الطريقان.. وهل لدول الخليج دور في توقف الحرب؟

18 أبريل 2026
18 أبريل 2026

توقفت الحرب، والبارحة أعلنت إيران حرية الملاحة التجارية في مضيق هرمز، والآن تعود أطراف الحرب لتفقد خسائرها، وحساب مكاسبها إن وجدت، وبالنسبة لنا في هذه المنطقة فإن السؤال الذي يتبادر لذهني هو ما دور دول الخليج في توقف الحرب؟ إذا أخذنا في الحسبان عدة معطيات لعل أهمها أن هذه الحرب لم تحسم عسكريًا؛ فليست الأسلحة ولا قوة الضربات هي التي أوقفت الحرب، بل السلاح الاقتصادي، المتمثل باختصار في إغلاق مضيق هرمز.

إذا عدنا لمجريات الحرب التي بدأت قبل شهر ونصف تقريبًا فإن دول الخليج وجدت نفسها في الواجهة تتعرض لضربات حرب تبرأت منها، وأعلنت عدم مشاركتها فيها، لكن الواقع أن دول الخليج تحولت في الحرب إلى ورقة ضغط وابتزاز، وكانت الهجمات على الحقول النفطية والغازية والموانئ والمطارات والأهداف الخليجية المختلفة كانت تؤثر بشكل مباشر على أسعار الطاقة والأسواق العالمية التي يعتبرها الاقتصاديون في عالمنا المعاصر بمثابة مؤشرات اقتصادية حساسة.

هكذا وجدت دول الخليج نفسها مشتركة في الحرب، ليس كطرف من أطرافها، بل كهدف من أهداف الحرب، وإن كان إيران قد بررت هجماتها بوجود القواعد العسكرية الأمريكية، ولا شك أن القادة الخليجيين اليوم قد أدركوا العبء الذي أصبحت تشكله هذه القواعد، وقد سارع كثير من المحللين والكتاب إلى اقتراح استراتيجيات مستقبلية، وتحالفات جديدة؛ لضمان أمن دول الخليج مع أن السؤال الأساسي هو: لماذا لا تتناسب قدرة الردع الخليجية مع أهميته وثرواته؟ والسؤال الذي يسبقه هو: أين ذهب الإنفاق العسكري الخليجي طوال العقود الماضية والذي يعتبر الأعلى عالميا؟

لا شك أن الحروب المعاصرة دخلت طرازًا جديدًا من الحروب يعتمد على المسيرات الرخيصة التكلفة والتي يمكنها التسبب بأضرار جسيمة إضافة إلى الصواريخ، وهذا يشير إلى تحول الحروب لتصبح حروبًا جوية أكثر فأكثر، وأن معادلة الحروب التقليدية ما بعد الحرب العالمية قد تغيرت بالضرورة؛ وذلك للتغير النوعي في الأسلحة المستخدمة، وهذا يخلق معادلة مختلفة، ويخلق بالضرورة قوى جديدة.

وإذا التفتنا إلى دولة عسكرية مثل إسرائيل فسنجد أن هذا الأمر لم يغب عن بالها، وأن لديها استثمارات وشركات متخصصة في الأسلحة التقنية الحديثة بما فيها المسيّرات، ومنها مصانع الأسلحة الإسرائيلية في بريطانيا كشركة (إلبت) التي ثار ضدها أعضاء حركة فلسطين الفعل، أو (الفعل الفلسطيني Palestine Action).

لقد كشفت الحرب الأخيرة أن أسلحة الردع ما تزال متخلفة أمام فعالية وقدرات المسيّرات والصواريخ، وهذا ما حدث للقبب الإسرائيلية المتطورة التي اخترقتها الصواريخ والمسيّرات من عدة جبهات، بما فيها لبنان واليمن؛ وبالتالي ما يزال الطريق طويلًا أمام تقنيات متطورة دفاعية ضد المسيّرات فضلًا عن الصواريخ.

كذلك كشفت هذه الحرب عن أن الولايات المتحدة الأمريكية ماضية في أهدافها التي شرحتها استراتيجية الأمن القومي المنشورة في نوفمبر العام الماضي، والتي خصّت دول الخليج بإشارات واضحة وصريحة حول ضرورة الاعتماد على ذاتها بالنسبة لمسائل الأمن الدولي؛ لأن «أمريكا أولًا» لا وقت لديها تضيعه لحماية مصالح الآخرين حتى لو كانوا حلفاءها، وأن تدخلها الوحيد سيكون للمحافظة على مصالحها المباشرة الخاصة، وأمريكا -خاصة تحت إدارة ترامب- تريد أن تركز على مصالحها -أي لبقائها الخاص- في عالم متغير، تشارك هي نفسها بفعالية في هدم قواعده القديمة بشكل مباشر ومتسارع، وهو عالم تتنامى فيه الشركات الكبرى وتتضخم.

الواقع أن الولايات المتحدة الأمريكية بمشاركتها إسرائيل في هذه الحرب غير القانونية على إيران، إنما كانت تضع تلك استراتيجيتها المذكورة تلك موضع التنفيذ؛ فهي لم تتردد في التخلي عن دول الخليج.

