تكاملية منظومة الطيران والسياحة

18 أبريل 2026
18 أبريل 2026

في سياق الأزمة الراهنة في المنطقة (تداعيات حرب إيران 2026) تشير التوقعات إلى أن القطاع السياحي في المنطقة سيتأثر بتداعيات الأزمة على المدى المنظور (1 - 3 سنوات) في أفضل السيناريوهات؛ ليس فقط نتيجة حركة القادمين والمغادرين إلى المنطقة، بل لتعقيد القطاع، وتشابك سلاسل القيمة المكونة لها، وحجم الاعتماد الكبير بين أجزائه؛ فهو يعتمد بشكل أساس على حالة قطاع الطيران، والطيران يرتبط بعدد كبير من المدخلات التي تأثرت بالأزمة، منها وقود الطائرات، ومدخلات قطاع الضيافة.

كما يعتمد قطاع السياحة على حالة الطلب المهني والعملي على وجهات بعينها (Business travel) قد تتأثر نتيجة تعطل الأعمال في مناطق مختلفة من العالم - وليس المنطقة وحدها - هذا عوضًا عن قطاع الفعاليات والأحداث الكبرى التي أعلن عن تأجيل بعضها وإلغاء الآخر في المنطقة، ولا يزال جزء منها قيد المراجعة.

إذن، أيًا كانت سيناريوهات ومسارات الأزمة فإن القطاع أصبح ضمن دائرة التأثير (الهيكلي) لتداعيات الأزمة.

بحسب (Euronews) قدّر المجلس العالمي للسفر والسياحة أن الكلفة على قطاع السياحة في الشرق الأوسط نتيجة الحرب تصل إلى نحو 515 مليون يورو يوميًا - أخذًا في الاعتبار توقعات المجلس التي كانت ترجّح إنفاق الزوار الدوليين نحو 178 مليار يورو في المنطقة خلال 2026 -. كما تشير توقعات مؤسسات أخرى إلى أن الأثر الأكبر سيكون على جملة الاستثمارات الضخمة التي ضختها دول المنطقة - وخاصة دول الخليج - لتنشيط القطاع السياحي مع تقديرات أن التعافي الكلي سيكتمل بحلول نهاية 2027 في أفضل الأحوال.

في السياق المحلي فإن الخبر الجيد هو ما أعلن عنه في اللقاء الإعلامي السنوي لقطاع الطيران 2026، والذي أعلن فيه عن حالة القطاع بمختلف مؤسسات تشغيله بما فيها شركات الطيران ومطارات عُمان، حيث عكس المؤتمر قصة (تحول وطني) رائدة انطلقت من مراجعة شاملة للمنظومة بأكملها؛ للوصول للاستدامة المالية من ناحية، وكفاءة التشغيل.

وربما كان أهم ما لمسناه في مرتكزات هذه القصة أنها أعادت تموضع القطاع وفقًا للميزة النسبية والتنافسية الحقيقية لسلطنة عُمان، وهو أمر يُحسب للقيمين على إدارة الملف بمختلف أركانه.

هناك الكثير من الأرقام التي أُعلنت، منها تحقيق أرباحٍ (قبل الفوائد والضرائب والإهلاك) بلغت حوالي 3.2 مليون ريال عُماني عن عام 2025 بالنسبة للطيران العُماني، ومنها تسجيل مطارات عُمان نموا في حركة المسافرين ليصل إلى نحو 15.2 مليون مسافر عوضًا عن زيادة حركة الشحن الجوي بنسبة 4% عن العام السابق. ومن الأرقام اللافتة كذلك تحقيق طيران السلام معدلات التزام بالمواعيد بلغت 83%، وهو مؤشر مهم بالنسبة للمنظومة، ويقاس على ضوئه الكثير من أبعاد جدارة العمل التشغيلي في أنموذج الطيران.

