الهزيمة الغريبة للردع النووي والأزمة المقبلة في الاستقرار الاستراتيجي

13 يونيو 2026
13 يونيو 2026

في يونيو 2025، نفذت أجهزة الأمن الأوكرانية ضربة جريئة داخل روسيا. فقد تسللت إلى البلاد، وأخفت طائرات مسيّرة هجومية قصيرة المدى داخل شاحنات بضائع قرب عدد من القواعد الجوية الروسية، بلغ بعضها إقليم أمور على الحدود مع الصين. وكانت معظم هذه القواعد تضم قاذفات روسية استراتيجية ثقيلة، وهي طائرات قادرة على حمل أسلحة نووية. وباستخدام شبكة الهاتف المحمول الروسية، أطلق عملاء أوكرانيون تلك المسيّرات عن بُعد، ونجحوا، وفق التقديرات الأوكرانية، في تدمير ما لا يقل عن عشر قاذفات، وإلحاق أضرار بما مجموعه 41 طائرة، بينها طائرات مستخدمة في مهام القيادة والسيطرة النووية.

كان هذا الهجوم، المعروف باسم «عملية شبكة العنكبوت»، مقامرة لافتة. غير أن الجانب الأكثر أهمية فيه لم يكن نسبة التكلفة المذهلة إلى حجم الضرر، فكما قال أحد المحللين: «مسيّرة واحدة لا تتجاوز كلفتها 500 دولار دمّرت قاذفة استراتيجية تبلغ قيمتها عشرات الملايين من الدولارات»، ولا كان مكمن الأهمية في براعة اختراق شبكات الاتصالات الروسية، وإنما في أن الهجوم وقع أصلا. فموسكو، ضمن عقيدتها الراسخة منذ زمن طويل، ظلت تؤكد أن أي هجوم تقليدي على أصولها الاستراتيجية قد يستدعي ردا نوويا، لكن ذلك لم يردع كييف؛ فقد كانت أوكرانيا مستعدة لاستهداف القدرات النووية الروسية، فيما عجزت روسيا عن منع تدميرها.

كانت العملية الأوكرانية مثالا صارخا على اتجاه أوسع: الردع النووي لم يعد يعمل كما كان يُفترض؛ فقد افترضت الدول طويلا أن امتلاك الأسلحة النووية هو الضمان الأوثق لأمنها. والواقع أن كثيرين رأوا في الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022 دليلا على أن كييف أخطأت عام 1994 حين وافقت على التخلي عن الأسلحة النووية التي ورثتها عن الاتحاد السوفييتي. وذهب هؤلاء إلى أنه لو كانت أوكرانيا تملك القنبلة النووية، لما تجرأت روسيا على شن ذلك الهجوم. وبالمنطق نفسه، لو أن إيران كانت قد طورت بالفعل ترسانتها الخاصة من الأسلحة النووية، لما تمكنت إسرائيل والولايات المتحدة من ضربها كما فعلتا منذ فبراير، ولا من قتل قادتها وتسوية بنيتها العسكرية بالأرض. ومن هذه الحجة تنساب، على نحو شبه حتمي، خلاصة مفادها أن مزيدا من الدول سترغب، بصورة مفهومة، في امتلاك أسلحة نووية بوصفها بوليصة تأمين ضد العدوان. ففي النهاية، تحتاج الدول إلى أسلحة الدمار الشامل هذه لردع أخطر خصومها.

لكن الصراعات الأخيرة تعلن، بوضوح أكبر، عكس ذلك؛ فأوكرانيا لا تضرب أهدافا في عمق روسيا فحسب، بل تضرب أيضا أهدافا متصلة مباشرة بالقدرات النووية الروسية. وإيران ووكلاؤها هاجموا إسرائيل مرارا، وهي دولة يُعتقد على نطاق واسع أنها تمتلك أسلحة نووية. وقد وجّهت طهران صواريخ ومسيّرات نحو مدن إسرائيلية، بل نحو منشآت نووية أيضا. أما الهند وباكستان، وهما دولتان نوويتان، فقد انخرطتا في مايو 2025 في أخطر صراع بينهما خلال هذا القرن، وهاجمت كل منهما أهدافا بعيدة داخل حدود الأخرى. وفي كل هذه الحالات، لم تمنع احتمالات التصعيد النووي والانتقام النووي الحروب التقليدية والهجينة. والواقع أن دولا وجهات غير دولية تختبر، عمليا، حدود التهديدات التي تطلقها القوى النووية.

