الحـرب وخـدعـة الـتفـاوض
25 مارس 2026
25 مارس 2026
مـا كـان أغْـنـى الـبـلادَ العـربـية- الإسلامـية عـن هـذه الحـروب المـجـنـونـة الجـائـرة الـتي شـنّـتـهـا الولايـات المـتحـدة الأمـريـكـية و«إسـرائـيل» عـلى إيـران، ولا كـان أَغـنـاهـا عـن الـضّـربـات العـسـكـرية الإيـرانـية المـوجـهـة إلـى دول الجـوار العـربـيّـة (بـلـدان الـخـلـيـج العـربـي والعـراق والأردن) ولا كـان أَغْـنـى الـعـالـمَ عـنـهـا لـو لـم تـنـقـضّ إدارة تـرامب وحـكـومـة نـتـنـيـاهـو عـلى الـمـفـاوضـات الـتي رعـتْـهـا سـلطـنـة عـمـان بـيـن طـهـران وواشـنـطـن لـحـل الخـلاف حـول بـرنـامـج إيـران الـنووي.
عـبـثـية هـي هـذه الحـرب ومـجـانـيـة خـسـائـرهـا الـبـشـريّـة والاقـتـصـادية الـتي مـا اقـتـصـرت عـلى طـرفـيـهـا (الأمـريـكـي- الإسـرائيـلـي والإيـرانـي) فـحـسـب، بـل طـالـت بـلـدان الجـوار الـعـربـيـة - أيـضـًا - ولـم يـكـد أن يَـسْـلـم مـن آثـارهـا الـمـدمِّـرة بـلـد فـي الـعـالـم بـعـد أن أنـزلـت بـالطّـاقـة وسـلاسـل الإمـداد ضـربـات مـوجـعـة اهـتـز بـهـا الاسـتـقـرار الاقـتـصـادي- الاجـتـمـاعـي الـعـالـمـي.
والأشـد عـبـثـيـةً فـيـهـا أن نـيـرانَـهـا أضـرمـت عـلى الـرغـم مـن عـدم الحـاجـة إلـيـهـا فـي وجـود حـال مـن الـتّـفـاوض السّـيـاسـي عـلى الـمـسـائـل الـمـتـنـازَع عـلـيـهـا بـيـن طـرفـي الصـراع، وفـي سـيـاق نـضـوج حـالـة مـن الاسـتـعـداد - الـنّـفـسـي عـلى الأقـل - للـتـفـاهم عـلى الصـعـب فـي تـلك الـمسـائـل درءًا لـمـخـاطـر مـواجـهـة عـسـكـريـة لا مـصـلـحـة لأحـد فـي العـالـم فـيهـا مـا خـلا دولـة الاحـتـلال: هـي الـتي سـعـت إلـيـهـا ونـجـحـت فـي إقـنـاع دونـالـد تـرامب بالإقـدام عـليـهـا!
كـان كـلّ شـيءٍ يـدعـو إلـى الـتّـفـاؤل لـيـلـة الـعـدوان الـثنـائـي عـلى إيـران؛ أعـنـي حيـن خـرج معالي السيد بدربن حمد البوسعيدي وزيـر خـارجـيّـة سـلـطـنـة عـمـان، مـن اجـتـمـاعـه مـع جـي دي ڤانـس، نـائـب الـرّئـيـس الأمـريـكـيّ، مـبـديـًا تـفـاؤلَـه بـمـا سـتـسـفـر عـنـه المـفـاوضـات مـن جـزيـل العـوائـد حـتّى أنّـه كـتـب، عـبـر حسـابـه الـرّسـمـيّ عـلى مـنـصّـة «إكـس»، إنّ «السّـلام فـي مـتـنـاول أيـديـنـا». كـان كـلّ شـيء فـي حـصـيـلـة الجـولـة الـثّـالـثـة مـن المـفـاوضـات فـي جـنـيـڤ يـوحـي بـأنّ الـنّـزاع عـلى الـنّـووي اخـتـار مـيـدانـه الأنـسـب: الـتـفـاوض، وقـلَّـص - إلـى حـدّ - نـطـاق احـتـمـال اللّـجـوء إلـى أسـلـوب الحـسـم الـعـسـكري.
