من هم النخبة؟ .. الجميع بحسب من تسأل!

09 سبتمبر 2026
09 سبتمبر 2026

هل يُعدّ حسن بيكر، نجم البث المباشر الشهير، من النخبة؟ وهل رئيس جامعة هارفارد مجرد مواطن عادي يكسب رزقه من عمله؟ أم أن العكس هو الصحيح؟ أم أن المليارديرات هم الذين يديرون الأمور فعليا؟

بعبارة أخرى: من هم النخبة؟

في عصر الشعبوية الذي تعيشه الولايات المتحدة، يريد الجميع أن يصدقوا أنهم أبطال المواطن العادي في مواجهة دوائر النفوذ الفاسدة التي ترعى مصالحها وتدير البلاد بما يخدمها. وقليلون جدا هم الذين يقبلون الاعتراف بأنهم جزء من تلك الدوائر.

يصوّر المشرّعون المحافظون أنفسهم في هيئة داود الشجاع الذي يتصدى لجالوت، ذلك العقل الجمعي المكوّن من صحفيين وأكاديميين وناشطين وبيروقراطيين ذوي ميول يسارية، يُعتقد أنهم يفرضون من وراء الستار سيطرتهم على الحكومة والشركات.

واليسار مقتنع، بالقدر نفسه، بأنه الطرف الأضعف، لكنه يخوض صراعا حادا حول تعريف النخب المكروهة: هل هي بنية السلطة التي يهيمن عليها الرجال البيض، أم الشركات وفاحشو الثراء؟

يشير استطلاع شمل ثلاثة آلاف ناخب مسجل، أجرته في أواخر يوليو مجلة «ذا أرجومنت»، المعنية بالترويج للفكر الليبرالي، إلى أن الناس أكثر تقبلا للتعريف الثاني.

ففي نظر المشاركين في الاستطلاع، يُعدّ المليارديرات من النخبة، وكذلك المشاهير، وربما المديرون التنفيذيون للشركات والسياسيون أيضا.. أما أساتذة الجامعات والصحفيون فلا يُنظر إليهم على هذا النحو. فهل أخطأنا، نحن الذين أمضينا سنوات نشكو من الانعطاف الحاد نحو اليسار داخل مؤسسات النخبة؟

ليس تماما. يمكن القول إننا كنا على حق قبل خمس سنوات، فأمريكا لا تضم نخبة واحدة، بل نخبا عديدة، وفي كل مرحلة يشتد غضب الجمهور على بعضها، من دون أن تكون بالضرورة النخب نفسها التي أثارت غضبه في السابق.

وفي الوقت الراهن، تتقدم الثروة على «إعلام اليقظة» بوصفها مصدرا للغضب، ويرجع ذلك جزئيا إلى الأسباب التي عرضتها في مقالي الأخير: أدى انهيار ثقة الجمهور وتفتت البيئة الإعلامية إلى تراجع كبير في نفوذ الصحافة التقليدية الراسخة.

وقد تبدو هذه أنباء مشجعة للتقدميين الذين يحلمون بثورة اقتصادية، ويسعون إلى صد هجمات الجمهوريين على الجامعات ووسائل الإعلام الرئيسية: لقد حانت لحظتهم أخيرا!

وقد ألمح لاكشيا جاين، الذي أجرى الاستطلاع لصالح «ذا أرجومنت»، إلى هذا الاحتمال في نشرة حديثة رأى فيها أن الجمهور «أقرب بكثير إلى التصور اليساري للنخب، الذي يمنح القوة الاقتصادية وزنا أكبر».

وهذا بالتأكيد هو التصور الذي تتبناه كل الدعايات الانتخابية للحزب الديمقراطي التي شاهدتها خلال موسم الانتخابات التمهيدية؛ إذ تكاد جميعها تتمحور حول ثلاث قضايا: مواجهة ترامب، وجعل تكاليف المعيشة في متناول الناس العاديين، وفرض الضرائب على المليارديرات.

لكنني، بعد التمعن في استطلاع «ذا أرجومنت»، خرجت غير واثقة من وجود شيء يمكن تسميته سياسة منهجية معادية للنخب.

وأغلب ظني أن المهووسين حقًا بالنخب هم أفراد ينتمون إلى نخب أخرى، وأن السياسة المعادية للنخب ليست في أحيان كثيرة سوى صراع داخل النخبة نفسها، متنكرا وراء نظارة وشارب مستعار.