يمكن للأسلحة النووية أن تبدو عاجزة أمام الهجمات التقليدية والهجينة المستمرة؛ ففي حروب اليوم، لا تستطيع ترسانة من الصواريخ الباليستية العابرة للقارات المزودة برؤوس نووية، ولا أسطول من الغواصات النووية، ولا أسراب من القاذفات الاستراتيجية، أن تفعل الكثير لردع رشقات من المسيّرات الرخيصة، ما دامت الدول النووية غير مستعدة لاستخدام أسلحتها. وهذا أمر ينبغي أن يدفع القوى النووية القائمة، وكذلك الدول التي قد ترغب في امتلاك هذه الأسلحة، إلى التوقف طويلا عند دلالاته.

اختُبرت قوة المحرّم النووي في الأشهر الأولى من الغزو الروسي لأوكرانيا، حين بدا أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اقترب فعلا من استخدام أسلحة نووية تكتيكية لوقف انهيار قواته في جنوب شرق أوكرانيا. ويبدو أن ما منعه كان مزيجا من نصائح قادته العسكريين، والضغط العلني من نظيريه الصيني والهندي، ولا شك أيضا من ضغط خاص مارسته واشنطن. ومع أن هذا المحرّم لا يشكل حاجزا مطلقا أمام استخدام الأسلحة النووية، فإن القادة الذين يقتربون من فكرة نشرها يواجهون مقاومة شديدة. كما يتعين عليهم أن يحسبوا حساب حقيقة أنهم سيُذكرون بوصفهم ثاني إنسان فقط يستخدم القنبلة في القتال، بما يمنحهم موقعا بالغ السوء في الذاكرة التاريخية.

بالنسبة إلى الدول النووية، لا بد أن تكون دروس هذه اللحظة صادمة. فالخصوم، سواء كانوا دولا أو فاعلين من غير الدول، أصبحوا أكثر استعدادا وقدرة على ضرب قوى نووية بأسلحة تقليدية. وهذا يربك المنطق التقليدي للردع النووي. فالردع القائم على التهديد بالانتقام النووي، وهو الأداة التقليدية التي ضمنت الاستقرار النووي لعقود، يضعف. وقد يصبح الردع بالحرمان، أي تثبيط المهاجم بجعل الهجوم يبدو عديم الجدوى، أكثر قيمة.

وسيتطلب هذا النهج أولويات مختلفة من الحكومات. فبدلا من استثمار مبالغ هائلة في تحديث المنصات القائمة، قد يكون من الأجدى للدول النووية أن تعزز الدفاعات حول منشآتها النووية، وأن تركز على الصمود بدلا من توسيع القدرة النووية. كما ينبغي لها أن تجد سبلا للحفاظ على المعايير التي تحكم استهداف الأهداف التقليدية وتعزيزها، كأن تتعهد، على سبيل المثال، بعدم ضرب محطات الطاقة النووية والمنشآت النووية العسكرية. ستساعد هذه التدابير على إبطاء التصعيد أثناء الأزمات، حين تشعر الأطراف المتحاربة بجرأة أكبر على ضرب المنشآت النووية للعدو. أما بالنسبة إلى الدول غير النووية، فينبغي أن يقدم تراجع الردع النووي التقليدي تحذيرا أعم. فالقنبلة، بدلا من أن تجلب يقين الأمن، قد لا تفعل سوى أن تستدعي أشكالا جديدة ومقلقة من الخطر.

