حرب ترامب وعقدة مضيق هرمز

17 مارس 2026
17 مارس 2026

الحرب الغبية التي شنها الرئيس الأمريكي ترامب على الجمهورية الإسلامية الإيرانية كانت فخا كبيرا نصب له من قبل نتنياهو والمجموعة الصهيونية في إدارة البيت الأبيض خاصة روبيو وزير الخارجية ووزير الحرب واللوبيات اليهودية المتنفذة. ومع فشل إسقاط النظام الإيراني -وهو الهدف الاستراتيجي الأول للحرب- ظهرت مشكلة مختلفة تتعلق بالملاحة في مضيق هرمز، أهم المضايق البحرية في العالم؛ حيث مرور الطاقة وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية مما أوقع ترامب في مشكلة لا يستطيع إيجاد حل بالمعنى العسكري.

حين تشن الحروب دون وعي ودون حسابات دقيقة تكون النتائج سلبية والمخاطر تتزايد، ولعل من أهم نتائج هذه الحرب، والتي سوف تتوقف قريبا لأسباب اقتصادية عالمية، هو انتهاء هيبة الدولة الأمريكية وتعرض كل قواعدها العسكرية للتدمير، وأصبح ترامب يستجدي الحلفاء في أوروبا لمساعدته في تأمين الملاحة عبر المضيق وجاء الرد سلبيا تحت عنوان كبير «هذه حربك.. وليست حربنا» وفي تصوري أن التحالف الأوروبي وجه أخيرا صفعة قاسية للرئيس ترامب. ومن النتائج الأخرى للحرب هو استمرار إدارة ترامب في الخداع والتضليل رغم أن المفاوضات الأمريكية الإيرانية حققت تقدما جيدا مما يعطي فرصة كبيرة للدبلوماسية أن تلعب دورها لإحلال السلام والاستقرار من خلال جهود بلادنا سلطنة عمان والقيادة الحكيمة لجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ والذي حرص على إجراء عشرات الاتصالات مع قيادات العالم بهدف خفض التصعيد. وفي تصوري أن عقدة الملاحة في مضيق هرمز هي من أهم الأوراق الاستراتيجية في يد إيران حيث أكدت أنها لم تغلق المضيق ولكنها لن تسمح بمرور السفن المعادية.

الحرب المجنونة وغير المسؤولة التي أطلقها الرئيس الأمريكي ترامب أضرت بمصالح دول مجلس التعاون الخليجي، بل إن الحماية الأمريكية اختفت وذهبت مقدرات أمريكا العسكرية للدفاع عن الكيان الصهيوني وهذا درس كبير لدول مجلس التعاون الخليجي، حيث إن مسألة الأمن الجماعي والتي طرحت في اجتماع مسقط عام ١٩٧٦ في حال إقرارها كانت سوف تجنب المنطقة الكثير من ويلات الحروب التي اندلعت منذ عام ١٩٨٠ بين العراق وإيران مدة ثمان سنوات علاوة على حروب الخليج التي جاءت بعد الغزو العسكري العراقي لدولة الكويت في الثاني من أغسطس عام ١٩٩٠ حتى الغزو الأمريكي للعراق عام ٢٠٠٣ مرورا بالحرب في اليمن عام ٢٠١٥.

إن إيجاد نظام أمني دفاعي جماعي بين الدول المطلة على الخليج العربي أصبح ضرورة وأنه يصعب الاعتماد على الولايات المتحدة الأمريكية والتي تخلت عن دول المنطقة وكان همها الوحيد هو الدفاع عن الكيان الصهيوني الذي يخوض معركة كسر عظم مع إيران.

إن خطة الحرب الأمريكية وعلى ضوء تقديرات بعض كبار القيادات العسكرية الأمريكية كانت خطة واهمة لا تستند على تقديرات حقيقية حيث إن خطة الاغتيالات في إيران لا يمكن أن تسقط النظام الإيراني وهذا يعود إلى طبيعة هيكلة النظام الإيراني والخيارات الموجودة لتلك القيادات، وعلى ضوء ذلك فإن من مصلحة الرئيس الأمريكي ترامب أن يعلن وقف الحرب ويعلن عن الانتصار الوهمي مع وجود ضمانات بعدم العودة إلى الحروب العدوانية ضد الجمهورية الاسلامية الإيرانية، وهذا بلا شك سوف يمهد لعودة المفاوضات الأمريكية الإيرانية والتي قطعت شوطا جيدا يمكن البناء عليه للتوصل إلى اتفاق عادل ومنصف ومستدام بما يضمن الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم.

