خمس قواعد لعالم يشيخ
ترجمة - أحمد شافعي -
أسرع معدلات الشيخوخة هو الذي يحدث في العالم الثري ومتوسط الدخل، والمعلومة الأهم هي أن سكان إفريقيا لا يزالون على الدرب وصولًا إلى مليارين ونصف المليار بحلول عام 2050، وإلى أربعة مليارات بحلول عام 2100، وأن حركة جزء قليل من هذا العدد من السكان يحتمل أن تمثل أكبر وأهم تحول عالمي في القرن الحادي والعشرين.
هناك نوعان من الناس في هذا العالم، فهناك من يعتقدون أن التحدي الأهم في القرن الحادي والعشرين سوف يتمثل في التغير المناخي، وهناك من يعلمون أن ذلك التحدي سوف يتمثل في ندرة المواليد، وركود السكان، وشيخوخة العالم.
مقال كهذا الذي أكتبه إنما هو رهينة الحظ. فلو أنني مخطئ، فقد يستشهد به في معرض الاستهزاء أو السخرية في كتب التاريخ التي سوف تؤلَّف في المستقبل، في الوقت الذي تكون فيه نيويورك غارقة تحت الماء وتكساس غير قابلة للسكنى.
لكن من المهم لغرباء الأطوار المهووسين بالديموغرافيا (علم السكان) لا بالمناخ أن يواصلوا العمل، لأنه مهما يكن التوازن الحقيقي بين الاثنين، فإن التوازن النسبي يتغير. على مدار السنوات الـ15 الماضية، أصبح بعض سيناريوهات أسوأ الاحتمالات بالنسبة للتغير المناخي أقل احتمالا من ذي قبل. وفي الوقت نفسه، دفعت قوى عديدة، منها أزمة كوفيد بصفة خاصة، إلى انخفاض معدلات المواليد بشكل أسرع، معجلة بقدوم حقبة الشيخوخة بسرعة.
والدليل الأحدث هو الخبر الذي ورد من الصين هذا الأسبوع بأن عدد السكان قد انخفض للمرة الأولى منذ «الوثبة الكبيرة إلى الأمام» قبل ستين عاما. وكان منتظرا منذ وقت بعيد أن تحدث إشارة إلى هذا الانخفاض، لكن حتى وقت قريب لم يكن متوقعًا أن يحدث ذلك قبل ثلاثينيات القرن الحالي، لكن ها هو قد تحقق قبل موعده، إذ سجل معدل المواليد في الصين انخفاضا تاريخيا في عام 2022.
ويعني هذا أن الصين، في الوقت الذي تبرز فيها بوصفها قوة شبه عظمى، تبدأ أيضا في الدخول إلى مستقبل معتم تشيخ فيه ويصيبها الركود قبل أن تنتهي من تحقيق ثرائها. وفي الوقت نفسه، تكمن تنويعات لهذا الشبح، مخيمة على أغلب البلاد الثرية وكثير من البلاد متوسطة الدخول، مهددة بتصلب عام، وفقدان للدينامية والابتكار، وصراع صفري لا فائز فيه بين المتقاعدين من السكان وبين الشباب المثقلين بالأعباء. (ولقد كانت المظاهرات الحاشدة هذا الأسبوع في فرنسا بسبب خطط إيمانويل ماكرون لرفع سن التقاعد من 62 سنة إلى 64 بمثابة معاينة سريعة لهذا المستقبل).
لذلك يجدر بنا التفكير في بعض القواعد لعصر التدهور الديموغرافي وثمة نزعات يجب أن نراقبها، ومبادئ سوف تفرق بين الفائزين والخاسرين، وإرشادات لكل ساع إلى الدينامية في عالم راكد.
القاعدة رقم 1: سوف يحتاج العالم الثري إلى إعادة توزيع من الكبار إلى الشباب.