تراجع الردع

منذ الحرب الباردة، نشرت الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، ووريثته روسيا اليوم، ثالوثا من المنظومات النووية لتهديد الخصوم وردعهم في الوقت نفسه: صواريخ باليستية عابرة للقارات متمركزة على الأرض، وصواريخ باليستية تُطلق من الغواصات، وقاذفات ثقيلة. تستطيع هذه المنظومات إيصال رؤوس حربية إلى مدى يتجاوز 3400 ميل، وهذا هو الأساس في وصفها بأنها «قوات هجومية استراتيجية». تستطيع الولايات المتحدة أن تستهدف مباشرة عمق الأراضي الروسية، ويستطيع الروس استهداف الولايات المتحدة القارية. وقد سعى التوسع النووي الصيني السريع خلال العقود الأخيرة إلى وضع بكين على قدم المساواة مع موسكو وواشنطن. وبالحفاظ على هذا الترتيب من المنظومات، تستطيع الدولة أن تضمن ألا تتعرض لـ«ضربة أولى ساحقة»، أي هجوم نووي يمنع أي قدرة على الرد، وأن تحتفظ بقدرتها على توجيه ضربة مضادة. وتشكل إمكانية الانتقام النووي الرادع الأساسي الذي يمنع الدول النووية، ابتداء، من استخدام أسلحتها بعضها ضد بعض. وهذا المزيج من القدرات هو ما أسند تقليديا الاستقرار الاستراتيجي، أي الفكرة السائدة في العلاقات الدولية بأن الدول المسلحة نوويا ينبغي ألا يكون لديها أي حافز لاستخدام أسلحتها الكارثية.

وحين تواجه دولة ما خصما لا يمتلك أسلحة نووية، تستطيع أن تلجأ إلى الاستعراض النووي لترهيبه. لنأخذ، مثلا، القاذفات الاستراتيجية الروسية، يمكن استخدام هذه الطائرات لإلقاء قنابل تقليدية، لكن موسكو شددت على وظيفتها النووية المستمرة، معلنة عام 2024 أن أي هجوم على الأصول الاستراتيجية الروسية قد يستدعي ردا نوويا. وكان يفترض بهذا الغموض أن يمنح القادة الروس هامشا من المرونة، فهم غير ملزمين باللجوء إلى الأسلحة النووية ردا على الهجمات الأوكرانية، لكنهم كانوا يأملون، في الوقت نفسه، أن يدفع احتمال الاستخدام النووي أوكرانيا إلى التفكير مرتين والامتناع عن ضرب أصولهم الاستراتيجية.

في «عملية شبكة العنكبوت»، اختبرت أوكرانيا الغموض الروسي، فاكتشفت أنه غطاء للحذر. وبعد صدمة تدمير قاذفاتها الاستراتيجية، لم يمد الروس أيديهم نحو الزر النووي. ولم يردوا حتى بجولة أخرى من التلويح النووي الصريح. وبدلا من ذلك، شنوا هجوما تقليديا على كييف باستخدام 400 مسيّرة و40 صاروخا.

لقد جسّد ذلك الرد الروسي، في الواقع، الدينامية الجارية: اصطدام المنطق القديم للردع النووي بوقائع الحرب اليوم. وكما أظهرت أوكرانيا منذ عام 2022، فإن مجرد امتلاك الأسلحة النووية لا يحمي المعتدي من الرد التقليدي. فأقوى الأسلحة على وجه الأرض لن تحمي دولة كبرى من دولة أصغر مصممة على الدفاع عن نفسها.

وتتعلّم إسرائيل درسا متصلا بذلك. فالقادة الإسرائيليون يلتزمون الصمت بشأن قدرات بلادهم النووية، لكنهم احتفظوا طويلا بثقة هادئة بأن الأسلحة النووية ستحمي إسرائيل من خلال منع الهجمات من الدول أو الفاعلين من غير الدول.

غير أن هجوم حماس داخل إسرائيل في 7 أكتوبر 2023 أطاح بتلك الفكرة. وكذلك فعلت التطورات اللاحقة؛ فقد واجهت إسرائيل في السنوات الأخيرة، ومنذ بدأت الحملة الأمريكية ـ الإسرائيلية المشتركة ضد إيران في فبراير، وابلا من الهجمات الصاروخية من إيران، ومن حزب الله في لبنان، ومن الحوثيين في اليمن. لا ترى الدول، ولا الفاعلون من غير الدول، في القدرة النووية الإسرائيلية سببا للامتناع عن مهاجمة أراضيها. والواقع أن إيران، في مارس، استهدفت مفاعل إنتاج البلوتونيوم الإسرائيلي في ديمونا، بما أبرز أن الردع النووي الإسرائيلي لا يفشل فقط في أداء الغرض المفترض منه، بل أصبح أيضا مغناطيسا للهجوم.

