تـفاهـم وحـرب لـم تـحـقــق أهـدافـهـا

14 يونيو 2026
14 يونيو 2026

بـعـد أن وقـع تـفـاهـم عـلى إطـارٍ للـتـفـاوض بـيـن الـولايـات الـمـتـحـدة الأمـريـكـيـة وإيـران، مـا مـن أحـدٍ يـدري إن كـان رئـيـس الـولايـات الـمـتـحـدة قـد نـدم عـلى اتـخـاذه قـرار شـن الحـرب عـلى إيـران، وانـسـيـاقـه إلـى هـذا الخـيـار عـمـلاً بـ «نـصـيـحـة» مـن نـصـحـه بـذلـك وطـمـأنـه عـلى يـسـر كـسـبـهـا، أو- لـنـقـل - مـا مـن أحـدٍ صـرح بـتـحـسـر الـرئـيـس ونـدمـه عـلى الـتـورط فـي الحـرب. فـوق هـذا: مـا مـن إجـراءٍ عـلـنـي اتـخـذتـه إدارة تـرامب يـفـهـم مـنـه أنـهـا شـرعـت، جـديـاً، فـي مـعـالـجـة الـذيـول والـتـبـعـات السـيـئـة لـقـرارٍ خـالٍ مـن كـل حـسـابٍ عـقـلانـي ومـنـذرٍ، فـي الـوقـت عـيـنـه، بـإضـاعـة الـمـكـتـسـبـات الانـتـخـابـيـة الـتـي حـقـقـهـا «حـزب الـرئـيـس» فـي انـتـخـابـات نـوفـمـبـر الـعـام 2024. نـعـم، صـحـيـح أن «وقـف الـقـتـال»، مـنـذ الأسـبـوع الـثـانـي مـن أبـريـل المـاضـي، والـوصـول إلـى الاتـفـاق عـلى «مـذكـرة تـفـاهـم»، دلـيـل عـلى فـشـل الحـرب فـي تحـصـيـل مـا هـدف إلـيـه مـنـهـا، لـكـن ذلك لـم يـسـتـكـمـل بـإجـراءاتٍ أخـرى تـصـحـيـحـيـة لـمـسـارٍ خـاطـئ يـبـدو أن رئـيـس هـذه الإدارة وبـعـض الـرؤوس الـحـامـيـة فـيـهـا عـاقـدون الـعـزم عـلى الـسـيـر فـيـه أشـواطـاً أخـرى، مـع تـمـنـيـة الـنـفـس بـإرهـاق إيـران وتـوهـيـن قـواهـا، عـنـد كـل أزمـة تـفـاوضٍ بـيـنـهـمـا، بـحـصـارهـا الاقـتـصـادي الـخـانـق والـتـعـويـل عـلـى عـقـبـهـا فـي الـداخـل الاجـتـمـاعـي.

أيـاً كـان أمـر إدارة تـرامب مـع مـواجـهـتـهـا نـتـائـج حـربـهـا عـلى إيـران: تـغـطـيـةً للإخـفـاق، أم مـراجـعـةً لـه؛ هـروبـاً إلـى الأمـام ومـكـابـرةً أم تـحـلـيـاً بـروح الـمـسـؤولـيـة ومـعـالـجـةً...، فـإن الـذي لا مـريـة فـيـه - ولا تـسـتـطـيـع الإدارة إنـكـاره - أن حـرب أمـريـكـا، مـع حـلـيـفـهـا الـصـهـيـونـي، عـلى إيـران لـقـيـت إخـفـاقـاً كـبـيـراً فـي بـلـوغ الأهـداف الـتي وضـعـتـهـا وأعـلـنـتـهـا وجـنـدت الـمـجـتـمـع الأمـريـكـي لـتـأيـيـد الحـرب عـلى أسـاسـهـا. هـا هـنـا، يـنـبـغـي أن لا يـأبـه الـمـرء بـكـلام تـرامـپ عـن «الانـتـصـار الـسـاحـق» و«اسـتـسـلام» إيـران و«تـوسـلـهـا» رئـيـس أمـريـكـا لـتـوقـيـع اتـفـاقٍ... ومـا فـي مـعـنـى ذلك مـمـا درج عـلى الـتـصـريـح بـه؛ فـهـذا مـن «مـسـتـمـلـحـات» السـيـاسـة لا أكـثـر؛ إذ الـعـبـرة بـالـوقـائـع، والـوقـائـع تـقـول إن أمـريـكـا دمـرت وقـتـلـت وأحـرقـت وارتـكـبـت مـن المـنـكـرات فـي إيـران مـا لم يـرتـكـبـه أحـد قـبـلاً، لـكـنـهـا مـا بــلـغـت مـن تـسـخـيـر ذلك كـلـه الـدرجـة التـي يـقـال مـعـهـا إنـهـا حـقـقـت أيـاً مـن أهـدافهـا الـمـعـلـنـة فـي الحـرب، أخـذاً بـالـحـسـبـان أن الـوصـول إلـى «مـذكـرة الـتـفـاهـم» مـا كـان، أصـلاً، مـن أهـداف الحـرب وأن تـحـقـيـق ذلـك كـان مـمـكـنـاً مـن خـلال مـفـاوضـات مسـقـط وجـنـيـف...

