العالم على صفيح ساخن
28 يناير 2026
28 يناير 2026
يبدو أن الولايات المتحدة لا تجيد لغة الحوار، بل هي تعتاش على الحروب، وتتغذى على جثث البشر، فالسياسة لعبة لا يجيدها إلا الدول المنضبطة أخلاقيا، بينما تميل الدول الكبرى إلى لغة العنف لإنهاء الصراعات، فها هي البوارج الأمريكية تقترب من الخليج، تستعد لموجة جديدة من التصعيد العسكري، تقف على أهبة الاستعداد لضرب إيران، وإثارة زوبعة من الفزع لدى جيرانها، من أجل شراء المزيد من السلاح الأمريكي، وتمويل العجز في ميزانيتها، والإسهام بأكبر قدر من المال لإنقاذ اقتصادها المهزوز، والذي ينهار يوما بعد يوم.
إن الولايات المتحدة تقوم بهذا العمل الحربي ليس لحماية المصالح الأمريكية، بل لحماية حليفتها (إسرائيل)، وضمان أمنها، والقضاء على أي تهديد قد تشكله أي دولة، أو حزب عليها، وللأسف فإن بعض الدول العربية تنحاز للرواية الأمريكية ـ الإسرائيلية فهي ترى في إيران، وفي أي حزب إسلامي، عدوا يهدد وجودها، ولذلك تعمل على إطفاء كل ما من شأنه إذكاء أي نار قد تشتعل ذات يوم، وتقوم على التحالف السري والعلني من أجل هذا الهدف، بينما تذهب بعض الدول الغربية لتأييد أي تحرك أمريكي ليس خوفا من تهديد إيراني محتمل لمصالحها، بل خوفا من أي تهديد أمريكي، وهي تقوم بواجبها (الأخلاقي) في حماية (إسرائيل)، والقضاء على كل ما يهدد أمنها، ووجودها.
وفي الجانب المقابل تقف إيران بكبريائها، وإستراتيجيتها السياسية، و(إيديلوجيتها ) العسكرية لكي تدافع عن إرث طويل من الصمود، اكتسبته عبر عقود من الحصار الخانق، واستطاعت أن تتكيف معه، وتهزمه، رغم كل التضحيات المالية، والاقتصادية والعسكرية، والبشرية التي تكبدتها، ولكن ما تزال إيران دولة قادرة على القيام من الرماد كل مرة، وفي أي فرصة متاحة، وذلك ما تخشاه الولايات المتحدة، ومن أمامها الكيان المحتل، ولذلك تحاول تركيع القيادة الإيرانية، وتنتزع انتصارا استراتيجيا مهما كلفها الثمن، وفي كل الأحوال فإن هذا الصراع لن يقف عند حدود الخليج العربي، بل ستمتد آثاره إلى العالم، وستضطر الدول الخليجية إلى اختيار الجانب المناسب لها في هذا الصراع الذي وجدت نفسها مغموسة فيه، دون إرادتها، والذي ستدفع ثمنه وتكلفته الباهضة سواء في الجانب المالي والاقتصادي، أو الأمني، أو حتى من سيادتها السياسية والجغرافية.
إن الرئيس الأمريكي الذي يحرك خيوط اللعبة العسكرية في البيت الأبيض يريد حسم كل القضايا قبل أن تنتهي ولايته، لذلك فهو لا يأبه للنتائج التي تترتب على أي فعل، أو ردة فعل، وكأنه يقول للعالم (أنا ومن بعدي الطوفان)، وهو يعتمد على التلويح بالقوة العسكرية، والإرهاب النفسي الذي بات واضحا في لغة خطاباته القومية، والاستقواء على الدول الضعيفة التي لا تملك خيارا سوى الرضوخ، وسط صمت عالمي، وتنديدات خجولة، ودون أي محاولة جادة لكبح جماح الثور الأمريكي، حتى وصل الأمر والتهديد إلى مخدع أقرب حلفائه، ولذلك يجد الرئيس الأمريكي هذا العالم كله مساحة واسعة للحرب، وفرض الأمر بالقوة، ودون أي اكتراث للنتائج، أو ردود الأفعال الدولية.
إن الحرب مع إيران لن تكون نزهة أمريكية، أو إسرائيلية، وستمتد آثارها إلى العالم أجمع، وقد تكون شرارة لكوارث متتابعة لا يعلم امتدادها، ونهايتها إلا الله، ولكن الولايات المتحدة لا تأبه لكل ذلك، فالهدف الأكبر هو أن ترضي ربيبتها إسرائيل، وأن تقضي على كل من يهدد أمنها ووجودها، وأن ترسل رسالة واضحة للعالم الإسلامي أن إسرائيل أمر واقع، وستظل خنجرا في قلب كل عربي ومسلم، ولكن رغم كل ذلك سيبقى هذا الكيان المغتصب خائفا على وجوده، ومرتجفا من حجارة صغيرة في كف طفل فلسطيني مهما طال الزمان أو قصر.
