اليوم العالمي للتنوع الثقافي هل يتسع في وقت الحرب؟

19 مايو 2026
19 مايو 2026

يحتفل المجتمع الدولي باليوم العالمي للتنوع الثقافي من أجل الحوار والتنمية، والذي يصادف 21 مايو من كل عام. وجاءت فكرته بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م. وسبق هذا ما أحدثه صامويل هنتنجتون (ت: 2008م) عندما أشاع نظرية «صراع الحضارات» بعد الحرب الباردة. واعتبر أن الصين والإسلام أكبر مهدد للغرب؛ وتتمثل الصين في نزعتها الاقتصادية الشمولية، والإسلام في نزعته الأيدلوجية الحركية، وهذان مهددان للغرب وجودا واقتصادا.

نزعة صامويل هنتنجتون ذاتها انطلقت من رؤية أيديولوجية مغلقة يرى فيها الحضارة تدور وفق ثقافة مغلقة. والعالم في نظره يدور وفق ثماني حضارات: الغرب وارتبط بالمسيحية الكاثوليكية والبروتستانتية، وروسيا وشرق أوروبا وارتبطت بالمسيحية الأرثذوكسية، وحضارة الإسلام في الوطن العربي والعديد من دول الشرق، والصين وارتبطت بالكونفوشيوسية، وحضارة اليابان ورؤيتها الطبيعية الخاصة، والهند وارتباطها بالهندوسية، وإفريقيا السوداء وارتباطها بمفردات ثقافية متلفة.

وجدت رؤى معارضة جدا لهذه النظرية، واعتبرتها أقرب إلى التسطيح؛ لهذا وجدت رؤية أخرى، منها الألمانية التي مايزت بين الحضارة والثقافة؛ فالحضارة مرتبطة بالعقل والنتاج الإنساني، والثقافة أقرب إلى المفردات الانتمائية والخصوصية. فالأديان التي اتكأ إليها هنتنجتون هي أقرب إلى الثقافة، والأصل أن تتهذب بالحضارة؛ لأن الواقع الحضاري أكثر تأثيرا من الانتماءات الدينية والمذهبية، والأديان ليست على حالة ثقافية مغلقة حتى في داخلها، ففيها المعتدل المتهذب بالحضارة، وفيها المنغلق الأصولي الداعي إلى الكراهية والعنف والاحتراب.

الأديان والمذاهب كثقافة لو تركت تتدافع مع قيم الحضارة لتهذبت، لكن إن تحولت إلى الاستخدام السياسي فستتحول من كونها ثقافة بشرية طبيعية إلى كونها أيدلوجية لاهوتية مغلقة؛ فالغرب استخدم المسيحية البروتستانتية الإنجليكانية في محاربته للاتحاد السوفييتي باعتباره مقابلا له متمثلا في المسيحية الأرثوذكسية، كما أعاد تشكيل اليهودية الأرثوذكسية الرافضة لفكرة الدولة إلى اليهودية الأرثوذكسية المتناغمة مع الفكرة الصهيونية، واستخدم البوذية والهندوسية في مواجهة الامتداد الصيني باعتباره نزعة كونفوشيوسية طبيعانية، واستخدم التيار الإسلامي الحركي في مواجهة الاتحاد السوفييتي باعتباره نزعة شيوعية ملحدة.

هذه الورقة الدينية والانتمائية تلعب بها أمريكا اليوم أيضا، فنزعتها البروتستانتية الإنجليكانية ظاهرة في مواجهتها للأمريكية اللاتينية الكاثوليكية من جهة، وللمسيحية عموما ضد التوجهات اليسارية الاشتراكية الملحدة من جهة أخرى كما في كوبا وفنزويلا، كما دعمت البوذية التبتية ضد الصين، واليمين الهندوسي المتطرف في الهند ضد المسلمين، ولعبت في الشرق الإسلامي على الورقتين السنية والشيعية، فدعمت الحركات الشيعية في العراق في بدايات الألفية الثالثة لإسقاط النظام، كما أثارت النزعة ضد الشيعة في محاربتها لإيران. هذا الأمر ذاته في الحركات الجهادية والحركية الإسلامية، تستخدمها تارة كورقة ضد بعض الأنظمة العلمانية أو اليسارية المعارضة لها، وأحيانها تحاربها باسم الأصولية والإرهاب كما في القضية الفلسطينية الحالية.

