الخليج.. أوهام النصر وضرورات المراجعة

18 أبريل 2026
18 أبريل 2026

أول مهمة تواجه المجتمعات بعد نهاية المعارك والحروب تبدأ في المجال الفكري قبل المجال السياسي. تحتاج الدول إلى أن تقرر فورا نوع السردية التي سترويها لنفسها وللآخرين وللتاريخ عمّا جرى، وكيف جرى وما الذي انكشف فيها، وما الذي عليها أن تغيره بعد ذلك لتكون في مستوى النموذج الذي تريده.

تواجه بعض المجتمعات هذه اللحظة بحذر شديد وبانضباط كبير. تنظر فيما كشفته الحرب من مواطن القوة والضعف في مؤسساتها وفي أدائها السياسي والعسكري، وفي متانة الافتراضات التي وضعتها قبل الحرب وخلالها. والأهم من ذلك تنظر في وعي نخبها ومستوى خطابهم قبل الحرب وبعده. فيما تواجه مجتمعات أخرى، بفهم أو بدونه، اللحظة التالية للحرب بخطابات تخدر الوعي وتحول ما كشفته الحرب من هشاشة وانكشاف إلى لغة انتصار، ثم تسمي المشهد الجديد لحظة التعافي بعد الحرب.

يقدم التاريخ الكثير من النماذج والدروس في تعامل المجتمعات مع هذه اللحظات الخطيرة. أوروبا على سبيل المثال لم تصل إلى ما وصلت إليه بعد الحرب العالمية الثانية عبر خطاب احتفالي يمجد الذات الحضارية. واجهت أوروبا الخراب الذي خلّفته الحرب عبر مساءلة قاسية للنظام القديم الذي أفضى إلى الكارثة. وأعادت ألمانيا بناء شرعيتها عبر الذاكرة والقانون والمؤسسات التي جعلت تكرار المأساة أكثر صعوبة. وفي أقصى الشرق حولت اليابان الدمار الهائل الذي أعقب القنبلتين النوويتين إلى منظومة أخلاق وطنية للدفع بحركة البناء والانضباط من أجل بناء اقتصاد قادر على تجاوز اللحظة الكارثية. وفي الحالتين، بدأ الطريق إلى الأمام من الاعتراف ومواجهة الحقيقة. ولو لم تفعل التجربتان ذلك لحملتا مواطن الضعف والانكشاف معهما إلى المستقبل من دون مواجهة أو حوار مع الذات ومع اللحظة بكل تجلياتها.

أستعيد هذه الذاكرة وأنا أرى خطابا يتشكل بين النخب الخليجية يستعير لغة «النصر الخليجي» في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. كأن الخليج خرج ظافرا من حرب لم يخضها ولم يردها أساسا، وكأن إضعاف إيران يساوي نصرا خليجيا مباشرا. تبدو هذه الخلاصة أقرب إلى مسكِّن نفسي مؤقت، لكنها خلاصة سطحية من الناحية الاستراتيجية. فهي تخلط بين الضرر الذي سببته أمريكا وإسرائيل لإيران وبين القوة التي اكتسبها الخليج إن كان قد اكتسب شيئا من ذلك في ختام هذه الحرب. وهذان أمران مختلفان سياسيا، ويقودان إلى مستقبلين مختلفين.

لم يخض الخليج هذه الحرب بوصفه الفاعل العسكري فيها. لكنه تلقى تداعياتها الثقيلة على الأرض والسيادة والاقتصاد. وما زال يواجه آثار اضطراب مضيق هرمز على اقتصاده وأسواقه وبيئته الاستثمارية. هذا على مستوى لحظة الحرب، أما على المستوى المتوسط فقد ضاق هامش الأمان في البيئة الخليجية الاستراتيجية.

وكشفت الحرب التي لم يخضها الخليج إلى أي مدى يبقى ازدهاره معرضا لارتدادات صدمات تنشأ من قرارات تُتخذ في أماكن أخرى. كما أظهرت السرعة التي يمكن أن تتعطل بها الحياة التجارية الطبيعية تحت وطأة تصعيد عسكري لا تملك الدول التي تتحمل كلفته السيطرة عليه.

هذا ما حدث في الخليج خلال الأسابيع الماضية، وهذا ما كان ينبغي أن تفتحه النخب الخليجية على المساءلة والنقاش والمكاشفة إن كانت تبحث عن عبور آمن إلى المستقبل.

غير أن بعض الأصوات المحسوبة على النخب الخليجية فضّلت الحصاد الرمزي، وحاولت أن تحول خسائر إيران في معركة لم تنته بعد إلى سردية خليجية عن الانتصار والتبرير. وهذه الحركة، بما تنطوي عليه من خطأ وسطحية في التحليل، تدفع الخليج إلى كلفة أعمق من الكلف التي خسرها خلال الأسابيع الماضية. فهي تصرف الانتباه عن المراجعة الملحّة التي تفرضها هذه اللحظة. وهذا أمر في غاية الخطورة؛ فما زالت الأمة العربية تدفع ثمن غياب مساءلة حقيقية لهزيمة العرب في 1967.

