الأمم المتحدة فضحت انتهاكات إسرائيل ضد الأسرى.. فأين الحساب؟

13 يونيو 2026
13 يونيو 2026

ترجمة: أحمد شافعي 

وقفت أنا وصحفي فلسطيني يدعى يوسف على شاطئ في غزة خلال الانتفاضة الأولى التي بدأت سنة 1987 واتسمت بالمقاومة الشعبية وإلقاء الشباب الحجارة. كان في مطلع العشرينيات من عمره آنذاك، لكنه كان قد قضى بالفعل فترة في سجن (أنصار 3) الإسرائيلي المرعب في صحراء النقب. وكان قد خرج من ذلك السجن قبل قليل.

كان ذلك قبل الزمن الذي شاع فيه فهم اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD) لكنني كنت أعرف صديقا تعرض لصدمة عميقة. شاخصا إلى البحر، كانت يداه ترتعشان ونحن نتكلم. وبرغم حريته كان يستبعد أن يشعر بالأمان مرة أخرى. فقد كان السجن يعني الضرب والتعذيب والحرمان من النوم. قال: «لقد كان الجنود يسألونني إن كنت أريد أن أصبح امرأة، وكان هذا أسوأ ما جرى لي، التهديد بتحطيم رجولتي».

في كل عام، تصدر الأمم المتحدة ملحقا لتقرير لأمين العام بشأن العنف الجنسي المرتبط بالصراعات؛ حيث يحدد التقرير الأطراف التي تحيط بها شكوك وجيهة بشأن ممارسة الاغتصاب والانتهاك الجنسي في صراع مسلح.

وعلى مدى سنين كان المشبوهون المعتادون الذين يظهرون في التقرير هم جمهورية الكونغو الديمقراطية وجنوب السودان وسوريا والعراق وميانمار. ثم حدث في العام الحالي أن ظهر اسمان جديدان هما إسرائيل وروسيا. لم يكن إدراج روسيا مفاجئا؛ فمنظمتي (مشروع الحساب) على اطلاع تام من خلال العمل الذي تقوم به بتقارير العنف الجنسي. وروسيا أيضا خارجة على القانون الدولي، وتتعرض لانتقادات واسعة من دول أخرى. أما رؤية إسرائيل مدرجة في القائمة فكانت صادمة في ضوء ما تلقاه من دعم كثير من الفاعلين في المجتمع الدولي من أمثال الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي. والأمم المتحدة مؤسسة حذرة فلا يمكن أن يكون إدراجها هذا عن هوى.

الأدلة دقيقة؛ بين عامي 2023 و2025 تحقق محققو الأمم المتحدة من انتهاكات جنسية تمت بحق واحد وثلاثين معتقلا فلسطينيا ـ أربعة عشر رجلا، وسبع نساء، وتسعة أولاد وفتاة ـ في قواعد عسكرية وسجون ومراكز اعتقال إسرائيلية.

تضمنت الانتهاكات الاغتصاب والاغتصاب الجماعي والعنف تجاه الأعضاء الجنسية على سبيل التعذيب، والتعرية القسرية، والتفتيش الشخصي المهين والتهديدات المتكررة بالاغتصاب. وقد تعرض بعض الضحايا للعديد من الاعتداءات والإذلال المستمر والألم. وتضمن الجناة أفرادا في الجيش الإسرائيلي ومصلحة السجون الإسرائيلية.

يوثق التقرير غيابا منهجيا للمحاسبة و«تأبيدا لمناخ الحصانة من العقاب». وتتمثل أشهر الحالات في اتهام خمسة جنود بالاعتداء الجسدي. وبرغم توافر أدلة طبية وأدلة مصورة بالفديو للاعتداء الجنسي، لم تتضمن لائحة الاتهام الموجهة لهم العدوان الجنسي أو الاغتصاب. وبعد غضب شعبي كبير دفاعا عن الجنود تم إسقاط الاتهامات في نهاية المطاف.

تقوم هذه النتائج على عمل سنين قامت به منظمات حقوق إنسان شجاعة إسرائيلية ودولية؛ فقد فضحت منظمة بيتسليم القسوة الممنهجة في السجون الإسرائيلية قبل أمد بعيد من تحرك الأمم المتحدة. وثمة تقرير حديث عنوانه (مرحبا بكم في الجحيم: نظام السجون الإسرائيلية باعتباره شبكة من معسكرات التعذيب) يوثق تجارب خمسة وخمسين فلسطينيا اعتقلوا بعد السابع من أكتوبر وتم الإفراج عنهم دونما توجيه أي اتهامات إليهم. وتصف بيتسليم السجون بـ«شبكة معسكرات مخصصة لانتهاك السجناء واتخاذ ذلك سياسة لها».