إذا ماذا يعني: (اليوم العالمي للتنوع الثقافي من أجل الحوار والتنمية؟) هل التنوع الثقافي يقود إلى الصراع والاحتراب، أم هو حالة طبيعية جمالية في المجتمعات البشرية يقود إلى الحوار والتنمية؟ هناك ثلاث قراءات في نظري، القراءة الإنسانوية المعتبرة للتنوع الثقافي حالة طبيعية وجمالية في المجتمعات البشرية، والقراءة اللاهوتية والثقافية المغلقة والمتوجسة من الآخر المختلف، والقراءة السياسية المصالحية والتي تستخدم التنوع الثقافي وفق الأجندات السياسية المصلحية، وليس باعتبارها حالة إنسانية طبيعية.

إذا ما استثنينا القراءة الإنسانوية فلا أرى خطورة كبيرة في القراءة اللاهوتية والثقافية المغلقة، فهناك ثقافات مغلقة على ذاتها دينية أو مذهبية أو اجتماعية ترفض الانفتاح على الآخر، وترى الانفتاح مهددا وجوديا لها. خطورة هذا الاتجاه إذا خرج من دائرته الخصوصية إلى دائرة الدولة، ومن دائرة الانكماش على الذات إلى دائرة خلق الفوضى والصراع في حركة المجتمع. مثال ذلك جميع التيارات الأرثوذكسية التقليدية في جميع الأديان والمذاهب. هذي عادة ما تنكمش على ذاتها خصوصا إذا كانت في حالة كونها أقلية في مجتمع أو دولة ما، ولا تخلو ديانة أو مذهب من أرثوذكسيات ثقافية مغلقة، فهذه انتماءات ثقافية طبيعية ولو انغلقت على ذاتها، كالآمش في أمريكا، والجينية في الهند، والأنيمية في الفلبين، والكيراطية في نيبال، والإسماعيلية في الخليج العربي، والدروز في بلاد الشام، والمسيحية القبطية الأرثوذكسية في مصر، واليهود في دول المغرب العربي، واليزيدية والمندائية في العراق، ولا يخلو قطر أو دولة من أقليات دينية أو ثقافية، فهي حالة طبيعية جدا إذا ما بقت في دائرتها الخصوصية والانتمائية.

الإشكالية الكبرى والمهدد للتنوع الثقافي يتمثل في السياسي المصلحي عندما تتكئ السياسة قطريا على ديانة أو مذهب معين لكونه غالبا في تلك الدولة، فتلغي حقوق الأقليات الثقافية الأخرى، وقد تتعرض للتهميش، أو تكون مهددة بالانقراض.

وقد تتكئ السياسة قطريا على أقلية معينة، ويكون لها المزايا الأمنية والعسكرية والمدنية ما يدخل المجتمع في حالة من السخط والكراهية المبطنة التي تتحول مع مرور الوقت إلى تشكل جماعات حركية تظهر حين ضعف الدولة تقودها إلى صراعات واحتراب داخلي كما حدث في سوريا ولبنان مثلا.

وهناك من السياسات من تصنع الصراعات الثقافية لأجل بقاء السلطة، فتدعم جماعة معينة في زمن ما في حين تحاربهم وتلقي بهم في السجون في مرحلة زمنية أخرى، ويكون الميزان ليس التنوع الثقافي كحالة طبيعية، وشراكة اجتماعية بقدر مدى قربه أو بعده من السلطة السياسية. عليه عندما نتحدث عن التنوع الثقافي من أجل الحوار والتنمية نحن نتحدث عن حالة إنسانية طبيعية بعيدا عن انغلاق بعض الثقافات على ذاتها من جهة، وبعيدا عن مصلحيات وتقلبات السياسيين من جهة ثانية، والتي يظهر أثرها السلبي وقت ضعف مركزية الدولة، ووقت الأزمات والاحتراب.