سباق الذكاء الاصطناعي قد يقوض الانفراجة بين أمريكا والصين

09 سبتمبر 2026
09 سبتمبر 2026

بعد ثلاثة أشهر فقط من عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في عام 2025، شن حربا تجارية جديدة مع الصين.

ولم تسر الأمور على ما يرام؛ فمباشرة بعد إعلانه فرض رسوم جمركية بنسبة 34% على كل الواردات الصينية، أشارت الصين إلى أنها مستعدة للعب بخشونة والرد بقوة بفرض رسوم جمركية مماثلة بنسبة 34% على جميع السلع الأمريكية، وفرض ضوابط فورية على تصدير سبعة من العناصر الأرضية النادرة والمغناطيسات المصنوعة من هذه العناصر، والتي تُستخدم في كثير من المنتجات الاستهلاكية والتكنولوجيات العسكرية الشائعة في القرن الحادي والعشرين.

وبعد جولة سريعة أخرى من الانتقام المتبادل، تراجع ترامب، والتقى الجانبان في جنيف لإعلان هدنة. ثم بعد ستة أشهر، جرى تمديد الهدنة، وهي لا تزال سارية حتى اليوم في وقت حيث يستعد ترامب والرئيس شي جين بينج لعقد قمتهما في وقت لاحق من هذا الشهر.

أدرك الجانبان (في الوقت الحالي) أن المواجهة ستلحق ضررا بالغا باقتصاد البلدين، وأصبح الحس البرجماتي القاعدة الجديدة التي تحكم أهم علاقة ثنائية في العالم.

منذ ذلك الحين، سعى المسؤولون الأمريكيون والصينيون إلى إيجاد سبل للتعاون بشكل أكثر إيجابية في مجالي التجارة والاستثمار، فضلا عن الانخراط في اتصالات عسكرية أكثر تواترا وأعلى مستوى. للإبقاء على العلاقات في مسارها الصحيح، أرجأت إدارة ترامب حزم المساعدات الدفاعية الجديدة لتايوان، وسمحت بانتهاء صلاحية القيود المفروضة على التجارة مع هونج كونج، وخفضت عدد الدوريات البحرية الأمريكية الدورية التي كان المقصود منها تثبيت حرية الملاحة في بحر الصين الجنوبي.

السؤال الضخم الذي يطرح نفسه في عالم مُبتلى الآن بحربين رئيسيتين ووابل آخر من النزاعات التجارية التي يولدها ترامب هو: إلى متى قد تصمد هذه الحواجز الوقائية بين الولايات المتحدة والصين؟

من ناحية إيجابية، تعتمد الانفراجة الحالية على توازن النفوذ القسري الذي ينبغي له أن يستمر، في معظم المجالات، على الأقل خلال السنوات القليلة المقبلة.

سوف تواصل الولايات المتحدة الحد من اعتمادها المباشر على الواردات من السلع الصينية، لكنها ستظل عُرضة لسيطرة الصين على المعادن الـحَرِجة الـمُعالَجة والسلع الوسيطة. وسوف تواصل الصين تقليل اعتمادها على الخارج وإعادة توجيه صادراتها نحو الجنوب العالمي، لكنها ستظل تحت رحمة العقوبات المالية الأمريكية وبعض ضوابط تصدير التكنولوجيا.

من المؤكد أن القيادتين الأمريكية والصينية لن تقررا على نحو مفاجئ أن تثق كل منهما في الأخرى. ما دام كل طرف ليس مستعدا للتخلي عن بعض الحذر، فسوف تظل أمور عديدة عُرضة للسير في اتجاه خاطئ.

فقد تؤدي أي نوبة غضب كبرى بشأن العقوبات الأمريكية على إيران، أو الدعم الذي تقدمه الصين لروسيا، أو سوء تقدير بشأن تايوان، إلى زيادة الضغوط الداعية إلى سلوك نهج أكثر تصادمية في كل من العاصمتين.

ولكن طالما استمرت الولايات المتحدة والصين في قراءة ميزان النفوذ على النحو الصحيح وتجنبتا الضغوط الداخلية الداعية إلى التصعيد، فمن الممكن أن تظل المناوشات الدبلوماسية، أو التجارية، أو الأمنية العَرَضية تحت السيطرة لصالح الاستقرار.