لـنـتـذكـر، ابـتـداءً، أن تـلـك الأهـداف الـمـعـلـنـة أربـعـة: تـجـمـع إلـى أهـداف إدارة تـرامب أهـداف «إسـرائـيـل»؛ وهـي، الـتـدمـيـر الـشـامـل للـبـرنـامـج الـنـووي وبـنـاه الـتـحـتـيـة؛ الـتـدمـيـر الـشـامـل للـصـواريـخ البـاليـسـتـيـة ولـبـنـيـتـهـا الـصـنـاعـيـة؛ إنـهـاء عـلاقـة إيـران بـحـلـفـائـهـا («وكـلائـهـا» أو «أذرعـهـا» فـي اللـغـة الأمـريـكـيـة والـصـهـيـونـيـة) فـي لـبـنـان والـيـمـن والـعـراق؛ ثـم إسـقـاط الـنـظـام الإيـرانـي الـقـائـم.

هـذه أهـداف كـان يـفـتـرض أن تـتـحـقـق مـن خـلال الحـرب فـتـنـتـهـي الحـرب وقـد انـتـهـت إيـران: لا فـقـط نـظـامـهـا الـسـيـاسـي الحـاكـم، بـل دولـتـهـا ومـقـدراتـهـا أيـضـاً.

هـذا مـا كـان يـعـنـيـه تـرامب بـقـولـه إنـه لـن يـوقـف حـربـه إلا إذا أعـلـنـت إيـران الاسـتـسـلام الـكـامـل: وهـو أم الأهـداف وأبـوهـا والـتـكـثـيـف الـمـادي لـهـا. لـكـن نـظـام تـرامب الـسـيـاسـي أوقـف الحـرب لأنـه، بـبـسـاطـة شـديـدة، أيـقـن بـأنـهـا - مـثـل سـابـقـتـهـا - لـن تـؤديـه إلـى غـنـم مـا مـنـى الـنـفـس بـغـنـمـه مـنـهـا.

لـيـسـت حـرب الأربـعـيـن يـومـاً بـدعـاً مـن حـروبٍ قـبـلـهـا تـغـيـت فـيـهـا الـولايـات الـمـتـحـدة مـا تـغـيـتـه فـي حـربـهـا الأخـيـرة مـن ثـمـرات. قـبـل قـريـبٍ مـن عـام، أجـازت لـ «إسـرائـيـل» شـن حـربٍ عـلى إيـران لـتـدمـيـر بـرنـامـجـيـهـا الـنـووي والـصـاروخـي بـمـوازاة حـربـهـا عـلـى حـلـفـاء إيـران فـي لـبـنـان وغـزة واليـمـن. دامـت الحـرب اثـنـي عـشـر يـومـاً ثـم أجـبـرت إدارة تـرامـب عـلى إنـهـائـهـا بـعـد تـبـيـن حـدود مـا تـسـتـطـيـعـه دولـة الاحـتـلال. ثـم مـا هـي إلا فـتـرة وجـيـزة حـتـى شـنـت إدارة تـرامب عـمـلـيـتـهـا الـعـسـكـريـة لـتـدمـيـر الـمـفـاعـلات الـنـوويـة الإيـرانـيـة الـثـلاثـة فـي فـوردو ونـطـنـز وأصـفـهـان، لـيـعـلـن تـرامب بـعـدهـا أن بـرنـامـج إيـران دمـر بـالـكـامـل ومـا عـاد يـشـكـل خـطـراً عـلى «إسـرائـيـل» وأمـريـكـا. ومـا لـبـثـت دولـتـا الـعـدوان أن حـاولـتـا اسـتـغـلال حـركـة الاحـتـجـاجـات الـشـعـبـيـة الإيـرانـيـة عـلى الأوضـاع الاجـتـمـاعـيـة، ودفـع عـمـلائـهـمـا إلـى إطـلاق عـنـفٍ مـسـلـح لـزعـزعـة اسـتـقـرار الـبـلاد تـحـت عـنـوان إسـقـاط الـنـظـام، ولـكـنـهـمـا بـاءتـا بـفـشـلٍ ذريـع قـبـل أن تـقـررا شـن حـرب شـامـلـة، فـي 28 فـبـرايـر المـاضـي، مـن أجـل تـحـقـيـق الأهـداف عـيـنـهـا الـتـي خـيـضـت الحـروب السـابـقـة ضـد إيـران مـن أجـلـهـا.