ردا على التقرير قال داني دانون سفير إسرائيل في الأمم المتحدة، وهو ضابط سابق ومتشدد في الجيش الإسرائيلي وعضو سابق في الكينيست عن حزب الليكود إن «الأمين العام وفريقه مستمران في نشر الأكاذيب ضد إسرائيل. فوضعنا مع مسلحي حماس في قائمة واحدة أمر غير مقبول». وأعلن دانون أن إسرائيل سوف تقطع علاقاتها بأنطونيو جوتيريش إلى أن يترك الأمين العام منصبه في ديسمبر.

وما الذي سيحدث بعد هذا لإسرائيل؟ الدول التي يتواتر ظهورها في القائمة السوداء تمنع من المشاركة في مهام حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، ولكن الأمر نادرا ما يتجاوز هذا.

تطلب الأمم المتحدة من المحققين تفقد منشآت الاعتقال، لكن ما لم تتعاون الدولة المتهمة فإن المحققين يعجزون عن ترتيب هذا التفقد. ويكرر الجناة جرائمهم، دونما عقاب، ويستمر النظام الذي يمكنهم من ذلك دونما عائق.

المحاسبة الحقيقية سوف تعني تقديم إسرائيل إلى المحكمة الجنائية الدولية لاستعمالها الاغتصاب وهو جريمة حرب. وهذا أمر صعب في ضوء أن إسرائيل ليست من الدول الموقعة في المنظمة. وقد سبق أن رأينا أن بنيامين نتنياهو قد تم اتهامه فعليا بتسليح الجوع في الحرب وبارتكاب جرائم ضد الإنسانية في غزة لكن دونما جدوى من ذلك (وهو ينكر ارتكاب أي خطأ).

غير أن الضغط الدولي يمكن أن يحدث من خلال أشكال أخرى؛ فروسيا تمنع المحققين من تفقد منشآت الاعتقال، لكنها تواجه ضغطا هائلا من عقوبات اقتصادية ودبلوماسية بسبب عدوانها على أوكرانيا. ولا تزال إسرائيل تستفيد من التجارة مع بلاد أخرى، وتشارك في مؤسسات غربية على نحو لا يتسنى لروسيا ـ من قبيل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والمنتدى الاقتصادي العالمي، والأولمبياد ـ لكن يمكن طردها منها ما لم تتحرك من أجل إنهاء العنف الجنسي.

ويجب أن تقدم إسرائيل تعويضات للناجين من خلال العلاج والمساعدة القانونية لطالبي العدالة في أماكن أخرى، لكن الأساسي هو أنها لا بد أن تعترف بأن هذه الجرائم وقعت بالفعل وبأنها لن تتكرر.

وثمة قالب معهود لهذا؛ فقد قام مراقبو حقوق الإنسان في أوكرانيا بتوثيق إحدى وثلاثين حالة عنف جنسي ارتبكها أفراد في القوات الأمريكية ـ من قبيل ضرب الأعضاء الجنسية، والصعق الكهربائي والتعرية القسرية. بعد هذه الاتهامات، استمرت أوكرانيا في السماح لمراقبي الأمم المتحدة بالتفقد، وواجهت جرائمها، فتحركت من أجل تقوية قوانينها ومؤسساتها.

وإذا لم يكن لدى إسرائيل ما تخفيه ـ وهو ما تصر عليه ـ فيجب أن تخول للمحققين تفقد سجونها بلا قيد.

ترى هل يوسف الذي فقدت الاتصال به منذ سنين كثيرة يعد هذا السجل الموثق لألمه نصرا؟ فهو يعني ـ بالنسبة للناجين من أمثاله ـ وجود أرشيف رسمي محفوظ الآن، ينتظر اليوم الذي تتوافر فيه لدى العالم الإرادة السياسية للعمل بناء عليه.

أتخيل أنه يرجو المزيد. أما نحن العاملين في المحاسبة فالقائمة السوداء إشارة إلى وجود شهود عيان، وإلى أن العالم يتابع، ويعلم. والسؤال الآن هو ما إذا كان العالم سوف يفعل يوما ما يتجاوز الاكتفاء بالمتابعة.

جانين دي جيوفاني مراسة حرب صحفية، والمديرة التنفيذية لمنظمة (مشروع الحساب)، وهو وحدة لجرائم الحرب في أوكرانيا والسودان وفلسطين

الترجمة عن الجارديان