ولكن هنا يتدخل عامل مجهول خطير؛ يخلق الذكاء الاصطناعي وغياب الحوكمة الدولية على عمليات تطويره واستخدامه مخاطر ملموسة بالفعل داخل كل من الولايات المتحدة والصين وفي مختلف أنحاء العالم.

ولأن الولايات المتحدة والصين تتصدران الآن الإبداع في عالَم الذكاء الاصطناعي بفارق كبير، فإن المنافسة بينهما في هذا القطاع تشكل أكبر تهديد لعلاقاتهما البنّاءة حاليا.

يتسم السباق الآن بالتقدم السريع في القدرات الصينية والظهور المفاجئ لمخاطر جديدة تهدد الأمن القومي في كل من البلدين. بِفِعل القرار الذي اتخذته الصين بالتركيز على نماذج مفتوحة المصدر وغير مكلفة، سوف يصبح الذكاء الاصطناعي متاحا على نطاق ضخم للمستهلكين والمستخدمين الصناعيين في الغرب ومختلف أنحاء الجنوب العالمي.

لكن مجتمع الاستخبارات والدفاع في الولايات المتحدة لن يرحب بمثل هذه الضغوط التنافسية (وجمع البيانات). علاوة على ذلك، تنطوي النماذج الصينية على بعض من ذات المخاطر السيبرانية والتكنولوجية الحيوية التي تفرضها نظيراتها الأمريكية؛ لكن على عكس شركتي Anthropic أو OpenAI، لن تستجيب الشركات الصينية لمخاوف الحكومة الأمريكية ومَطَالبها.

لهذا السبب، سترد الولايات المتحدة في الأشهر المقبلة بفرض قيود كبيرة على وصول الصين إلى النماذج الأمريكية، وتعيين حدود لقدرة الولايات المتحدة على الوصول إلى النماذج الصينية المفتوحة الأوزان.

سيحاول ترامب أيضا استخدام النفوذ السياسي الأمريكي للضغط على دول أخرى لحملها على تبني الذكاء الاصطناعي الأمريكي بدلا من الصيني. إذا فشلت الولايات المتحدة والصين في إدارة هذا الصراع، فبوسعنا أن نتوقع حدوث تسارع حاد في عملية فصل التكنولوجيات المتقدمة بين البلدين.

نحن نشهد هذا الاتجاه بالفعل في مجالات أخرى. في يوليو، حظرت الولايات المتحدة استيراد الروبوتات الشبيهة بالبشر المصنوعة في الخارج ــ وهي خطوة تستهدف الصين بوضوح، التي تتمتع بتفوق تكنولوجي وسعري كبير على منافسيها الأمريكيين.

كما فرض ترامب الآن رسوما جمركية تصل إلى 100% على الطائرات الـمُسَيَّرة آليا، مستهدفا بذلك النماذج الصينية الصنع على وجه الخصوص، وذلك بحجة حماية الأمن القومي.

باختصار، لقد بدأ بالفعل سباق تسلح الذكاء الاصطناعي الصيني-الأمريكي. والسؤال الآن هو ما إذا كان بمقدور ترامب وشي استغلال قمتهما في البيت الأبيض هذا الشهر لإرساء الأساس لحوار مستمر حول الذكاء الاصطناعي مُصمَّم لتجنب مستقبل يتسم بصراع متسارع، وغامض، وربما تكون محصلته صفرا.

إذا فشلا في ذلك، فربما يشعر الجانبان بأن المواجهة أصبحت حتمية، وليس فقط فيما يتعلق بالذكاء الاصطناعي.

ليس من الصعب تصور أن يتسبب الصراع التجاري المتجدد والتوترات الأمنية المتصاعدة في الإطاحة سريعا بالحواجز الوقائية التي أقامها الجانبان على مدار الأشهر الستة عشر الأخيرة. الواقع أن سباق الذكاء الاصطناعي يجعل تجنب مثل هذه النتيجة أمرا أشد صعوبة.