وكان رد إسرائيل على هذه الهجمات الصاروخية هو تعزيز دفاعاتها الصاروخية على نحو كبير ومتواصل وعلى مستويات متعددة، من منظومة «القبة الحديدية» المصممة للتصدي للهجمات قصيرة المدى، ومنظومة «مقلاع داود» التي تعترض الصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى، وصولا إلى منظومة «حيتس» للدفاع الصاروخي، التي تتصدى للصواريخ الباليستية بعيدة المدى. صُممت هذه الدفاعات الصاروخية متعددة الطبقات للتعامل مع أنواع مختلفة من الضربات، من الصاروخ المنفرد إلى الرشقات الكثيفة، وهي قادرة بسرعة على التمييز بين المقذوفات المتجهة نحو أهدافها وتلك التي تسقط بلا ضرر.

وتنطوي هذه الحالة على مفارقتين: الأولى أن انتشار الصواريخ والمسيّرات والطائرات غير المأهولة الرخيصة والدقيقة بين جيران إسرائيل أوجد علاقة غير مواتية بين الكلفة والعائد عند استخدام منظومات دفاعية أكثر تطورا، مثل «القبة الحديدية». وقد نظرت إسرائيل، مثل دول أخرى في الشرق الأوسط، إلى تجربة أوكرانيا في تطوير دروع فعالة ومنخفضة الكلفة للدفاع ضد المسيّرات الرخيصة، في الوقت الذي تجنبت فيه الحكومة الإسرائيلية بعناية تزويد أوكرانيا بدفاعات صاروخية متقدمة طوال حربها مع روسيا.

أما المفارقة الثانية فهي أن إسرائيل، من خلال تطوير دفاعات صاروخية طبقية ومتطورة، كانت تتبع استراتيجية «الردع بالحرمان». نظريا سيُردع خصومها عن مهاجمتها لأنهم سيدركون عبثية أي هجوم؛ فبراعة إسرائيل في الدفاع الصاروخي ستجعل أي محاولة لضرب أهداف داخل البلاد غير فعالة، لكن هذه النظرية تخضع لاختبار قاس في الحرب الحالية مع إيران؛ إذ أمطر خصوم إسرائيل مدنها وقواتها بالصواريخ والمسيّرات، وقد نجح بعضها، لا محالة، في اختراق الدفاعات وإحداث أضرار.

في هذه الأثناء، تراجع رادع إسرائيل الآخر، أي التهديد بالانتقام النووي، بعيدا عن المشهد. وحتى في التعليقات الرسمية على الهجوم على ديمونا، لم تنطق الحكومة الإسرائيلية بكلمة واحدة يمكن تفسيرها على أنها تلويح نووي. ويبدو أن إسرائيل متمسكة باستراتيجيتها القائمة على الغموض النووي، ربما لمنع سباق تسلح نووي إقليمي أو لتجنب مواجهة عقوبات دولية جديدة. ولذلك لا يجد خصوم إسرائيل، سواء كانوا دولا أو فاعلين من غير الدول، سببا يدفعهم إلى الالتفات إلى قدرتها النووية أو إلى أن يرتدعوا بشبح القنبلة الإسرائيلية.

اتفاقات جديدة

مع ذلك، لا تزال الأسلحة النووية تشجع على ضبط النفس في ظروف معينة؛ فمنذ عام 2022 زادت الولايات المتحدة وحلفاؤها في الناتو مساعداتهم العسكرية لأوكرانيا باطراد، ولكن بطريقة محسوبة لا تستفز ردا تصعيديا من روسيا. وروسيا، بدورها، تجنبت المساس بأراضي الناتو طوال الحرب، رغم أن شحنات الأسلحة التابعة للحلف باتت هدفا مشروعا للهجوم بمجرد عبورها إلى داخل أوكرانيا. كان كل من روسيا والناتو حذرين من الدخول في أي مواجهة مباشرة يمكن أن تتصاعد.