لـم يـكـن وزيـر خـارجـيّـة سلطنة عُـمـان وحـده الـمـتـفـائـل بـمـا جـرى وتحـقّـق؛ حـتّى عـبـاس عـراقجـي، وزيـر خـارجـيـة إيـران، مـا تَـردد فـي أن يُـفـرِد جـولـة الـتّـفـاوض الـثّـالـثـة تـلك بـالـحـكـم بـأنّـهـا كـانـت «الأكـثـر كـثـافـة» فـي كـلّ جـولات الحـوار بـيـن طـهـران وواشـنـطـن فـي المـوضـوع الـنّـووي، ولا فـي أن يـؤكّـد بـأنّـهـا خـلـصـت إلـى تـفـاهـم عـلى الـقـضـايـا الأسـاس الـتي سـيـجـري البـحـث فـيـهـا، بـمـا فـي ذلـك البـحـث فـي رفـع العـقـوبـات المـفـروضـة عـلى إيـران.
كـلّ شـيء كـان يـبـدو - فـي الظّـاهـر عـلى الأقـلّ - مـؤْذِنـًا بـانـفـراج الأزمـة الـنّـوويّـة الـمـستــفـحـلـة قـبـل أن يـبـدّد الـعـدوان الـثنـائـي، فـي الـثامـن والعـشـريـن مـن فـبـرايـر، أيَّ أمـلٍ فـي ذلـك. سـيـنـاريـو الانـقـضـاض الـعـسـكـريّ عـلى طـاولـة المـفـاوضـات الـنّـووية هـذا هـو عـيـنُـه الـذي حـصـل فـي الـعـام المـاضـي فـأجـهـض مـا كـان فـي حـكـم الـمـأمـول المـعـوَّلِ عـلـيـه. قـطـع الـتّـفـاوض الأمـريـكـيّ الإيـرانـيّ، فـي الـعـام 2025، شـوطـًا طـويـلًا خـيِّـل إلـى الأكـثـر أنّـه آيـل بـالمـتـفـاوضـيـن إلـى اتّـفـاق سـيـاسـي يـدرأ الحـرب.
الوسـيـطُ فـيـه هـو عـيـنُـه الوسـيـط العـمـانـي بـحمـاسـتـه وبـالأداء الصـادق لدوره؛ والعـقـدة هـي نـفـسـهـا: مـسـتـوى الـتّـخـصـيـب، ومـخـزون الـيـورانيـوم عالـي الـتّـخـصـيـب، وإطـلاق أيـدي مـفـتّـشـي وكـالـة الـطّـاقـة الـذّرية فـي المـراقـبـة الـكـاملـة للبـرنـامـج الـنّـووي ومـفـاعـلاتـه.
بـعـد جـوْلات خـمـس لـم تَـخْـل وقـائـعـهـا مـن إشـارات وبـشـائـر تـحـمـل عـلى الأمـل، سـيـتـوقّـف كـل شـيء مـا إنْ يـأذن تـرامب لـ «إسـرائـيـل» بـتـوجـيـه ضـربـات عـسكـريّـة للـعـمـق الإيـرانـي وللـمـراكـز الـعـسـكـريـة والصّـنـاعـية فـي البـلاد، فـضـلًا عـن اغـتـيـال عـشـرات الـعـلـمـاء والقـادة العـسـكـرييـن الإيـرانـييـن.
أمـا مـا لـم يـسـتـطـع أن يَـبْـلـغـه جـيـش نـتـنـيـاهـو مـن أهـداف، فـقـد تـكـفّـل بـه الجـيـش الأمـريـكـي بـعـد إذْ أمَـرَه تـرامب بـتـدمـيـر المـنـشـآت الـنّـوويّـة.
هـكـذا قـضـى تـفـاوُض الجـوْلات الخـمـسِ تـلك، فـي جـمـلـة مـا قـد قـضـى، تـحـت حـطـام عـمـلـيـات الـتّـدمـيـر الـتي بـدأتـهـا دولـةُ الاحـتـلال وأتـتْ إدارةُ تـرامـب تُـكْـمِـل البـقـية.
