حزب جديد يسعى إلى كتابة مستقبل لإسرائيل

17 يونيو 2026
17 يونيو 2026

ترجمة: أحمد شافعي

في الرابع من أبريل خرج مئات الإسرائيليين في تل أبيب للاحتجاج على الحرب مع إيران، فكانت الصورة الباقية من ذلك اليوم هي صورة الناشط الإسرائيلي اليهودي ألون-لي جرين وهو يصيح أمام العدسات بينما تقتاده الشرطة بعيدا: «سنظل نقاوم هذه الحرب. هذه حرب عبثية».

ألون لي جرين معروف بعمله مع جماعة «الواقفون معا» التي يديرها هو ونظيرتاه الفلسطينيتان رولا داود وسالي عابد. وهي حركة شعبية ناشطة من الشباب الفلسطينيين واليهود بدأت عملها في عام 2015 بتركيز على مبادئ مكافحة الاحتلال ومناهضة العنصرية والعدالة الاجتماعية.

أصوات من أمثال جرين وعابد وداود لا يكتفون بالدعوة إلى إنهاء الحرب وإنما إلى السلام والمصالحة ويصرون على إنسانية الفلسطينيين في إسرائيل والأراضي المحتلة على السواء، وهم على هامش اليهود في المجتمع الإسرائيلي. فأغلب الإسرائيليين اليهود يدعمون حربي إيران ولبنان، والغالبية الكاسحة من الراشدين الإسرائيليين ـ من اليهود طبعا ومن الفلسطينيين بدرجة أقل ـ لا يعتقدون بأن حل الدولتين ممكن.

وفي هذا الفراغ الكبير ينشأ حزب سياسي إسرائيلي فلسطيني مشترك جديد قبيل انتخابات حاسمة مقرر إجراؤها في خريف هذا العام. يحمل الحزب اسم «مكان لنا جميعا» ويقوده قادة «الواقفون معا» الثلاثة وليس من المرجح أن يحصل على أصوات كافية لخوض الانتخابات. وهو لهذا السبب تحديدا يمثل صوتا انتقاديا رافضا يدخل الساحة السياسية.

تواجه الأحزاب العربية اليهودية مصاعب كبيرة في العثور على موطئ قدم في مجال السياسة الإسرائيلية. وثمة أحزاب عربية في إسرائيل تضم أعضاء يهودا، وأحزاب يهودية فيها قليل من الأعضاء العرب، لكن هذه جميعا استثناءات. فعلى مدى نحو خمسين سنة، كان الحزب العربي اليهودي الوحيد الفاعل في البلد هو حزب حداش، الذي تأسس سنة 1977 ويسعى إلى إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وحل الدولتين. لكن أغلب أعضائه وأنصاره مواطنون فلسطينيون في إسرائيل، وليسوا يهودا إسرائيليين. وهناك حزب (دعم) الذي تأسس سنة 1995 حزبا عربيا يهوديا يركز على حقوق العمال وإقامة دولة رفاه لكنه لم يحصل قط على أصوات تضمن له مقعدا في الكينيست.

ولقد ولد حزب (مكان لنا جميعا) من العمل اليهودي الفلسطيني المشترك والتنظيم الذي يركز على الواقع اليومي الماثل على الأرض، لا على سياسات كبرى. وأعضاؤه شباب فلسطينيون ويهود إسرائيليون بينهم صداقات ويعرف كل منهم آلام الآخرين وآمالهم ونضالهم. ومحض وجوده يمثل تحديا لفكرة قديمة مفادها أن من الطبيعي والمنطقي للفلسطينيين أن يصوتوا فقط للأحزاب الفلسطينية ولليهود أن يصوِّتوا فقط للأحزاب اليهودية بغض النظر عن القضايا المطروحة للتصويت.