في هذا السياق، لا تزال النظرية التقليدية للردع النووي قائمة؛ فمن الممكن أن يكون العدد الهائل من الأسلحة النووية في الترسانتين الأمريكية والروسية؛ حيث يمتلك كل طرف نحو 4000 سلاح نووي، هو ما يفرض على موسكو، وكذلك على واشنطن وحلفائها، ممارسة قدر هائل من الحذر. فأي تبادل للصواريخ النووية بين الطرفين ينطوي على خطر تصعيد سريع نحو فناء عالمي. وقد يوجد تفسير متصل بذلك في الطبيعة الخاصة للعلاقة النووية التي طورتها الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي خلال الحرب الباردة. فالولايات المتحدة وروسيا تبقيان قواتهما النووية في حالة تأهب قصوى، جاهزة للإطلاق السريع. لكن أيا منهما غير قادر على تنفيذ ضربة أولى مدمرة بالكامل، أو «ساحقة» ضد الآخر بما يزيل قدرته على الرد. وقد أدخل هذا «الاستقرار في الضربة الأولى»، الهش بطبيعته، واشنطن وموسكو في عناق نووي بالغ الخطورة لا يرغب أي من الطرفين في كسره.

وخلال الحرب الباردة، خشي كل من الخصمين العظميين أن يفرض عليه الآخر «مفاجأة استراتيجية»، أي سلاحا جديدا أو منظومة دفاعية جديدة تقلب استقرار الضربة الأولى. لم يحدث ذلك، لكن الخوف من حدوثه ما زال قائما حتى اليوم. ويتجلى الآن في القلق الأمريكي من التوسع النووي الصيني، الذي قد يضع الولايات المتحدة في نهاية المطاف في موقع مواجهة ندّين نوويين يمتلكان ترسانتين نوويتين هائلتين. وإذا حدث ذلك فقد لا تكون الولايات المتحدة قادرة على الرد على أي عدوان من الصين أو روسيا بالطريقة التي تريدها. وقد تضعف المظلة النووية الأمريكية، تاركة الحلفاء عرضة لهجمات تقليدية صينية وروسية. وحتى الآن نجح الردع النووي الأمريكي الممتد في درء الصراع التقليدي في أوروبا وشرق آسيا، لكنه قد يفشل مستقبلا مع تسارع الصين في بناء قدراتها النووية.

في جنوب آسيا لم تمنع الأسلحة النووية الحرب التقليدية؛ فالهند وباكستان تمتلكان أسلحة نووية، لكنهما انزلقتا في عام 2025 إلى أخطر صراع تقليدي بينهما منذ عام 1999. وتثير المواجهات المباشرة بين هاتين القوتين النوويتين دائما إنذارات في إقليمهما وخارجه. وقد تدخلت الولايات المتحدة سريعا في عدد من المناسبات للمساعدة في التوسط لوقف إطلاق النار، وكان أحدث ذلك في عام 2025. كما تقول الصين إنها ساعدت أيضا في إنهاء القتال العام الماضي. إن خطر التصعيد النووي يدفع القوى الخارجية إلى التدخل. وفي هذه الحالة، لا تردع الأسلحة النووية الصراع التقليدي، لكن الخوف من استخدامها ساعد في إنهاء القتال بسرعة.

وخلاصة القول أن الأحداث الأخيرة كشفت اتجاهات متناقضة بشأن الردع النووي؛ فالاستقرار النووي بين القوتين العظميين العائدتين إلى حقبة الحرب الباردة يبدو أنه يبقي الصراع التقليدي بعيدا في أوروبا وشرق آسيا. أما المنافس الجديد الصين فقد يخل بهذا الاستقرار، لكنه قائم في الوقت الراهن. وفي جنوب آسيا على النقيض من ذلك، تقع الحرب التقليدية رغم امتلاك الطرفين أسلحة نووية. وتشير هذه الوقائع إلى أن القوى النووية القائمة لا بد أن تواصل الحفاظ على أسلحتها النووية، حتى مع تزايد التهديدات التقليدية الصادرة عن عدد متنام من الفاعلين. فبعض عناصر الردع يعتمد على توازن نووي مستقر، وسيظل كذلك ما دامت الأسلحة النووية موجودة. وفي الوقت نفسه، ينبغي لجميع الدول النووية، سواء كانت موقعة على معاهدة عدم الانتشار النووي أم لم تكن، أن تتعهد بالحد من مخزوناتها النووية وخفضها في الظروف المناسبة؛ فالتخلص من الأسلحة النووية يبقى هدفا أساسيا للإنسانية.

