إيران والولايات المتحدة في مفاوضات مسقط

09 فبراير 2026
09 فبراير 2026

ترجمة: أحمد بن عبدالله الكلباني

مما لا شك فيه أن السفير الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف قد تحدث مع الرئيس دونالد ترامب فيما يتعلق بالمفاوضات مع الجانب الإيراني في سلطنة عمان. والحقيقة أنه لا توجد لدي أحاديث مسربة مما دار بين السفير الخاص والرئيس الأمريكي، إلا أنني أجزم أن من أهم ما دار بينهما أن ويتكوف نقل إلى الرئيس ترامب أن المحادثات الأمريكية الإيرانية سارت على ما يرام، وأنها تنبئ عن نتائج إيجابية وسيتبعها اجتماع آخر بين الطرفين.

إذا كان دونالد ترامب يهدف من خلال هذه المحادثات إلى المماطلة وإطالة مدة المفاوضات مع إيران، ولا يهدف إلى تحقيق اتفاقات مباشرة، والخروج دون أية نتيجة، فعلى ممثله في تلك المفاوضات ستيف ويتكوف أن يعود إلى بلاده، ما لم يتمكن من عقد مفاوضات رفيعة المستوى وذات نتائج إيجابية، إلا أن «ستيف» معروف عنه أنه رجل لا يستسلم بسهولة.

تتجلى تناقضات دونالد ترامب في تصريحاته الأخيرة الحادة، التي وصف فيها موقفه بأنه ينوي سحق إيران، إلا أنه في الواقع يريد السلام بدلا من خوض الحروب، وهو يحب أن يكون «رئيسا للسلام»، لذلك في اعتقادي أن مجرد أن تسمى هذه المفاوضات بـ «اتفاقية سلام» فهذه تعد كافية بالنسبة له وتُحسب لجهوده.

إذا ما كان للملاكم العالمي محمد علي كلاي، رأي في المفاوضات الأمريكية الإيرانية، فإنني على يقين بأنه سيصفها بـ «الاستدراج»، وهو أسلوب يعرفه كلاي جيدا، إذ يعتمد هذه الأسلوب على أن يبقى الملاكم في مكانه، بينما يوجه خصمه كما كبيرا من اللكمات، ويغطي الأول وجهه بيديه كما يغطي صدره، وما أن يتعب الخصم من تسديد اللكمات حتى ينقض عليه الأول بلكمة قاضية فيُسقطه أرضا.

من الواضح أن استراتيجية إيران في المفاوضات هي «الخداع والمراوغة»، إذ لا تقبل الأطراف الإيرانية إلا أن تكون ذات نوايا «سلمية»، وتحافظ على هذا الموقف لأسابيع من المفاوضات أو «المساومة»، ومن بعدها تقدم إلى الولايات المتحدة طلب العودة إلى ديارها، ولهذا السبب وصف وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي المفاوضات بأنها «بداية جيدة».

وكان الأمر كذلك فعلا؛ ففي البداية أوضحت الأطراف الإيرانية بأنها لن تناقش أي موضوع سوى موضوع الملف النووي، وبذلك لن تشمل المفاوضات الحديث عن الصواريخ، أو الحديث عن الشؤون الداخلية لإيران، بما فيها المظاهرات.

كما أبلغت الأطراف الإيرانية بأنها لن تناقش حقها في تخصيب اليورانيوم، أو الحديث عن نقل اليورانيوم المخصب بالفعل إلى خارج إيران؛ وهنا لا بد من الإشارة إلى أن الرئيس الروسي «فلاديمير بوتين» قد أبدى استعداده لاستقبال اليورانيوم المخصب من إيران، وكان قد أبلغ غراقجي بذلك في حالة أبرمت موسكو أي اتفاق مع طهران، على أن يبقى حق امتلاك اليورانيوم المخصب لإيران.