إن أهم سؤال نحتاجه في الخليج بعد حرب كهذه يتعلق بالذات وما كشفته الحرب عن أوضاعها. كيف نفكر في الخليج؟ وكيف نقرأ محيطنا الاستراتيجي؟ وكيف نفهم مسارات تاريخ المنطقة؟ وما مآلاتها في ظل إصرار إسرائيلي على فرض نظام إقليمي جديد؟ وكيف نفهم الأمم والحضارات المجاورة لنا وتطلعاتها ورؤيتها لنا؟ ثم ماذا قالت هذه الحرب عن بنية الأمن في الخليج؟ وماذا كشفت عن الاعتماد الاستراتيجي، وعن هشاشة التجارة البحرية، وعن الجاهزية المدنية، وعن الاستعداد الفكري لدى النخب الخليجية وعن الفجوة بين الثروة والقدرة على الصمود؟ ولا تعني هذه المساءلة أن الخليج كان يعيش خلال العقود الماضية حالة وهم كبرى. لا يستقيم أن تقودنا المراجعة إلى استنتاج مبالغ فيه من هذا النوع، إذ يتعلق الأمر بحقيقة أن كلفة هذه الحرب أكبر من أن تترك للرواية الاحتفالية أو لحالة الإنكار الدفاعي.

رغم ذلك، ثمة جانب آخر في هذه اللحظة الخليجية يستحق التوقف عنده بتأمل وتفكير. ففي عدد من دول الخليج بدا الخطاب السياسي الرسمي أكثر انضباطا من بعض الخطابات الثقافية والفكرية. فالدولة، في أفضل تجلياتها خلال هذه الأزمة، تحدثت بلغة التهدئة، وحرية الملاحة، والأمن الإقليمي، ومنع الانهيار الأوسع، وحافظت إلى حد بعيد على مستوى عال من ضبط النفس، وتعاملت مع الحرب بوصفها تهديدا ينبغي احتواؤه. في مقابل هذا تفاعلت الكثير من النخب الثقافية والفكرية على نحو مختلف. فبعض النخب الخليجية لم تؤد وظيفتها بوصفها عقلا ناقدا للحظة، وتصرفت بدلا من ذلك كجهاز رمزي لتوزيع الرضا العام، وتعاملت مع الأزمة كما لو كانت مسرحا لإثبات الذات. وذهب البعض إلى أبعد من ذلك حينما جعل من الحرب أداة لإثبات شرعية الدولة نفسها.

أفهم أن تقوم الحكومات في لحظات الأزمات بمثل هذا الدور لبناء اللحمة الوطنية وحفظها من أن ينفرط عقدها. لكن دور النخب مختلف تماما؛ فمهمتها توسيع الفهم السياسي لا تضييقه. ووظيفتها التشخيص والمساءلة لا أن تركب موجة التعويض الانفعالي. ودورها صناعة الوعي وحمايته إلى أن يتحول إلى فعل تاريخي. لكن ما تقوم به بعض النخب هو نوع من خداع الذات الاستراتيجي. وحين تنحرف النخبة عن هذا الدور، فمن حقنا أن نسأل عمن يسائلها، ومن يفكك خطابها، ومن يرد النقاش إلى مستواه الجاد؟

إنها، في جانب منها، أزمة وعي. فالمنطقة الغنية تستطيع أن تقتني بنية تحتية متقدمة أسرع من قدرتها على بناء وضوح استراتيجي. يمكنها أن تنشئ موانئ، ومراكز مالية، وشركات طيران، وعلامات عالمية، فيما تظل أسئلتها الأعمق معلقة من دون حسم. ما الذي صُمم لأجله نموذج الأمن الخليجي لكي يحققه على وجه التحديد؟ وما مقدار الهشاشة الكامنة في نظام يعتمد على ضمانات عسكرية خارجية وعلى اختناقات بحرية مكشوفة؟ وكيف ينبغي قياس القدرة على الصمود في زمن تمتد فيه آثار الاضطراب إلى التمويل، والتأمين، والاتصالات، وسلاسل الإمداد، قبل أن تصل إلى مراكز المدن؟ هذه أسئلة صعبة، وتتطلب صدقا فكريا. أما سرديات النصر فتكمن جاذبيتها في أنها تدفن هذه الأسئلة.

والخطر على المدى المتوسط كبير وواضح. هذا الإحساس الزائف بالانتصار، الذي يحاول بعضهم تكريسه في الوعي الخليجي، سينتج قدرا كبيرا من التراخي. وهذا التراخي يضعف أي نية في المساءلة وأي رغبة في الإصلاح المؤسسي. كما يدفع النخب إلى الخلط بين الخطابات الشعبوية التي تدغدغ المشاعر وبين القدرة الاستراتيجية الحقيقية، ويترك المجتمعات غير مهيأة للأزمة التالية. وعندما تأتي الصدمة المقبلة، يمكن أن تتسع المسافة بين السردية والواقع أكثر فأكثر، وتضعف الثقة العامة تبعا لذلك. وهكذا نكون قد صنعنا وعيا جمعيا هشا وقابلا للتداعي السريع.

يحتاج الخليج إلى لغة صارمة لمرحلة ما بعد الحرب. لغة تسائل الدور الحقيقي للنخب، وحالة الانكشاف التي مر بها الخليج، ومدى قدرته على الصمود، ومسارات التصحيح في الطريق نحو المستقبل.

يحتاج الخليج إلى طبقات فكرية قادرة على مقاومة إغراء وسائل التواصل الاجتماعي والانصراف إلى بناء خطاب عميق يبني ولا يهدم، يكشف ولا يهادن. المطلوب هو النضج الاستراتيجي عبر قراءة صارمة للذات.

ويقف الخليج الآن أمام اختبار سياسي وفكري في آن واحد: إما أن يحوّل هذه الحرب إلى مادة للطمأنة الخطابية، وإما أن يعاملها بوصفها لحظة كشف كبرى تستدعي مراجعة تليق بحجم ما انكشف. الطريق الأول يريح الوعي. الطريق الثاني يحمي المستقبل.

عاصم الشيدي كاتب ورئيس تحرير جريدة «عمان»