وقد يشجع المناخ الراهن هذه العملية؛ لأن الحروب الجارية تثير شكوكا حول جدوى الأسلحة النووية في حفظ السلام. فإيران، وأوكرانيا، والحوثيون في اليمن، وجماعات أخرى، تتصرف بالتأكيد كما لو أن مخاطر الانتقام النووي لا تكاد تُذكر. ففي نهاية المطاف أثبت المحرّم النووي قوته؛ إذ لم يجرؤ أي قائد حتى الآن على كسره. ومع حصول مزيد من الدول والفاعلين من غير الدول على منظومات صاروخية وطائرات مسيّرة فعالة، سيصبحون أكثر قدرة على شن هجمات أشد جرأة، حتى ضد الدول التي تمتلك أقوى الأسلحة.

وينبغي لهذا العجز النووي أن يكون حاضرا في تفكير حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا وآسيا الذين يشككون في موثوقية التزامات واشنطن بالردع النووي الممتد، وبدأوا يتحدثون علنا عن امتلاك أسلحة نووية؛ فقد اقترح رئيس بولندا أن تحصل بلاده على القنبلة، وقال عدد من السياسيين الألمان: إن على بلادهم أن تفعل الشيء نفسه. وفي شرق آسيا، تظهر استطلاعات الرأي أن الجمهور في كوريا الجنوبية يميل بصورة متزايدة إلى تأييد تطوير سيول ترسانة نووية خاصة بها، وحتى الجمهور في اليابان، وهي البلد الوحيد الذي تعرض لهجوم نووي، يبدو أكثر استعدادا لقبول النقاش حول امتلاك أسلحة نووية. وفي الشرق الأوسط تشعر دول بالقلق من هجمات محتملة من إسرائيل أو الولايات المتحدة أو من جيرانها. وقد تسعى السعودية إلى شكل من أشكال القدرة النووية بالضغط من أجل حقها في تخصيب المواد النووية، وإبرام اتفاق أمني مع باكستان قد يشمل تزويد الرياض بمواد انشطارية أو حتى بتكنولوجيا الرؤوس الحربية.

لكن وجود مزيد من الأسلحة النووية في أيدي مزيد من الدول لن يمنع الصراع التقليدي. فالأسلحة النووية لا توقف تدمير القاذفات الاستراتيجية الروسية. ولا تحمي المدن الإسرائيلية من هجمات صاروخية كثيفة ومتكررة. ولا تثني الهند وباكستان عن إنزال الدمار الواحدة بأراضي الأخرى. ينطوي الانتشار النووي على مخاطر جسيمة. فمع أن المحرّم النووي ظل قويا منذ عام 1945، فإنه لا يشكل ضمانة ضد التصعيد النووي، ولا سيما مع تحول عملية اتخاذ القرار في الحرب بفعل تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي، وما قد يترتب على ذلك من زيادة مخاطر التصعيد العرضي. وسيؤدي تزايد عدد اللاعبين النوويين إلى خلق فرص أكثر لاستخدام الأسلحة النووية من دون تفويض أو عن طريق الخطأ. ولن تكون الدول النووية الجديدة متمرسة، مثل القوى النووية القائمة، في ضمان سلامة أسلحتها النووية وأمنها. كما أن كثرة الأسلحة النووية تمنح الفاعلين من غير الدول فرصا أكبر للحصول على واحد منها، بما يستدعي شبح التهديد النووي الإرهابي الذي ظل يطارد صناع السياسات في أوائل تسعينيات القرن الماضي، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

الأقل أكثر

الأسلحة النووية مكلفة أيضا؛ فالدول التي تمتلك بالفعل ترسانات نووية ضخمة تستثمر مبالغ هائلة في بناء قواتها النووية. فالولايات المتحدة وروسيا والصين، وهي أكبر ثلاث قوى نووية تعمل على تحديث صواريخها الباليستية العابرة للقارات، وغواصاتها النووية، وقاذفاتها الاستراتيجية بكلفة كبيرة. وقد لا يكون هذا الاستثمار مجديا؛فالأكثر نفعا سيكون الاستثمار في الصمود، والقدرة على البقاء من خلال تعزيز مواقع الانتشار وتطوير منظومات نووية أكثر حركة، وكذلك في الدفاعات، ولا سيما الدفاعات الجوية والصاروخية المتكاملة التي تستطيع حرمان الخصوم من مهاجمة البنية الأساسية النووية الحيوية. ومع ازدياد غموض الردع النووي، وازدياد دقة الهجمات التقليدية وقدرتها التدميرية قد تثبت هذه الاستثمارات أنها أكثر قيمة وأطول أثرا من ضخ مزيد من الموارد في تحديث السلاح النووي.

