ترامب في بكين.. من يملك الكاميرا يملك العالم
19 مايو 2026
19 مايو 2026
قبل أيام تابعتُ مثل ملايين البشر في العالم، صور الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أثناء زيارته للصين. كان المشهد يبدو طبيعيا في ظاهره. رئيس أمريكي يزور بكين، ومراسم استقبال دقيقة، وأعلام، وابتسامات محسوبة، ومصافحات طويلة، وكلمات متناثرة عن التعاون والاستقرار، والمصالح المشتركة بين قطبين يتنافسان على النفوذ العالمي.
بدت هذه المظاهر في تقديري جزءًا من المسرح السياسي الدولي الذي يؤدي فيه كل طرف دوره المرسوم بعناية وفق رؤية إخراجية صينية واضحة.
ما استوقفني خلال هذه المتابعة التي جاءت كأنها اختبار حي لما كنت أطرحه على طلابي في مقرر الإعلام الدولي حول الإعلام الصيني أن صور الزيارة كانت أبلغ من التصريحات السياسية، وأكثر قدرة على كشف الرسالة التي أرادت بكين إيصالها إلى العالم.
شعرت وأنا أتنقل بين المقاطع والصور والمنصات الإعلامية أنني أمام درس عملي في الإعلام الدولي. كل ما خرج من بكين عن الزيارة كان معدًا بدرجة عالية من الإتقان.
المخرج الصيني كان حاضرًا في زوايا التصوير، وحركة الكاميرا، وترتيب اللقطات والمونتاج، والرموز الوطنية المستخدمة، وإيقاع حركة الرئيسين، والمسافة بينهما، وحتى لحظات الصمت.
باختصار، كانت الصين وهي تستقبل ترامب تعيد تقديم نفسها للعالم بوصفها قوة عظمى واثقة هادئة منظمة، وتعرف ما تريد أن تقوله دون ضجيج.
الصور التي احتكرت الصين تقريبًا إنتاجها وتوزيعها عن الزيارة كانت تستهدف في المقام الأول تقديم صورة عالمية جديدة للصين صورة تقول: إن واشنطن لم تعد وحدها مركز الثقل الدولي، وإن الكاميرا التي كانت لعقود طويلة جزءًا من القوة الأمريكية الناعمة أصبحت تتحرك الآن في يد صينية تعرف جيدًا قيمة الصورة في صناعة المكانة العالمية للدولة.
لقد بنت الولايات المتحدة الأمريكية جزءًا كبيرًا من هيمنتها العالمية بعد الحرب العالمية الثانية، وحتى يومنا هذا عبر الصورة. ولعبت سينما هوليوود، وشبكات الأخبار الكبرى، ووكالات الأنباء، ومنصات الترفيه إلى جانب الجامعات، والإعلانات، والموسيقى أدوارًا كبيرة في تقديم الرواية الأمريكية عن العالم. وعلى مدار العقود الأخيرة امتلكت الإمبراطورية الأمريكية القوة العسكرية والاقتصادية، وامتلكت معهما القوة الإعلامية التي جعلت العالم يرى نفسه، ويرى الآخرين من خلال العدسة الأمريكية. وبذلك كانت واشنطن تملك الرواية، وتملك تفسيرها، وتملك صورتها النهائية في الذاكرة العالمية.
ما رأيناه في بكين يقول إن الاحتكار الإعلامي الأمريكي آخذ في التراجع خاصة بعدما نجحت الصين في تجاوز الصور النمطية التي اعتاد الإعلام الغربي تقديمها عن المصانع الصينية المكتظة، والمدن الرمادية التي تغطيها الأتربة، والعمال المنهكين في إنتاج بضائع رخيصة للعالم. جاءت صور زيارة ترامب على النقيض تماما، لتؤكد أن الصين دولة كبيرة تملك التكنولوجيا، والبنية الأساسية، والأسواق، والمنصات، والذكاء الاصطناعي، ولديها القدرة على إدارة المشهد الدولي بلغة بصرية مبهرة، وتدرك أن النفوذ الدولي في هذا العصر يُصنع عبر الشاشات والخوارزميات والكاميرات والتطبيقات، بالقدر نفسه الذي يتحقق عبر حاملات الطائرات والقوة الاقتصادية.
كانت زيارة ترامب للصين فرصة لتأكيد ما سبق أن أشرتُ إليه في مقالات سابقة في هذا المكان عن تزايد التمدد الإعلامي الصيني في العالم. فخلال السنوات الأخيرة وسّعت الصين حضورها الدولي عبر قنوات ناطقة بلغات متعددة، ووكالات أنباء، ومنصات رقمية، ومراكز إنتاج درامي، واتفاقات تبادل إعلامي، واستثمارات في البنية الاتصالية في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. ويظهر هذا التمدد فيما هو أبعد من وكالة أنباء شينخوا، أو شبكة التلفزيون العالمية الصينية المعروفة اختصارًا بـ«سي جي تي إن»، أو المواقع الرسمية؛ إذ يمتد إلى منظومة إعلامية أكبر تضم محركات البحث، وتطبيقات التواصل الاجتماعي البديلة لمثيلاتها الأمريكية، وشبكات الاتصال، والخوارزميات، والكابلات، ومراكز البيانات.