قال يوناتان زيجن ـ ناشط السلام وعضو الحزب الجديد الذي لقيت والدته فيفيان سيلفر مصرعها في هجمة حماس في السابع من أكتوبر 2023 ـ «إنني لم أشعر قط بأن الأحزاب القائمة تمثلني. ونحن لا نسعى إلى محض التأثير في الواقع من داخل المؤسسة وإنما إلى تغييره كليا».

ظهر نشطاء جماعة (الواقفون معا) في المجال العام بصفة خاصة بعد هجمة السابع من أكتوبر. ولفتوا انتباه متن الإسرائيليين العام بسبب موقفهم الحازم من حرب غزة منذ البداية وأعمالهم الاحتجاجية الاستفزازية ـ من قبيل اقتحامهم بثا حيا لبرنامج «الأخ الكبير» على شبكة سي بي إس وهم يرتدون قمصانا كتب عليها «اخرجوا من غزة» وقيامهم بحماية شاحنات المساعدات إلى غزة من إغارة الإسرائيليين اليمينيين عليها في ذروة ما أطلقت عليه المنظمة التي أعمل لها حملة تجويع إسرائيل لغزة.

خلال حرب إيران جمعوا الأموال لشراء ملاجئ متنقلة للبدو الفلسطينيين في جنوب إسرائيل ممن كانت تنقصهم الملاجئ بسبب إهمال الدولة لهم. وهم يشاركون في مظاهرات الاحتجاج على تصاعد الجريمة المنظمة في الأوساط الفلسطينية الإسرائيلية. وفي الضفة الغربية المحتلة، يبعثون إسرائيليين لمرافقة الفلسطينيين إذ يحاولون منع هجمات المستوطنين والجيش ولتوثيق العنف أيضا.

تعمل جماعة (الواقفون معا) أيضا من أجل تشجيع المواطنين الفلسطينيين سياسيا. ويقدَّر أن 75% من المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل ممن تتراوح أعمارهم بين ثمانية عشر عاما وخمسة وعشرين وقرابة 60% من إجمالي الفلسطينيات قد قالوا إنهم لا يخططون للمشاركة في التصويت وفقا لاستطلاع أجراه يوسف مقلادة في عام 2025. وتقول سالي عابد، وهي من قيادات (الواقون معا) وعضو مجلس مدينة حيفا الإسرائيلية إن من أهداف الحزب الجديد الوصول إلى أولئك المواطنين الفلسطينيين، الذين «يريدون أن يروا تمثيلا لهم في السياسة».

يقول جرين إن إسرائيل بحاجة إلى حزب سياسي جديد يرسم مسارا واضحا يوازن سياسات اليمين السافرة في تمثيلها ـ على حد تعبيره ـ «للدمار والتطهير العرقي في غزة والضفة الغربية بل وللتوسع في سوريا ولبنان».

وقد انتقد جرين أحزاب الوسط واليسار لاستمرارها في إدارة الصراع واجتنابها أو تأجيلها للقضية الفلسطينية. قال «إننا الآن في منعطف تاريخي: ولا بد من طرح خطة حاسمة على المواطنين اليهود والفلسطينيين تدعم الحياة والمساواة والسلام الإسرائيلي الفلسطيني».

يبدو للكثيرين في إسرائيل أن الانتخابات القادمة في بداية الخريف تمثل مرة أخرى استفتاء على بنيامين نتنياهو. فهل تصوت إسرائيل لإخراج رئيس الوزراء الأطول في منصبه والأكثر هيمنة فيه والذي شهد البلد في ظل قيادته أدمى هجمة في تاريخه يوم السابع من أكتوبر والذي أبقى إسرائيل منذ ذلك اليوم في حالة حرب مستمرة وفشل في تحقيق النصر أو الأمن؟ برغم سخط كثير من الإسرائيليين على نتنياهو وعدم ثقتهم فيه في أفضل الأحوال وكرههم له في أسوئها، فإن استطلاعات الرأي تشير إلى أنهم لا يزالون يرون من هو أكثر ملاءمة منه لقيادة البلد.

