة للمياه الإقليمية، ومخاطر النزوح الجماعي لسكان الشطر المقابل من الخليج إلى دول المجلس.

الحكمة والتجربة تخبرنا أننا لا يجب أن نثق في استراتيجيات ترامب في تهدئة هذه المخاطر.

وكما يرى أحد المسؤولين الخليجيين أن «دول الخليج ترى أن احتواء إيران، مهما كان صعبا، أقل كلفة من الانزلاق إلى حرب مفتوحة معها. وأن إدارة الخلاف، لا تفجيره، هي الخيار الأكثر عقلانية».

في النهاية، فإن عدم التعاطي مع هذا التحدي الخطير، لا يعد خيارا استراتيجيا للمنطقة. من جانب آخر، إن المسؤولية لدرء هذه المخاطر هي جماعية، ومن صلب اهتمامات المجتمع الدولي.

كما يجب أن تسهم إيران، أكثر من غيرها، في إيجاد حلول مستدامة، من خلال التصالح والتفاهم مع جوارها الإقليمي، والسعي لتبديد مخاوفه المشروعة.

في مقال سابق، اقترحت إجراء حوار معمق بين إيران ودول المجلس.. مثل هذا الحوار-وإن كان متأخرا- إلا أنه قد يكون طوق النجاة لإيران في قادم الأيام.

ناصر الزدجالي محلل سياسي عماني