وكانت النتيجة الأكثر إثارة للدهشة في الاستطلاع أن الناخبين لا يملكون تصورًا واضحًا عما تفعله النخب أو ما تسعى إليه. كتب جاين: «يرى الناخبون أن النخب تتبنى كل ما يرفضه الناس العاديون. وأن تكون من النخبة يعني أن تكون نقيض المواطن الأمريكي العادي». فعلى سبيل المثال، قال المشاركون للقائمين على الاستطلاع إن النخب تتكون أساسًا من الأثرياء ومديري الشركات، ثم قالوا إن أفراد النخبة أكثر ميلًا من غيرهم إلى تأييد تأميم معظم الشركات الأمريكية.

هذا تصور يفتقر إلى الاتساق. لكن الناخبين العاديين كثيرًا ما يقعون في مثل هذا التناقض؛ لأن معظمهم لا يتابع السياسة باهتمام كبير، وحتى حين يفعلون فإنهم غالبًا ما يشجعون فريقًا سياسيا، بدلًا من التنقيب في تفاصيل السياسات العامة.

ورغم أن الإشادة بالنخب لم تعد رائجة، فإن هذا يفسر حاجتنا إليها. فالمجتمع الحديث، بتعقيداته، لا يمكن إدارته بمجرد رفع الأيدي للتصويت.

يريد الجمهور ببساطة أشياء كثيرة يستحيل الجمع بينها: زيادة الإنفاق، وخفض عجز الموازنة، وعدم فرض ضرائب جديدة على أحد باستثناء المليارديرات. ولا بد من وجود مجموعة من الناس تملك من المعرفة ما يكفي لإدراك استحالة هذه المعادلة حسابيًا، ومن النفوذ ما يمكّنها من التفاوض على تسويات مقبولة.

ويتطلب الوصول إلى تفاهمات يمكن التعايش معها أن تحافظ النخب المختلفة في البلاد على ثقة الجمهور. ولهذا أمضيت القسم الأكبر من عقد كامل أندد بأخطاء النسخة الأولى من تيار «اليقظة» داخل مهنتي. ويتطلب الأمر أيضًا أن تضبط النخب نفسها في صراعاتها الداخلية، وتحديدًا لأن الجمهور لا يتابعها بما يكفي ليكون حكمًا فاعلًا بينها.

يدرك الجمهور أن الهجرة غير النظامية خرجت، على ما يبدو، عن السيطرة، لكنه لا يعرف كيف تؤثر قواعد الهجرة في أسعار المنتجات الزراعية. ويعرف أنه يريد خفض الجريمة والحصول على معاملة عادلة من النظام القضائي، لكنه لا يعرف لماذا يمنع القضاة هيئات المحلفين من الاطلاع على أنواع معينة من الأدلة.

كما يريد طائرات آمنة، ومقاعد مريحة توفر مساحة للساقين، وأقل قدر من تأخير الرحلات، وتذاكر رخيصة؛ لكنه لا يعرف أبسط مبادئ سلامة الطيران أو كيفية تشغيل شركات الطيران.

المؤسف أن النخب التي تمتلك آراء قوية في هذه القضايا استسلمت، خلال السنوات الأخيرة، لإغراء تقديمها بوصفها معركة بين الجمهور ونخب متسلطة، عوضًا عن كونها خلافات حول المفاضلة بين خيارات لها مكاسبها وأثمانها. ويحدث شيء من ذلك دائمًا في الأنظمة الديمقراطية، بطبيعة الحال، لكنه لم يحدث من قبل بالحجم الذي شهدناه خلال السنوات العشر الماضية.

فالنخب لم تعد تكتفي بمناوشة بعضها بعضًا، بل أخذت تشن هجمات شاملة على المؤسسات التي تضبط نفوذها وتجعل وجود ديمقراطية فاعلة أمرًا ممكنًا.

وإذا كان ذلك سيقرّبها قيد أنملة من السلطة، فستعيد تشكيل المحاكم بحشدها بقضاة موالين، وتفرض الرقابة على الصحافة، وتقيّد الحرية الأكاديمية، وتستخدم سلطات الادعاء العام لملاحقة الخصوم السياسيين، أو تطعن في شرعية نتائج الانتخابات. وستفعل كل ذلك بذريعة أنه ضروري لمنع النخب من قمع عامة الناس.

لا أعرف إلى أي مدى يصدق الجمهور شيئًا من هذا. لكنني أعرف أننا سنواصل تمزيق بعضنا بعضًا ما دامت النخب تواصل تسويقه.

ميغان مكاردل كاتبة عمود في صحيفة «واشنطن بوست»، ومؤلفة كتاب «الجانب الإيجابي للسقوط: لماذا يُعدّ التعامل الجيد مع الفشل مفتاح النجاح؟».