ويبقى أن الأهم، ربما في سياق ربط هذه الأرقام وقصة التحول بسياق ما يحدث في المنطقة، هو التركيز على الوجهات المحلية من خلال التسعير المحكم لخط مسقط - صلالة أثناء موسم الخريف وخارجه، والخطط الموجهة لتفعيل بعض المطارات الداخلية التي تخدم مقاصد سياحية واجتماعية بالدرجة الأولى، بحيث تشمل مطارات الجبل الأخضر وجزيرة مصيرة وصحار.

وفي سياق التوقعات المرتبطة بالقطاع السياحي فمن الواضح أن دول المنطقة ستسعى بشكل حثيث لتفعيل والاستفادة من مقدرات السياحة المحلية لديها نظير عدم اليقين إزاء الطلب الإقليمي والعالمي، وهو ما يشكل فرصة محلية لسلطنة عُمان، ولكن هذه الفرصة محكومة بعدد من الشروط لتحقيقها - حسب تقديرنا -، منها تسريع التكامل بين مشغلي قطاع الطيران، ومشغلي قطاع السياحة من خلال تسريع تفعيل المطارات المحلية، وإتاحة أشكال مختلفة من باقات السفر إليها.

الشرط الآخر هو شرط اجتماعي بالضرورة من خلال المراجعة الحساسة للتسعير، ليس فقط في تذاكر الطيران، بل في أسعار الخدمات السياحية كالفندقة وغيرها، مع مراعاة الفئة متوسطة الدخل وحدود المساحة المالية المتاحة ضمن هيكل نفقاتها للسفر والسياحة.

الشرط الآخر بالغ الأهمية، هو تكاملية الموسم السياحي؛ حيث لا تزال مواسمنا السياحية (مجزأة) وغير متكاملة، ولا تخضع لتسلسل وتدفق واضح كخيارات سواء كان للسائح المحلي، أو للسائح الأجنبي. وأقصد أن تكون هناك روزنامة موسم سواء للوجهات التي تقوم على الميزة الطبيعية (خريف ظفار، مواسم الجبل الأخضر المختلفة...)، أو الوجهات التي تقوم على الميزة الترفيهية (شتاء مسندم، كرنفال بدية، مهرجان صحار...)، أو الوجهات والفعاليات المركزية مثل (مواسم دار الأوبرا السلطانية، مهرجان المسرح، معارض الكتاب..)؛ بحيث يتمكن المواطن أو المقيم أو الزائر من أن يعرف في الوقت نفسه الوجهات التي يستطيع أن يذهب لها أو التي يخطط لها.

وجود هذه المنظومة ـ في تقديرنا ـ سيساعد منظومة الطيران في تصميم خيارات الباقات السياحية؛ بحيث لا تكون فقط قائمة على أماكن الضيافة والتجارب المعروفة، بل تتوسع لمواسم أو تجارب سياحية متكاملة أو والسياحة القائمة على أنماط العيش Experience lifestyle tourism.

ومن الجوانب المهمة كذلك تفعيل وحوكمة مفهوم (اقتصاد الوظائف الموسمية The economy of seasonal jobs)؛ حيث يستفيد الكثير من الباحثين عن عمل من المواسم السياحية والفعاليات المختلفة عبر فرص العمل والتدريب والتطوع المؤقتة التي تتيحها هذه الأنشطة.

غير أنه في مرحلة معينة قد تكون هذه التجارب مصانع خبرة وتطوير بالنسبة لقدرات هذه الفئة، ليس فقط في الجوانب التنظيمية البسيطة، بل في مجالات أكثر تعقيدًا مثل إدارة الحشود، وهندسة تجارب المستخدمين والزوار عوضًا عن التسويق وبناء الهويات البصرية، وتحليل بيانات التدفق السياحي وتعديل أنماطه، وغيرها.

ونعتقد أنه مع وجود إطار حوكمة لهذا النوع من الوظائف قد يفتح مجالًا موازيًا لاستفادة الباحثين عن عمل بطريقة منظمة، وبدخول تنافسية، وببناء خبرات واضحة المسار جنبًا إلى جنب مع نجاح تجربة استفادة المؤسسات الصغيرة والمشروعات المنزلية من مثل هذه المواسم والتجارب.

مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع والتحولات المجتمعية فـي سلطنة عمان