شهدنا في العقود الأخيرة حالات كثيرة ثبت فيها خطأ افتراض التكنوقراط من اعتقاد منتشر بأننا بحاجة إلى تقليل العجز بصورة شبه فورية في أعقاب الأزمة المالية، وحتى التفاؤلية العالمية إزاء جهود تحرير التجارة مع الصين. أما في عالم هرم، فسوف تصبح رغبة التكنوقراط في إدخال إصلاحات على استحقاقات كبار السن أشد ضرورية وصوابا، بما أنه يمكن استغلال هذه المدخرات في التيسير على الشباب في تكوين الأسر، وإقامة المشروعات، وامتلاك البيوت. والبلاد التي تجد سبيلًا إلى إجراء هذا التحول بنجاح هي التي سوف تنتهي إلى التقدم على البلاد التي سوف تغرق في حكم الشيخوخة.
القاعدة رقم 2: الابتكار وحده لا يكفي، وإنما يكمن التحدي في التنفيذ والتبني.
لو أنكم تريدون النمو في عالم هرم فإنكم بحاجة إلى فتوحات تكنولوجية. ولكن مثلما أشار الاقتصادي إيلي دورادو في مقالة حديثة عن آثار تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي الجديدة، لا تتمثل أعناق الزجاجات الكبرى دائما في الابتكارات نفسها، وإنما تتمثل في الاختبار، والبنية الأساسية، والتوظيف، والعقبات التنظيمية. وبما أن المجتمعات الهرمة المطمئنة إلى أساليبها قد تكون أميل إلى إبقاء الابتكارات الجديدة مهملة على الأرفف، فإن عبور أعناق الزجاجات هذه قد يكون التحدي الأكبر أمام المبتكرين.
القاعدة رقم 3: الحروب البرية سوف تصطدم بعقبة الحدود السكانية.
يمكنكم أن تروا هذه الدينامية قائمة بالفعل في حرب روسيا وأوكرانيا، فما لجهود فلاديمير بوتين في التعبئة أن تكون على ما يفترض أنها عليه لو كان في امبراطوريته المزيد من الشباب. وسوف تواجه أوكرانيا، بمعدلات مواليدها الذي يقل عن روسيا، أزمة ديموغرافية عميقة إذا ما استمرت الحرب لسنين. ومثل ذلك سوف ينطبق على تايوان وغيرها من النقاط المشتعلة: فحتى حيثما تكافح الطموحات الاستراتيجية طلبًا للحرب، سوف تكون آلام كل ضحية مضاعفة أضعافا كثيرة.
القاعدة رقم 4: في مملكة الشيخوخة، قليل من الشباب والحيوية الإضافيين سوف يحقق نجاحا ملموسا.
ويصدق هذا عالميا: فالبلاد التي تتمكن من الحفاظ على معدلات المواليد أو زيادتها بحيث تقارب مستوى الإحلال سوف تحظى بميزة طويلة الأمد على البلاد التي تغوص إلى النمط الكوري الجنوبي، أي الخصوبة بمستوى نصف الإحلال. وسوف يصدق هذا داخل المجتمعات أيضا: فلكي تتنبؤوا بالولايات والمدن الأمريكية الأكثر دينامية، والتقاليد الدينية والأيديولوجيات الأكثر تأثيرا، انظروا إلى الأماكن والجماعات الأكثر قبولًا لا للشباب وحدهم وإنما لإنجاب الشباب أطفالا. (وتوقعوا أيضًا أن يكون لكم الكثير من الجيران المنتمين إلى طائفة الأميش Amish).
القاعدة رقم 5: أفارقة الشتات هم الذين سيعيدون صياغة العالم.
أسرع معدلات الشيخوخة هو الذي يحدث في العالم الثري ومتوسط الدخل، والمعلومة الأهم هي أن سكان إفريقيا لا يزالون على الدرب وصولًا إلى مليارين ونصف المليار بحلول عام 2050، وإلى أربعة مليارات بحلول عام 2100. وأن حركة جزء قليل من هذا العدد من السكان يحتمل أن تمثل أكبر وأهم تحول عالمي في القرن الحادي والعشرين. والتوازن بين الاستيعاب الناجح للمهاجرين من ناحية، والاضطراب والانتكاس من ناحية أخرى، سوف يسهم في تحديد ما إذا كان عصر الانحدار الديموغرافي سينتهي بانتعاش أم بانهيار.
روث داوثات - كاتب عمود رأي في نيويورك تايمز ومؤلف للعديد من الكتب، أحدثها «الأماكن العميقة: مذكرات المرض والاكتشاف».
«خدمة نيويورك تايمز» ترجمة خاصة بجريدة «$»