عـلى أن الـمـشـكـلـة فـي أنـه وراء هـذا الـفـشـل الـذريـع فـي تـحـقـيـق أهـداف الحـرب وإخـضـاع إيـران وكـسـر إرادتـهـا، تـعـرضـت الـولايـات الـمـتـحـدة الأمـريـكـيـة لـطـائـفـةٍ مـن الخـسـارات الـمـاديـة والـمـعـنـويـة كـانـت فـي غـنًـى عـنـهـا لـو لـم تـلـجـأ إلـى الحـرب.

الخـسـارات هـذه مـن نـوعـيـن: خـسـارات واقـعـة نـظيـر خـسـارتـهـا قـسـمـاً مـن قـواعـدهـا الـعـسـكـريـة فـي الـمـنـطـقـة وقـسـمـاً مـن قـواتـهـا الـبـشـريـة - قـتـلـى وجـرحـى - ونـظيـر مـا لـحـق هـيـبـتـهـا، كـدولـةٍ عـظـمـى، مـن شـروخٍ وتـصـدعـات فـي الـعـالـم والإقـلـيـم، ومـا لـحـق اقـتـصـادهـا والاقـتـصـاد الـعـالـمـي مـن فـادح الأضـرار بـعـد انـسـداد خـط الـمـلاحـة فـي مـضـيـق هـرمـز وتـعـثـر سـلاسـل الإمـداد والارتـفـاع غـيـر المـسـبـوق فـي أسـعـار الـطـاقـة والـوقـود؛ هـذا، طـبـعـاً، مـن غـيـر أن نـنـسـى مـا أصـاب حـلـيـفـهـا الـصـهـيـونـي مـن جـسيـم الخـسـائـر الـبـشـريـة والـعـسـكـريـة والاقـتـصـاديـة جـراء ضـربـات إيـران لـعـمـقـه فـي فـلـسـطـيـن الـمـحـتـلـة. ولــكـن هـنـاك خسـارات أخـرى مـتـوقـعـة تـنـتـظـرهـا فـي الأفـق الـمـنـظـور وتـحـديـداً فـي وجـهٍ سـيـاسـي مـنـهـا مـتـمـثـلٍ فـي انـتـخـابـات الـتـجـديـد الـنـصـفـي لـمـجـلـسـي الـكـونـجـرس؛ حـيـث سـتـضـغـط حـقـائـق الإخـفـاق الـعـسـكـري لإدارة تـرامـب عـلى حـظـوظ «الحـزب الـجـمـهـوري» فـي الاحـتـفـاظ بـغـالـبـيـتـه فـي ذيـنـك الـمـجـلـسـيـن أو فـي أحـدهـمـا.

لا إخـال أن مـنـطـقـة الـخـلـيـج والـمـشـرق الـعـربـي خـرجـت مـن عـيـن الـعـاصـفـة عـنـدمـا بـلـغ الـتـفـاوض غـيـر الـمـبـاشـر الـتـفـاهـم عـلى إطـارٍ للـتـفـاوض حـول الـمـسـائـل الخـلافـيـة فـي فـتـرة الـسـتـيـن يـومـاً؛ ذلـك أن الـخـلافـات الكـبـرى سـتـبـدأ بـعـد الـتـوقـيـع عـلى الـمـذكـرة، ولـن يـكـون الـتـفـاوض حـولـهـا سـلـسـاً ويـسـيـراً، ولا أحـد يـدري إن كـان سـيـجـري - مـثـل سـابـقـه - فـي نـطـاق «ديـبـلـومـاسـيـة الـقـوة الـنـاريـة»! بـل لا أحـد يـدري مـا عـسـاه يـكـون مـصـيـر الـتـفـاوض.

عبد الإلـه بـلـقـزيـز باحث ومفكر مغربي