مكاسب الحرب على إيران «1»

17 مارس 2026
17 مارس 2026

هذا المقال هو استكمال لمقالاتي السابقة في هذا الموضوع المنشورة بهذه الجريدة الرصينة، فضلا عن مقالي المنشور يوم 11 /3 الفائت في جريدة المصري اليوم بعنوان «خسائر الحرب على إيران». وسوف أستبق القول هنا بذكر الاعتراضات التي يمكن أن تنشأ ابتداء في ذهن القارئ حينما يطالع عنوان مقالي الراهن، ومنها ذلك التساؤل الاستنكاري: أي مكاسب هذه التي يمكن أن تتحدث عنها في أتون حرب لا تُبقي ولا تذر؟ أولم تطل خسائر هذه الحرب الجميع، القريب والبعيد، بالإضافة إلى الأطراف المتصارعة (كما سبق أن قلنا من قبل في غير مقال)؟! لكن هذا الاستنكار سوف يتلاشى حينما يدرك السائل أننا لا نتحدث عن الخسائر والمكاسب بالمعنى المادي المباشر، وإنما بالمعنى الاستراتيجي الذي يمتد فيه التأثير على الأوضاع العالمية إلى ما هو أبعد كثيرا من التأثير المادي أو الميداني لوقائع الحرب في اللحظة الراهنة.

على مستوى اللحظة الراهنة، هناك حقائق أساسية ينبغي الاعتراف بها كمقدمات يمكن أن نؤسس عليها رؤية أكثر شمولا لمآلات هذه الحرب وتأثيرها البعيد على متغيرات السياسات الدولية المتضاربة، بل المتصارعة، في عصرنا:

أمريكا وإسرائيل هما من شنا الحرب معا على إيران عن عمد وقصد مسبق، رغم المفاوضات الوهمية بين الإدارة الأمريكية وإيران، على نحو ما أوضحنا في مقال سابق.

ولأن هذه الحرب غير مبررة وفقا للقانون الدولي؛ فإن أهداف هذه الحرب جاءت مبهمة ومُضللة؛ ولذلك يتغير الإعلان عن كُنهها من حين لآخر عبر أيام الحرب القليلة.

لم يتحقق أي من أهداف الحرب التي يتم الإعلان عنها تباعا: فالبرنامج النووي الإيراني كان هو الهدف المُعلن من جانب العدوان الصهيو/أمريكي في بداية الحرب، وهو هدف مضلل؛ لأنه في الحرب السابقة على إيران كان هناك إعلان أيضا أنه تم القضاء نهائيّا على البرنامج النووي الإيراني. لكن هذا البرنامج لم يتم القضاء عليه، لا في حرب يونيو السابقة ولا في الحرب الجارية الآن! كما أن الهدف الآخر الذي تم الإعلان عنه لاحقا، وهو القضاء على النظام الإيراني نفسه لم يتحقق أيضا ولن يتحقق يوما ما من خلال الحرب؛ على الرغم من اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، بل إن معظم الشعب الإيراني نفسه قد التف حول النظام مطالبا بالثأر والانتقام، وهو ما سبق أن تنبأنا بإمكان حدوثه. ذلك أن المعسكر الصهيو/أمريكي لم يفهم بعد أن إسقاط الأنظمة المتجذرة لا الهشة (وأنا أعني بالهشة هنا: تلك الأنظمة التي لا تحظى بتأييد شعبي واسع)، لا يمكن أن يحدث باغتيال القادة والزعماء؛ فمثل هذا المسلك لا ينتمي إلى سياسة الدول حتى في الحروب والصراعات، بل ينتمي إلى أسلوب عصابات المافيا حينما يقومون بتصفية أعدائهم أو خصومهم.

وأود التأكيد في هذا الصدد أنني لا أبغي من وراء ذلك الدفاع عن النظام الإيراني؛ لأنني في الواقع أنتقد هذا النظام وأي نظام مشابه. ومع ذلك، فإني حريص على التأكيد في الوقت ذاته على أن هذا الانتقاد نفسه ليس هو السبب في عداء المعسكر الصهيو/أمريكي لإيران؛ لأن هذا المعسكر لا يعنيه ذلك على الإطلاق، فما يعنيه ويؤرقه هو أن إيران تشكل القوة الحقيقية المعادية بشكل علني لمشروع هذا المعسكر في التمدد في منطقة الشرق الأوسط وإعادة تشكيله. ولهذا، فإن إيران في حقيقة الأمر ليست هي العدو الاستراتيجي للعرب بمن فيهم شعوب منطقة الخليج، رغم كل الأخطاء الكارثية التي ارتكبتها بحق بلدان الخليج وغيرها في منطقة الشرق الأوسط. ذلك أن النظام الإيراني يسعى إلى التمدد في المنطقة من خلال النفوذ السياسي والعقائدي أيضا، ولكنه لا يشكل تهديدا وجوديّا للمنطقة؛ وذلك بخلاف المعسكر الصهيو/أمريكي الذي يسعى إلى الهيمنة على المنطقة، بل التوسع فيها واحتلالها بقوة السلاح، من أجل تحقيق حلم الصهاينة في إنشاء دولة إسرائيل الكبرى، وهو مشروع معلن بشكل صريح على لسان نتنياهو نفسه وقادة حكومته؛ ولذلك فإن الكيان الصهيوني المدعوم بالولايات المتحدة الأمريكية هو العدو الاستراتيجي الحقيقي للمنطقة.

ولهذا يمكننا القول بأن مسعى النظام الإيراني للهيمنة هو مسعى يمكن مواجهته بالطرق السلمية، أما مسعى الكيان الصهيوني فلا يمكن مواجهته سوى بإدراك مخططاته، وتشكيل تحالفات عربية قوية مدعومة من قوى إقليمية كبرى مثل تركيا على سبيل المثال؛ فالكيان الصهيوني لا يعرف سوى منطق واحد: منطق القوة.

لقد فطنت دول الخليج لهذه الحقائق أو الوقائع؛ ولذلك فإنها لم تتورط في الحرب حتى الآن رغم استهداف إيران لكثير من المنشآت المدنية في أراضي تلك الدول، وهو ما يشكل مسلكا استفزازيّا لا يمكن تبريره. ذلك الموقف الخليجي يتسم بالحكمة والحصافة، ويعبر عن الوعي بحقيقة ما يجري الآن. ولكنني لم أجد ما هو أصدق وأوضح وأكثر حسما في ذلك الأمر مما جاء على لسان معالي بدر البوسعيدي وزير خارجية عُمان؛ إذ أكد صراحة على أن الهدف من هذه الحرب ليس هو الملف النووي الإيراني، بل إضعاف إيران، وإعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط، ومنع قيام الدولة الفلسطينية؛ كما أكد معاليه على أن عُمان لن تقوم بالتطبيع مع دولة الاحتلال ولن تدخل في اتفاقية السلام. وهذا موقف لا يعبر فحسب عن سياسة رشيدة، بل أيضا عن التزام أخلاقي في ممارسة السياسة؛ فهو موقف لا يسعى إلى إغفال القضية الفلسطينية أبدا من حساباتنا في المكاسب والخسائر.

ولكن مكاسب الحرب هذه لها أبعاد استراتيجية أكثر عمومية؛ ولذلك فإنها تستحق مقالا آخر.

د. سعيد توفـيق أستاذ علم الجمال والفلسفة المعاصرة بجامعة القاهرة