الفيلم الأمريكي وتيار الزمن المتحرك

31 يناير 2026
31 يناير 2026

لم يخطئ المبدع الراحل زياد الرحباني حين تنبأ لنا بفيلم أمريكي طويــل، كما هو عنوان مسرحيته عام ١٩٨٠م، والتي تدور أحداثها في مستشفى للأمراض العقلية، ويبدو ألا أدل على ذلك من الصور المولدة بالذكاء الاصطناعي للرئيس الأمريكي والتي ينشرها البيت الأبيض على حساباته في مواقع التواصل، وفي إحداها يبدو بهيئة (رامبو) شخصية سلسلة الأفلام الشهيرة في الثمانينيات من بطولة سيلفستر ستالون، ويحمل سيفًا مضيئًا كأبطال أفلام حرب النجوم star wars، وفي صورة أخرى يبدو بملابس البابا، وأخرى بالتاج وتسميه الملك الجديد؛ كل هذا التمحور حول ضجة ترامب المتعمدة، والمناسبة لعصر مواقع التواصل الإلكتروني الباحثة عن الإثارة، وكما سماه من قبل الكاتب ريتشاد سيمور في كتابه (آلة التغريد ٢٠١٩م Twittering Machine) بأول رئيس تويتري، ويبدو أن الحالة مستمرة، خاصة بعد مغامرته الفنزويلية التي تبدو ناجحة ظاهريًا حتى الآن، والتي قادته إلى تهديد أوروبا بجرينلاند، واليوم ها هي التهديدات تتركز على الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

من الواضح أن رغبة الإدارة الأمريكية مفضوحة في التهام وتدمير إيران، ابتداءً من الاتهامات الواهية التي يطلقها ترامب، وعلكة السلاح النووي، إلى مشاركتها الفعلية في حرب إسرائيل على إيران العام الماضي، وهناك دلائل أخرى على ذلك، وليس السؤال هو هل ستهاجم أمريكا إيران أم لا؟ بل السؤال الآن هو هل تنجح جهود دول الخليج في الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين لتجنب منطقتها حربًا كارثية قادمة؟ أم تنجح الجهود الإسرائيلية في الضغط لإشعال الحرب الأمريكية الإيرانية الشاملة التي تحلم بها الصهيونية العالمية لتوطيد إسرائيل؟ الأيام كفيلة بالإجابة طبعًا، لكن المهم الآن هو مواصلة الجهود وعدم التهاون في الضغط على كافة حلفاء دول الخليج من أجل تجنب هذه الحرب، التي لو حدثت فإنها لن تخرج عن أسلوب الحروب الأمريكية المعروف، والذي يتبع منهج إدامة الصراع وإدارة الأزمات، واستثمار الفوضى؛ وهذا العراق لم يشف بعد من حرب التحرير الأمريكية المزعومة الأخيرة، ولا من انهيار النظام السوري، وما زال شبح تنظيم «داعش» يلوح في الأفق خاصة مع المعتقلات التي تحوي آلاف البشر من رجال ونساء وحتى أطفال قضوا أكثر من عشرة أعوام في تلك المعتقلات بتهمة الانتماء للتنظيم.

لا يمكننا الزعم بأن الحروب الأمريكية عشية الحرب العالمية الثانية كانت كلها عبثية، بل هي محسوبة بدقة، وإن عاكستها الأقدار، لكن ما خلفته لنا كل تلك الحروب ليس أكثر من استمرار التوتر الدولي في كل مكان؛ وإذا استعدنا حروب وهجمات الولايات المتحدة الأمريكية خلال هذا القرن الحادي والعشرين وحده لعرفنا كيف يمضي المنهج الأمريكي، وأن «الفوضى الخلّاقة» التي كانت تنادي بها إدارة بوش الصغير أصبحت واقعًا. ويبدو أن هذا هو المنهج الأمريكي الاستراتيجي في إحاطة منطقة الخليج بالخطر باستمرار، وهو ما يضمن وفق تلك الرؤية الأمريكية، تبعيتها الدائمة.