وبالنسبة لليمين الأمريكي فإن أمن الخليج أصبح مكلفًا أكثر بكثير من أرباحه؛ ولذلك على دول الخليج أن تحمي نفسها بنفسها، والمراد هو دفع دول الخليج إلى حلفاء آخرين؛ وبالتالي زيادة الإنفاق العسكري غير المجدي. فحتى الاتفاقيات الإبراهيمية التي تدعمها أمريكا لم تجعل أمريكا تسارع لحماية حتى الدول الموقعة عليها، أو الدول التي وقعت اتفاقيات أمريكية على حمايتها، والمحصلة المفهومة من هذا المسار إفساح المسرح لقوى إقليمية صاعدة تأتي إسرائيل في مقدمتها.

المريب كذلك أن ارتفاع أسعار الطاقة الذي حدث بسبب الحرب، وما وصف بأنه أكبر صدمة منذ السبعينيات يبدو أنه يتوافق صراحة مع استراتيجية الأمن القومي الأمريكي التي تؤكد بشكل واضح أن من أهدافها توفير طاقة رخيصة وآمنة للشركات الأمريكية، ورفع أسعار الطاقة على المنافسين.

وهذه الحرب خدمت هذا الهدف بشكل مباشر لا مزيد عليه، حتى لو نتج عن ذلك خسارة دول مثل شرق آسيا وأوروبا، ولعل الصين كانت هي الهدف الرئيسي الجانبي الذي كان مقصودًا من دخول أمريكا في هذه الحرب.

ما يهمنا الآن هو أن دول الخليج تجد نفسها بعد هذه الحرب في وضع جديد، وهذا الوضع الجديد يقوم على استخلاص دروس الحرب بشكل مفصل؛ لأن هذه كما يبدو لن تكون الأزمة الأخيرة، خاصة مع شهية إسرائيل المفتوحة للحروب، ومع سعيها كما أشار محللون كثر إلى إضعاف دول الخليج، وتفكيك علاقاتها البينية، وتحويل المنطقة إلى بيئة اقتصادية غير محبذة إن لم تكن طاردة للاستثمار، وهو المنهج المفهوم ضمنًا من المسار الإسرائيلي المندلع، والذي يحرص على إبقاء المواجهة مفتوحة ومستمرة، حتى حين تتوقف الضربات.

لعل درس الحرب الأهم هو قوة الاقتصاد وأثره على الأمن القومي، وهو المسار الذي يبدو أن دول العالم بأسرها ذاهبة إليه بشكل أو بآخر؛ ولذلك على دول الخليج تفعيل أهميتها وأدوارها الاقتصادية خاصة فيما يتعلق بإدارة الطاقة، وذلك بنماذج أفضل من النماذج الحالية المعمول بها.

وكما أشار الاقتصادي اللبناني كمال حمدان؛ فإن النموذج العربي الاقتصادي الحالي نموذج فاشل بسبب عجزه عن تشغيل اليد العاملة العربية فضلًا عن المحلية في نفس الوقت الذي يلتزم فيه بأعلى سقف عالمي لإنتاج الطاقة.

إن الطاقة هي عصب الاقتصاد، وهي مؤثرة في العالم بأسره، وهي المفتاح لتحالفات واتحادات اقتصادية خليجية أكثر صلابة ومتانة وقوة مما هي الآن، ويجب استخدامها بحيث لا تسمح بتكرار ما حدث في هذه الحرب حين وجدت دول الخليج نفسها محشورة في الزاوية الضيقة ومنعدمة الخيارات، ومضطرة لاتخاذ وضعية الدفاع في الوقت الذي كانت فيه تتعرض للاستنزاف والخسائر، وتوقف الحركة والإنتاج طوال مدة الحرب.

الخليج بحاجة إلى جبهة داخلية أصلب وأكثر قوة، وإلى إيمان أكبر بقدراته الذاتية، وبإنسانه ومستقبله، وبأن لديه إبداعه الخاص الذي بمقدوره أن يتجاوز كافة العقبات المحيطة دون أن يرهن بلاده ومصيره ومستقبله لحسابات وأجندات خارجية أيًا كانت، وكل ذلك دون أن يخسر مبادئه ونبالته وأخلاقه وانفتاحه على الإنسان والإنسانية.

إن النموذج الذي تريد الولايات الأمريكية في عهد ترامب طرحه على دولنا، ودول العالم كذلك بما فيها أوروبا، هو نموذج متخلف أناني ضيق النظرة جشع ووقح، ويجب علينا الخروج من تأثيره، أو أن تصبح أفعالنا أمامه مجرد ردة فعل.

العالم أوسع وأكبر بمراحل كثيرة من النظرة التي ينظر بها التطرف اليميني أو اليساري، ويمكن دومًا سلوك طريق الأخلاق المشرف بدل طريق الأطماع المجلل بالخزي والعار.

إبراهيم سعيد شاعر وكاتب عُماني