وقد أشرت في مقالات عديدة سابقة إلى أن العالم سوف يعاني على مدى السنوات الثلاث القادمة من رئيس أمريكي ينفذ الأجندة الصهيونية التي جاءت به إلى سدة الحكم في واشنطن وهو رجل متناقض في تصريحاته بشكل يومي ويتوهم أمورا ليست موجودة على أرض الواقع ولعل ما رصدته الصحف الأمريكية الكبرى مثل واشنطن بوست ونيويورك تايمز عن ادعاءاته الكاذبة يعد سلوكا صارخا لرئيس يقود أقوى دولة في العالم. ومن هنا فإن الرئيس الأمريكي ترامب أضر بالاقتصاد الأمريكي ومواطني بلاده من خلال الارتفاع الكبير في أسعار الطاقة، وهو أحد المتغيرات الأساسية لنجاح أي رئيس أمريكي أو فشله.

ومن خلال الحوارات مع المواطنين في الولايات المتحدة الأمريكية من الطبقة الوسطى العاملة أصبح الكل يعاني من ارتفاع سعر جالون البنزين الذي لامس ٤ دولارات وفي ظل بلد يتزعم الرأسمالية في العالم فإن كل شيء محسوب. وعلى ضوء ذلك فإن الحرب التي شنها ترامب على إيران أضرت بصورة ترامب نفسه في ظل انتقادات حادة من عدد من أعضاء الكونجرس من الحزب الجمهوري علاوة على انتقادات لاذعة وساخرة من وسائل الإعلام والصحف الأمريكية خاصة بعد فشل الرئيس الأمريكي ترامب في إيجاد حل لحركة الملاحة في مضيق هرمز.

إن الحرب كانت لها جوانب سلبية على دول المنطقة والأردن والعراق من خلال تزايد مخاطر التصعيد، ويبدو أن الرئيس الأمريكي ترامب لا يهتم بمصالح المنطقة وشعوبها واستقرارها، هو فقط يريد استنزاف الأموال وعند الحاجة للدفاع ينسحب ويجعل المنطقة تشتعل وهذا درس كبير آخر والسؤال مع دخول الحرب أسبوعها الثالث وشرارات الحرب في كل دول المنطقة هل هناك استراتيجية عربية لإيجاد منظومة للأمن القومي العربي؟ وإذا تعذر هذا المفهوم ماذا بخصوص الأمن الجماعي للدول الثمان المطلة على الخليج العربي؟ وكيف يمكن استثمار الأحداث ونتائج الحرب في إطلاق حوار جاد بين الدول على ضفتي الخليج، خاصة أن الجغرافيا لا يمكن تغييرها، وسوف تظل إيران دولة جارة والتوافق معها والاختلاف هذا شيء طبيعي من خلال الحوار بهدف الحفاظ على علاقات متوازنة بدأت منذ قرون.

الاعتماد على الولايات المتحدة الأمريكية في تصوري سقط على صعيد الحماية العسكرية بعد أحداث الحرب، ومن الضروري لقيادات المنطقة أن تفكر بصوت عال يركز على الاستقرار والأمن في منطقة استراتيجية وحيوية لاقتصاد وتجارة العالم.

إن الحرب على إيران هي جزء من خطة المشروع الصهيوني العالمي الذي تقوده إدارة ترامب والكيان الصهيوني من خلال صفقة القرن أولا، وبعد الإبادة الجماعية في قطاع غزة مرورا بمجلس السلام الوهمي وانتهاء بالتخلص من النظام الإيراني حتى يتم تشكيل الشرق الأوسط على هوى الصهيونية العالمية بقيادة إسرائيل، والتحكم والسيطرة والنفوذ على مقدرات المنطقة وشعوبها، ولعل خريطة إسرائيل الكبرى واضحة وتصريحات السفير الأمريكي الصهيوني ماكاهابي في إسرائيل واضحة لا لبس فيها.

الحرب سوف تنتهي ولكن شرارات تلك الحرب الغبية ونتائجها سوف تظل أمام الجميع ومن المهم أن تكون هناك استراتيجية دفاعية أمنية مختلفة بين دول المنطقة بحيث ترحل القواعد الأمريكية غير مأسوف عليها.

عوض بن سعيد باقوير صحفـي وكاتب سياسي وعضو مجلس الدولة