واقع الحال أن هذا الفيلم الأمريكي الطويل ما يزال يبث على الشاشات، وأن الفيلم قد تحول إلى مسلسل بمواسم متعددة بتغير الإدارات الأمريكية، ونحن الآن في موسم (ترامب)، وقد عايشنا عدة حلقات، والآن «مجلس السلام» حلقات حاسمة ومثيرة من هذا الموسم، دون أن ننسى جريمة حرب غزة. ويتوجس العالم، والمنطقة بالتأكيد، من هذا التوتر المتصاعد، والذي لا يوفر رئيس الإدارة الأمريكية فرصة لإثارته وإذكائه، على عادته، ولكن المسألة هي أن المجازفة كبيرة، والمنفعة الأمريكية المنتظرة منه ليست أكثر من إزاحة قوة إقليمية منافسة للهيمنة الأمريكية، ولكن ما ينتظر المنطقة هو الفوضى الشاملة والمزيد من التنظيمات الإرهابية، والجماعات المسلحة، التي تسعى للسلطة، وفي الوقت المناسب لا يضير الولايات المتحدة أن تعقد معها اتفاقيات تحفظ مصالحها؛ فهل يعني ذلك أن كل استثمارات الأنظمة الخليجية المباشرة في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي هذه الإدارة تحديدًا، ستذهب أدراج الرياح، أو بالأحرى ستأتي بنتائج عكسية وخيمة؟

ظلت سياسة دول الخليج مع الولايات المتحدة الأمريكية تناور في مساحة ضيقة، محكومة بالمخاطر الإقليمية، التي حين نعود لكشف جذورها نجدها أمريكية المنشأ، ومثل هذا الوضع المضطرب اليوم لم يكن بعيدًا عن التوقع والتنبؤ، بل لعله كان واضحًا وضوحًا لا لبس فيه، لا يستره إلا شيفون شفاف يدعى توازن القوى والنظام الدولي، وهو النظام المنافق الذي انتقده مؤخرًا في دافوس مارك كارني رئيس وزراء كندا؛ فواقع الحال أن شريعة الغاب ظلت تواصل عملها، وغلبة المنتصر على المهزوم والأقوى على الضعيف بقيت هي المهيمنة، لكنها رفعت بضعة شعارات للتمويه؛ مثل الديمقراطية والحرية وحتى السلام الدولي، بينما الواقع أن «حماة السلام» ظلوا هم أكبر تهديد له.

وإذا عدنا فقط لعدد الحروب والضربات والهجمات التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية لعرفنا من يهدد السلام.

إن حرية الشعوب وحفظ الحقوق والنظم العادلة هي مكاسب تحققها الشعوب من خلال وعيها وثقافتها وحراكها الداخلي، ولا تأتي مثل تلك المكاسب محمولة على طائرات وسفن الغزاة.

أما الغزاة أنفسهم فإن عيونهم التي تبرق تكشف مطامعهم ورغباتهم، وليست الشعوب الشرقية خالية من الفطنة أو الذكاء حتى تكتشف أمرًا واضحًا كهذا، وحتى إذا انطلت الكذبة فإن التجارب المجاورة تكشف الصدق من الكذب، وكل دعوى بأن انهيار نظام حاكم هي ضمان بنظام أفضل هي دعوى أثبتت فشلها، وأدخلت الأوطان في تمزقات وحروب وخسائر في الأرواح والأموال كان يمكن لو نجت أن تلد المستقبل الأفضل.

اليوم يجرّد لنا الرئيس الأمريكي كل النزعات الأمريكية التي ظلت مخبأة ومستورة لأنها مدعاة للخجل، ولكنه اليوم يقولها بكل صفاقة وصراحة، ولا ينزع إلى سترها أو تغطيتها، وهذا ما جعل أوروبا مؤخرًا تشك في حليفها الأمريكي، وجعل رئيس وزراء المملكة المتحدة يهرع إلى الصين، ولعل كل هذا نذير بنهاية مرحلة، أو بأن هذا الفيلم الأمريكي الطويل قد شارف، أو يكاد، على حلقاته الأخيرة.

أما ما الذي سيحدث بعد ذلك، فكما قال الشاعر الإسكندري قسطنطين كفافيس مرة: «كان البرابرة نوعًا من الحل»؛ ذلك أن كل اضطراب هو دعوة للإسراع في المعالجة، وكل مشكلة هي دعوة للحل، ولكن ككل حل.

شيء في عالمنا وأرضنا يحكمه الزمن، فما من زمن مفتوح ينتظرنا متى ما ناسبتنا الظروف، بل كل أزمة تدفعنا لنتجاوزها كي نستمر في المضيّ مع التيار.

إبراهيم سعيد شاعر وكاتب عُماني