وكما اكتشفت روسيا خلال حربها ضد أوكرانيا، لم يعد الوطن ملاذا آمنا في أيامنا هذه، وقد تتعرض القواعد التي تستضيف منظومات الأسلحة النووية الاستراتيجية للهجوم. فإذا كان الخصوم، سواء كانوا دولا أو فاعلين من غير الدول، قادرين على إطلاق مسيّرات دقيقة أو صواريخ قصيرة المدى، فإن هذه القواعد قد تصبح مهددة بهجمات تقليدية. ويعني هذا التهديد أن القواعد النووية تحتاج إلى دفاعات جوية وصاروخية قادرة على العمل في فترات إنذار قصيرة وعلى مسافات قصيرة. ومن الناحية المثالية، ينبغي أن تشبه هذه الدفاعات منظومات الدفاع ضد المسيّرات ذات الجدوى العالية من حيث الكلفة التي يبنيها الأوكرانيون وينشرونها، بل يزوّدون بها اليوم دول الخليج في الشرق الأوسط. وسيتعين أن تكون هذه المنظومات الدفاعية رخيصة ووفيرة للتعامل مع الرشقات الصاروخية الحديثة وأسراب المسيّرات.

ينبغي للدول التي تنشر أسلحة نووية أن تكون مستعدة لحمايتها والدفاع عنها من الهجمات التقليدية. وتبدو إجراءات الصمود القوية ومتعددة الطبقات رهانا أفضل من نظرية الردع التقليدية التي لم تقدم سوى تهديدات فارغة بالانتقام النووي. ولهذا السبب يتعين على القوى النووية أن تعيد النظر في سياستها التصريحية، أي الرسائل العلنية التي توجهها الحكومة بشأن كيفية استخدام أسلحتها النووية وتوقيته. فقد وجدت روسيا أن الأوكرانيين تجاهلوا ببساطة العقيدة النووية الروسية المتعلقة بالهجمات التقليدية على الأهداف النووية. ومع أن روسيا هددت برد نووي على مثل هذه الهجمات، فإنها لم تنفذ تهديدها، حتى بعد إلحاق أضرار جسيمة بقوة قاذفاتها النووية. إن مثل هذه الرسائل الفارغة إما أن تجرد القوات النووية من قدرتها الردعية، وإما تخلق ضغطا لا يُحتمل للتصعيد نحو الاستخدام النووي.

وبدلا من ذلك ينبغي للدول النووية وغيرها أن تنشر مبادئ معيارية تقيم حواجز إضافية أمام التصعيد النووي. ففي الحروب الدائرة في أوكرانيا والشرق الأوسط، على سبيل المثال، أصبحت محطات الطاقة النووية أهدافا. وما فتئت الوكالة الدولية للطاقة الذرية تحث الدول على التعهد بعدم مهاجمة المحطات النووية أثناء الحرب. وقد اتفقت الهند وباكستان بالفعل على عدم مهاجمة المنشآت النووية التابعة للطرف الآخر؛ ففي يوم رأس السنة من كل عام تتبادل الدولتان قوائم بالمنشآت النووية التي تتفقان على عدم استهدافها بالأسلحة التقليدية. وكما اقترح بعض المحللين، ينبغي للدول عموما أن تتعهد بتجنب استهداف المناطق القريبة من المنشآت التي تضم رؤوسا نووية. ويمكن توسيع مثل هذه التعهدات لتشمل جميع المنشآت النووية العسكرية، كما يمكن أن تتبناها الدول التي تنشر أسلحة نووية. وفي مرحلة لاحقة، يمكن اعتماد هذا التعهد عالميا، مع إتاحة الفرصة لجميع الدول للانضمام إليه.