ومن ثم فإن بقاءه سياسيا ـ سواء أتم بجمعه أصواتا كافية لتشكيل ائتلاف آخر أو بمنعه المعارضة من ذلك ـ أمر وارد تماما.

تتضافر القوى التي تعجز المعارضة عن التخلص من ذلك القائد. فإحداها أن أحزاب المعارضة لا تطرح في ما يتعلق بجوهر القضايا الخاصة بالفلسطينيين وإيران بديلا للوضع القائم. ومن هذه القوى أيضا رفض جميع الأحزاب الإسرائيلية اليهودية تقريبا للنظر في أمر التحالف مع أحزاب عربية فلسطينية، ولو علنا في أقل تقدير.

وهذا أيضا امتداد للإقصاء المستمر للأقلية الفلسطينية من المجالين السياسي والمدني في إسرائيل.

وتمثل استطلاعات الرأي السياسية الإسرائيلية دليلا صارخا على هذه المشكلة. في أغلب الاستطلاعات الأساسية، يجري تقسيم الناخبين في ثلاث مجموعات متمايزة: الذين يؤيدون الأحزاب المتحالفة، والذين يؤيدون أحزاب المعارضة، و»العرب». في حين أن العرب ـ الذين يمثلون 20% من السكان ـ متنوعون ومتشرذمون سياسيا بقدر اليهود الإسرائيليين. وهكذا فإن انقساما أساسيا في السياسة الإسرائيلية يتوازى مع الخطوط العرقية والقومية، لا مع الخطوط المدنية أو السياسية.

هذه الانتخابات أكبر من محض استفتاء على نتنياهو، فهي استفتاء على ما إذا كان الإسرائيليون سوف يستمرون في إعلاء يهوديتهم على ديمقراطيتهم. بالنسبة لكثير من الإسرائيليين اليهود، سوف ينصب التركيز على الحرب التي تخوضها حكومة نتنياهو ضد المؤسسات الليبرالية ووسائل الإعلام والقضاء، وكذلك سوف ينصب تركيزهم على تنامي عزلة إسرائيل وعيشها حالة الدولة المنبوذة.

وبالنسبة للمواطنين الفلسطينيين تمثل هذه اللحظة لحظة وجودية. فهم يعانون من تصاعد حاد في جرائم القتل الناجمة ـ في القدر الأكبر منها ـ عن الجريمة المنظمة في المدن العربية داخل إسرائيل وقد أجهز هذا على إحساس الناس بالأمن الشخصي ومعاناتهم من الإقصاء والمراقبة والاضطهاد في المجتمع الإسرائيلي مع اشتداد الظلم الممنهج داخل إسرائيل، فضلا عن مشاهدتهم لإخوانهم في الضفة الغربية المحتلة والقدس الشرقية وغزة إذ يحاولون النجاة من عدوان حكومة عاقدة العزم على تدمير حياتهم أو إعاقتها. يدرك حزب (الواقفون معا) حدود قدرته على التأثير في الانتخابات. ولا يريد أعضاؤه أن يتنافسوا على قطعة الكعكة الصغيرة من أصوات اليسار المناهض لإسرائيل. ولكنهم بدلا من ذلك حزب يسعى إلى إعادة تأطير الحوار. والمفهوم الأساسي هو أن الفلسطينيين واليهود الذين يعيشون في مكان واحد من إسرائيل ويتقاسمونه قادرون على أن يعملوا معا، ويجب أن يعملوا معا، وهذا موقف لازم وبديهي من الكراهية والعنصرية والعنف وكل ما بات شديد الشيوع في أفق الحياة اليومية الإسرائيلية. لقد قالت سارة عابد «إن مهمتنا في ما أراها هي محاولة إعادة تعريف معنى الوطنية. أريد أن أتبين سبيلا إلى التوفيق بين حبي لهذا المكان وحبي للناس».