وكـمـا كـانـتِ المـفـاوضـات الـنّـووية، فـي ربـيـع الـعـام 2025، غـطـاءً خـادعـًا يـخـفـي الـنيـة فـي حـرب إيـران وتـدمـيـر بـرنـامـجـهـا الـنّـووي أو بـالأحـرى، مـا حـقـقـتـه مـنـه حـتى ذلـك الـحيـن، كـذلك افـتـعـلـت إدارة تـرامـب الـرّغـبـة فـي مـفـاوضـة إيـران عـلى بـرنـامـجـهـا الـنّـووي ثـانـيـةً فـيـمـا هـي كـانـت تـرتـب، فـي خـفـاء، خـلافَ ذلـك مـع وكـيـلـهـا الإقـلـيـمـي: العـدوان المـفـاجـئ.
والأغـرب فـي كـل الخـدعـة الأمـريـكـيـة الـمـفضـوحـة أنّ مـهـنـدسـيـهـا السيـاسـيـيـن فـي البـيـت الأبـيـض لـم يـكـلّـفـوا أنـفـسَـهـم عـنـاءَ إحـسـان حـبـكـتـهـا عـلى الـنحـو الـذي تـنـطـلـي بـه عـلى بـعـض الـعـالـم؛ فـفـيـمـا ظـلّ تـرامب يـتـبـاهـى، لأشـهُـر مـمـتـدة، بـأنـه فـعـل مـا لـم يـفـعـلـه رئـيـس أمـريـكـي قـبـلـه فـ «دَمّـر» البـرنـامـج الـنّـووي الإيـرانـي تـدمـيـرًا كـامـلًا، إذْ بـالـحـرب الجـديـدة عـلى إيـران تُـعَـلِّـل نـفـسـهـا - فـي خـطـابـات تـرامب ونـائـبـه ووزيـري حـربـه وخـارجـيتـه - بـكـونـهـا تَـتَـغـيّـا تـدمـيـر الـبـرنـامـج الـنّـووي! بـل نـسـي تـرامب نـفـسـه وكـلامـه، فـي يـونـيـو المـاضـي، فـزعـم أنّ إيـران كـانـت عـلى مـقـربـة أسـبـوعـيـن فـقـط مـن صـنـع قـنـبـلـة نـووية لـو لـم يـأمـر هـو قـواتـه الـمـسـلحة بـشـن الحـرب عـلـيـهـا بـالـتعـاون مـع «إسـرائـيـل»! فـي كـل الأحـوال، مـا أخـطـأ مـن قـال: إنّ حـبـل الـكـذب قـصـيـر.
مـا يـنـبـغـي أن لا يـفـوتـنـا فـي هـذه الـنّـازلـة أنّ أمـريـكـا لا تـوفّـر فـي عـدوانـهـا حـتّى الـوسـطـاء الـذيـن تـلـجـأ إلـيـهـم طـلـبـًا للـوسـاطـة.
بالأمـس تـركـت قـطـر تـتـعـرّض للـعـدوان مـن دولـة الاحـتـلال مـن غـيـر أن تـحـمـيـهـا - أو حـتّى أن تـنـبّـهـهـا - ضـاربـةً بـعـرض الـحـائـط كـلّ الـخـدمـات الـتـي أسـدتْـهـا لأمـريـكـا وهـي تـقـوم بـدور الـوسـيـط بـيـن الاحـتـلال والـمـقـاومـة فـي غـزّة. وهـا هـي، الـيـوم، تـقـابِـل الـوسـاطـة الـعُـمـانـيّـة بـالـمـخـاتـلـة والـخـداع مـرّتـيـن غـيـرَ آبـهـة بـالـجـهـد السّـيـاسـي الـذي أنـفـقـتْـه مـسـقـط مـن أجـل اسـتـيـلاد حـل سـيـاسـي للأزمـة يـجـنّـب الـمـنـطـقـةَ والـعـالـم ويـلات الـحـرب!.
