ويلات الحروب اللفظية
لا تختبر الحروب القدرات العسكرية والقيادات السياسية للدول المتحاربة، بل تمتحن صبر الشعوب ودرجة انتمائها الوطني ووعيها الجمعي، وهذا ما يمكن ملاحظته في الحرب الدائرة حاليا بين الولايات المتحدة وإسرائيل وبين إيران، فقد أصدر حزب إيراني معارض رفضه للهجمات على بلده، رغم حظره من قبل نظامي الشاه والجمهوري وإعدام قاداته وسجن كوادره، إلا أن الانتماء الوطني لا يُربط بالأنظمة السياسية الحاكمة، بل بما يمثله الوطن من قيمة ومنزلة لدى الفرد المنتمي وجوديا لوطنه بصرف النظر عن تصرفات السلطات الحاكمة.
أحدثت الحرب الدائرة حاليا حروبا ضاريا في السماوات المفتوحة للكتابة والتعبير، فلا تخلو منصة من منصات التواصل الاجتماعي من حروب ضروس بين فرقاء مختلفين في كل شيء ومتفقين على الخلافات البينية، وكل النازلين في ساحات الوغى -الافتراضية- لا تكاد تميز بين المثقف العارف وبين المحلل السياسي وبين الآخر المتعصب الذي لا يرى إلا ما يؤمن به، ويخوض لأجله نزالا مع المخالفين له في الرأي والقناعات، ويؤلمه أن الآخرين لا يصطفون إلى جانبه، والأمثلة كثيرة يمكن الاطلاع عليها في منصة (إكس) على سبيل المثال. هذه الفئة لم يعد بوسعها تحمل الرأي المخالف لها، فلا تستطيع منح نفسها لحظة لمراجعة الذات أو البحث عن مبررات الآخرين، أو تحليل الوضع الراهن بأدوات موضوعية. وقد نجم عن ذلك أن تحولت فضاءات التواصل الاجتماعي إلى منصات لإطلاق عبارات هجومية على مواطني بعض الدول الساعية إلى التهدئة والبحث عن قنوات الحوار ووقف انتشار سعير الحرب التي شنتها واشنطن وتل أبيب، رغم تحذير بعض الأطراف الدولية من أن الحرب إذا بدأت لا يُعرف متى تنتهي ولا إلى أين يمكن أن يصل لهيبها.
إن الأمرّ من اختلاف وجهات النظر في وسائل التواصل هو التشفي الذي لا يُفسر إلا كتنفيس عن مشاعر غير سوية أوجدتها خطابات الكراهية والتكفير ونعت الآخرين بما ليس فيهم، ونتجت عن ذلك تعابير غير إنسانية لا تمت بصلة لا للدين ولا للأخلاق. وقد اطلعت ذات مرة على قصة أشبه بحكمة منشورة في وسائل التواصل وودتُ توظيفها هنا لما لها من قيمة إنسانية جليلة «سُئل أحد العارفين: هل حدث وندمت يوما على نعمة؟ فقال: نعم، أتاني ابني مهرولا ليبلغني بحدوث حريق في الشارع الذي أقطنه فسألته هل طال بيتنا؟ فقال: لا، فحمدت الله، وبقيتُ من ساعتها نادما لأنني حمدت الله على نجاتي من مصيبة حلت بجيراني».
قريبا من هذه المشاعر يوجد في أوروبا شعور مماثل يسمى في الغرب بمبدأ (سانت فلوريان). «نسبة إلى القديس فلوريان إحدى ضحايا الكنيسة المسيحية من القرن الرابع وهو القديس الحامي من النار والحرائق» والمقصود بهذا المبدأ هنا السخرية من السلوك الأناني لمن يريد الخير لنفسه حتى لو تضرر الآخرون من ذلك. حسب الدعاء القائل « أيها القديس فلوريان، نجّ منزلي من النار واترك البيوت الأخرى تحترق» (هارلد موللر: تعايش الثقافات).
يُعد الوعي أحد الشروط المستوجب مراعاتها عند استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كالتعبير عن الأوضاع السياسية على سبيل المثال، لأن الخوض في الحروب اللفظية بين الأشقاء لا ترفع علامة نصر لقائلها، ولا تهزم الطرف الآخر، ولا تضيف للواقع إلا الإساءة وشق اللحمة الوطنية بين المنتمين للغة والدين والتاريخ المشترك.
إن التحلي بالحكمة وإعلاء مكارم الأخلاق في مثل هذه الظروف الصعبة يمكن أن يُجنِّب الأشقاء والأصدقاء مشاعر الغل ومراكمة الأحقاد. والاستفادة قدر الممكن من دروس الحروب والأزمات المفروضة على منطقتنا منذ فجر التاريخ وإلى هذه اللحظة.
محمد الشحري كاتب وروائي عُماني