وعلى ذلك يبرز سؤال مهم، ما الذي يمكن مناقشته في الملف النووي الإيراني إذن؟! من الممكن أن تكون المفاوضات محاولة إحياء لنسخة مخففة من خطة العمل الشاملة المشتركة التي انطلقت في عام 2015، حيث هدفت تلك الخطة التي أدارها «أوباما» ودول 5 + 1 في محاولة لمنع إيران من تطوير سلاح نووي، وقد وافقت إيران حينها على الحد من تخصيب اليورانيوم مع السماح للمراقبة الدولية عليها، وفي المقابل أن تخفف أمريكا والدول المساندة لها من العقوبات، وقد كان ذلك مدعوما بمجموعة 5 + 1 وهي الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي «P5» الولايات المتحدة الأمريكية و الصين وروسيا وفرنسا والممكلة المتحدة، بالإضافة إلى ألمانيا التي تمثل «1+».

وتشير الوقائع بشكل لا لبس فيه إلى أن إيران واصلت عمليات تخصيب اليورانيوم خلال الفترات الماضية، كما وضعت بعض المواقع الحساسة المرتبطة بالتخصيب وتطوير القدرات النووية خارج نطاق تفتيش المراقبين الدوليين. بل إن مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية وجدوا أنفسهم في كثير من الأحيان أمام قيود وتعقيدات حدّت من قدرتهم على الوصول الكامل إلى تلك المواقع، في حين بقيت المنشآت العسكرية وكل ما يرتبط ببرامج الصواريخ خارج دائرة التفتيش بشكل شبه تام.

وإذا ما قررت إيران طرح أي مقترحات خلال هذه المفاوضات، فمن المرجح أن يكون في إطار اتفاق شبيه بخطة العمل الشاملة المشتركة، ولكن بصيغة أكثر هشاشة، بحيث لا يتناول بشكل واضح مسألة تخصيب اليورانيوم أو حجم المخزون منه، وهو ما قد يجعل أي اتفاق محتمل فاقدا لقيمته العملية.

وقد تذهب إيران، ضمن هذا السياق، إلى التأكيد بأنها لا تعتزم امتلاك سلاح نووي أو استخدامه أولا، وهو خطاب يقترب في منطقه مما تردده إسرائيل حول عدم امتلاكها سلاحا نوويا، أو أنها لن تكون الطرف البادئ باستخدام سلاح لا تعترف أصلا بامتلاكه.

غير أن مثل هذه الطروحات، إن حدثت، قد لا تظهر إلا بعد مرور أسابيع من المفاوضات، أي بعد أن تكون القوات البحرية الأمريكية التي بقيت في حالة ترقب لفترة طويلة قد اضطرت إلى الانسحاب والعودة، وهو ما يعيد إلى الأذهان مجددا أسلوب «الاستدراج» أو إطالة أمد المواجهة دون حسم.

غير أن المأساة الحقيقية لا تكمن فقط في احتمال الفشل في الحد من البرنامج النووي الإيراني، بل في قبول الولايات المتحدة أصلا الدخول في هذه المحادثات وفق الشروط الإيرانية المسبقة، الأمر الذي أدى إلى استبعاد قضايا أساسية من النقاش، وفي مقدمتها أوضاع الشعب الإيراني نفسه، وهو ما يُعد خطأ استراتيجيا كبيرا.

ويُنظر إلى ذلك على أنه يتجاوز حتى التصريحات السابقة لإدارة «دونالد ترامب» التي أكدت أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى تغيير النظام في إيران، وهو موقف اعتبره البعض مكسبا سياسيا مجانيا للقيادة الإيرانية، في وقت يرى فيه مراقبون أن ثمة أساليب أكثر فاعلية للتعامل مع طهران من المسار الذي أفضت إليه المفاوضات الجارية في سلطنة عُمان.

ستيفن براين نائب سابق لوكيل وزارة الدفاع الأمريكية ومراسل «آسيا تايمز»

نقلا عن آسيا تايمز