صحيح أن الإمبراطوريات الإعلامية الأمريكية ما زالت تملك نفوذًا هائلًا، وقدرة فائقة على الوصول إلى مليارات البشر حول العالم، وما زالت منصاتها وشركاتها ومؤسساتها الإخبارية والترفيهية تحكم أجزاء واسعة من العالم. غير أن هذه الإمبراطوريات تعاني في تقديري من شيخوخة مبكرة، خاصة بعدما فقدت جزءًا من بريقها الأخلاقي نتيجة موقفها من الحروب العبثية التي تنخرط فيها الولايات المتحدة وحليفتها الأولى إسرائيل أو تدعمها في أكثر من مكان في العالم إلى جانب الأزمات المالية، والانقسامات الداخلية، وتراجع ثقة الجمهور فيها حتى داخل الولايات المتحدة.
وفي مقابل هذا التراجع يتحرك التنين الصيني بطاقة إعلامية رقمية شابة، ويستولي على مساحات عالمية جديدة كانت تخضع تاريخيًا للسيطرة الإعلامية الغربية.
انتقلت المنافسة الإعلامية الدولية إلى مستوى أعمق من امتلاك الرواية أو إعلان الحقيقة. أصبح جوهر الصراع الإعلامي مرتبطًا بالتحكم في قنوات تدفق المعلومات والمعاني إلى الجمهور، وتدور الأسئلة الأكثر أهمية حول من يملك المنصة؟ ومن يملك الخوارزمية؟ ومن يحدد ما يظهر أولًا وما يختفي؟ ومن يقرر زاوية الكاميرا؟ ومن يختار الصورة التي ستبقى في الذاكرة؟ وفي هذا الماراثون الإعلامي الكبير لم يعد الصينيون يأتون في المراكز الأخيرة كما كان يحدث من قبل.
زيارة ترامب إلى بكين قدمت مثالًا واضحًا على ذلك؛ فالرئيس الأمريكي المعروف بحضوره الإعلامي الصاخب وقدرته على جذب الكاميرات وجد نفسه داخل مشاهد جرى هندستها مسبقًا بإخراج صيني محكم. اختارت بكين أن تكون المعالجة الإعلامية للزيارة هادئة ومنظمة بصريًا، لكي تقدم رسالة رمزية مفادها أن القوة الحقيقية لا تحتاج دائمًا إلى صوت مرتفع بقدر حاجتها إلى صور منتجة بدقة.
من المهم هنا الاعتراف بأن الصين لا تقدم نموذجًا إعلاميًا مثاليًا من زاوية حرية واستقلاله وتعدده.
ما زال الإعلام الصيني يعمل داخل منظومة سياسية مقيدة تحكمها أيديولوجية الحزب الشيوعي الحاكم، وتحيط به أسئلة حول علاقته بالدولة، وحدود النقد المباح، ومساحات الاختلاف.
مع وضع هذه التحفظات في الحسبان يمكن القول: إن الإعلام الصيني يتحرك وفق هدف واضح يتمثل في بناء مشروع سردي طويل المدى يستند إلى فكرة شديدة الوضوح، وهي أن الغرب احتكر رواية أحداث العالم طويلًا، وأن الصين تسعى إلى فتح مسار آخر للرواية، وهو مسار محكوم بحسابات القوة والنفوذ والمصلحة.
هل نحن في العالم العربي معنيون بهذا التحول الإعلامي الصيني؟ بالتأكيد نعم. فقد عشنا طويلًا داخل تدفق إعلامي غربي قوي، ثم بدأنا نرى تدفقات جديدة من الصين وروسيا وتركيا وإيران ومنصات عابرة للحدود.
واعتدنا أن نرى أنفسنا في نشرات أخبار الآخرين كما يريدون لنا أن نظهر كدول سلطوية ومنطقة أزمات، وحروب، ولاجئين، ونفط، وإرهاب، وصراعات داخلية وخارجية لا تنتهي. ولذلك عندما تشارك الصين في هذا التدفق بخطاب مختلف عن التنمية والاستقرار وعدم التدخل في شؤون الدول، والمصير المشترك، فإن نافذة جديدة تبدو كأنها فُتحت لإعادة النظر في صورتنا.
الخطر الحقيقي علينا كعرب أن نبقى جمهورًا جالسًا في مقاعد المتفرجين نرى العالم كما يصوره الآخرون، ونرى أنفسنا كما يختارون لنا أن نبدو.
لقد علمتنا التجربة الصينية أن الأمة التي تملك صورتها تملك قرارها كاملًا، وأن الدولة أو المنطقة تُكتب روايتها في غرف أخبارها تكون أقدر على حماية مصالحها.
ربما يكون الدرس الأعمق من زيارة ترامب لبكين أن معارك المستقبل سوف تمتد من الموانئ والسماوات والأسواق وحاملات الطائرات إلى الكاميرا والمنصة والخوارزمية، وأن جانبا كبيرا من نتائجها سوف يتحدد بناءً على قدرة الأطراف المتنافسة على تحويل اللقطة العابرة إلى ذاكرة سياسية طويلة. فالقوة في هذا الزمن تُقاس بما تقوله للعالم، وبما تجعله يراه، وبالإيقاع الذي تفرضه على رؤيته، وبالصور التي تتركها مستقرة في وعيه.