سيكون الهدف هو توسيع نطاق المحرّم النووي ليشمل الهجمات التقليدية على الأهداف النووية، سواء كانت مدنية، مثل محطات الطاقة النووية، أو عسكرية، مثل منشآت الأسلحة النووية. وينبغي أن تجد الدول المسلحة نوويا، وكذلك الدول غير المالكة للسلاح النووي، مصلحة لها في مثل هذه التعهدات. وحتى بالنسبة إلى الدول غير النووية، فإن خطوة كهذه ستعزز القاعدة الرافضة للاستخدام النووي من خلال معالجة خطر التصعيد غير المقصود. كما ستمنع وقوع كارثة إشعاعية قد تنجم عن هجوم تقليدي على منشأة نووية.

ينبغي للدول غير النووية التي تفكر الآن في امتلاك أسلحة نووية أن تعيد النظر؛ فقد ثبت أن الردع النووي الإسرائيلي الغامض لم يكن حاجزا أمام الهجمات التقليدية، وكذلك لم يكن الردع النووي الروسي العلني والهائل. وبدلا من ذلك، قد يكون أجدى للدول التي تطمح إلى امتلاك السلاح النووي أن تعزز دفاعاتها التقليدية وقدرتها على الصمود في مواجهة الهجمات التقليدية والهجينة. أما حلفاء الولايات المتحدة، فعليهم أن يبذلوا ما في وسعهم لضمان أن تكون قدرات الردع الممتد المنتشرة على أراضيهم مصانة جيدا، ومهيأة على نحو مناسب من خلال تدريبات منتظمة. لا يستطيع الحلفاء أن يتيقنوا من سلوك أي رئيس أمريكي، لكنهم يستطيعون أن يتيقنوا من أن قدرات الردع النووي الممتد المنتشرة على أراضيهم صالحة للغرض الذي وُجدت من أجله وجاهزة للعمل.

في هذه اللحظة النووية المرتبكة، قد تتعامل الدول مع حال عدم اليقين المحيطة بها وتخرج باستنتاجات خاطئة. وسيكون السيناريو الأسوأ أن تتجاهل الدول النووية دروس هذه المرحلة من الحروب، وأن تواصل، على نحو أعمى، بناء وضعيتها النووية من دون أن تأخذ في الحسبان أن التهديدات التقليدية الجديدة ستأتيها من كل اتجاه، لا من خصومها النوويين التقليديين وحدهم. وحتى الفاعلون من غير الدول، على الأرجح، سيمتلكون بعد وقت غير طويل أعدادا كبيرة من المسيّرات والصواريخ السريعة، الرخيصة والدقيقة. وقد لا يكون الهجوم الإرهابي المقبل على هدف أمريكي موجها إلى أبراج شاهقة في مدينة ساحلية كبرى، بل إلى مواقع انتشار نووية، وربما، مع حصول الإرهابيين على صواريخ أطول مدى، في الداخل الأمريكي نفسه.

الحل لمثل هذه التهديدات ليس امتلاك مزيد من الأسلحة النووية بعدما أصبحت قدرتها على الردع موضع شك واضح. وبدلا من ذلك تحتاج الدول إلى إدراك المشهد المتغير للحرب التقليدية، وكيف تهدد المسيّرات والصواريخ الباليستية الدور الاستراتيجي المركزي للأسلحة النووية. ويتعين على الحكومات أن تطور دفاعات أفضل، وأن تبني حصنا صامدا في وجه الهجمات التقليدية على قواتها النووية. كما ينبغي لها أن تعمل على ترسيخ قواعد ومعايير تثني عن الاستخدام النووي وتدرأ الكوارث الإشعاعية. وبهذه الطريقة، تستطيع الأسلحة النووية أن تواصل أداء وظيفتها: ردع القوى النووية الأخرى عن الهجوم، ومنع ذلك النوع من التصعيد الذي قد يقود إلى كارثة.

روز غوتيمولر محاضِرة في مركز الأمن الدولي والتعاون، وباحثة في مؤسسة هوفر بجامعة ستانفورد. شغلت بين عامي 2016 و2019 منصب نائبة الأمين العام لحلف شمال الأطلسي. ومؤلفة كتاب: الأمن عبر التعاون: الفضاء والأسلحة النووية والعلاقات الأمريكية ـ الروسية بعد الحرب الباردة

عن مجلة فورين أفيرز «خدمة تربيون»