يوميات سورية 39
ـ 1 ـ
في مقابلة تلفزيونية اتفقنا أنا ومقدمة البرنامج على اتجاهات الأسئلة. وكنت أعلم حجم الحرية المتاح وهو فقير بتجاهله الجوهري والأساسي. فطلبت أن تسألني في نهاية المقابلة: ما هي الأبيات الشعرية التي ترددها أحياناً، وذلك كي لا أخرج صفر اللسانين، وهكذا... حين انتهت المقابلة، سألتني فقلت: أحب هذين البيتين:
رأيت في النوم دنيانا مزخرفة
مثل العروس تبدّت في المقاصير
قلت: جودي. فقالت على عجل
إذا تفلّت من أيدي الخنازير
ـ 2 ـ
لطالما آمنت بأن الأدب إما أن يكون ممتعاً أو مملاً.
الوسط بينهما متروك لالتباس البيئة والأشخاص.
الأدب الممتع في الكتب: تمسك كتاباً يمسك بك، أو تتركه من السطور الأولى، أو الصفحات الأولى. أو تمرينا لطولة البال في لعل وعسى.
يعرب العيسى، الصحفي ، والثقافي في الصحافة، فاجأنا برواية أولى من 423 صفحة "المئذنة البيضاء". وهي فعلاً من فئة الكتاب الذي يمسك بك. ثم يقدم لك جولة أفق، أمكنة وأزمنة، في أعماق الأفراد والطبقات، والقوى البشرية، وهي تحاول وضع الآخرين في المأزق، ويحاولون هم التخلص من مآزقهم.
رواية "المئذنة البيضاء" مكتوبة بلغة الفضيحة، ولكن برحمة الكاتب الذكي الذي لا يتركك وأنت في حيرة مما تقرأ. أظن أن المئذنة البيضاء مليئة، بصورة مضمرة، بروح التحدي في الكتابة الروائية، وأظنها واحدة من أفضل ما كتب من روايات في الثلاثين سنة الأخيرة.
لقد لفت نظري ثلاث مواصفات للغة الروائية: اللغة البسيطة حيناً حتى كأنها تدريب على السرد. واللغة المشحونة بدلالات الواقع، ولغة الكهنوت الدنيوية، حيث نثرت اللغة براعتها في وصف المصائر المشغولة بخيط من علم النفس وشاعرية آتية من لذعة الواقع.
يعرب العيسى... في حفل توقيع كتابه أظهر هذه المهارة الدافئة في توزيع اهتمامه بكل شخص. ولقد كان الحفل الأهم في توقيع كتاب منذ سنوات، وقد حضر الحفل 3 أجيال من الفتيان والفتيات إلى الكهول وما بينهما.
ـ 3 ـ
حين كنا نقف على سطح السفينة في البوسفور نطعم النوارس خبزاً يلتقطونه من بين أصابعنا...
كنا نتعرف على السلام في الأجنحة الأليفة، في الفضاء الرحيب.
عندما ينتهي الخبز...
كنا نلوح بأصابعنا الفارغة.
أحد النوارس حط على يدي
واقترب من وجهي.
ثم صفق بجناحيه وطار عالياً بعيداً
رأيت في منقاره تلك التلويحة المخطوفة من أصابعي
حيث كنت أوجه يدي إليكِ...
إليكِ خلف البحار، وفي غموض الأمكنة
النوارس
ثمة خاطفة لتلويحات الغرباء.
ـ 4 ـ
جرس على الباب
مطرقة أيضاً.
ونافذة صغرى في منتصف الباب
وعين ساحرة، ونضوة حصان، وخرز أزرق، وغبار، ومقبض حديدي، وصدأ على جميع المسامير وزخرفات الحديد.
أنا أعرف أن "لا أحد" هناك وراء الباب...
ولكنني ما زلت أطرق، كل يوم، هذا الباب.
ـ 5 ـ
من دفتر قديم:
1 ـ الطيور لا تغني إلا للغناء نفسه، ولكنها، حين تغني، تعبر عن حياتها كلها ووجودها بأسره.
2 ـ طفلة 7 سنوات تعرّف الحب: الحب هو عندما ترى أمي أبي غارقاً في عرقه ورائحته منتنة، وتقول له، إنه أكثر وسامة من روبيرت فورد.
