نحو تبني منظومة للسلوك في بيئات العمل
أثار مقطع متداول على وسائل التواصل الاجتماعي لمسؤول وافد يخاطب بنبرة متعالية أحد العاملين في الشركة العديدَ من التساؤلات حول الدور الإيجابي الذي ينبغي أن يلعبه المسؤولون الأجانب في تطوير مهارات العاملين في الشركات؛ خاصة الشركات التي يمتلكها الأجانب، ومساهمة شركات الاستثمار الأجنبي في الاقتصاد الوطني، وهل هي حقًا راغبة في ذلك، أم أن أهدافها لا تتعدى زيادة الأرباح والاستفادة من التسهيلات والحوافز التي يتم تقديمها للاستثمار الأجنبي في ظل مرونة التشريعات والقوانين وسهولة الحصول على تراخيص ممارسة الأنشطة الاقتصادية؟
وعلى الرغم من التشريعات التي تنصف العاملين في المصانع والشركات، سواء من الشباب العُماني أو من الأجانب، إلا أن مثل تلك الممارسات التي تتم من قبل عدد من المسؤولين الوافدين موجودة، ويتم تأكيدها من حين لآخر من قبل الكثير من العاملين، حتى وإن لم تصل إلى المحاكم.
طبعًا هناك العديد من المسؤولين الأجانب ينصفون العاملين لديهم ويعتبرونهم جزءًا من نجاح الشركة وتميزها، ويأخذون بأيدي الشباب العُماني عبر تطوير مهاراتهم وتعزيز قدراتهم من خلال العديد من الدورات التدريبية، غير أننا نرغب اليوم في تسليط الضوء على الممارسات الأخرى التي نخشى أن تزداد مع الوقت في ظل تركيز أصحاب الشركات على العائد المادي دون الاهتمام بالموظفين، وتوفير الأجواء الإيجابية لهم داخل المصانع والشركات، وتجاهل حقوقهم التي كفلها لهم القانون.
قد يبرر البعضُ هذا السلوك باختلاف الثقافات الإدارية أو الضغط العالي، خاصة عندما يتأخر تسليم المشاريع أو عندما تواجه الشركة خسائر أو عندما يتأخر الموظفون عن أوقات العمل أو غيرها من الأسباب الأخرى، غير أننا نجد أن هذا السلوك يشير إلى ضعفٍ في التنظيم الإداري لدى الشركة وافتقاد كبار المسؤولين فيها للمهارات القيادية والإدارية، هذا فضلًا عن عدم التزام الشركة بالتشريعات واللوائح المنظمة لبيئة العمل.
ولعل أبرز الحلول المقترحة لتوفير بيئة مشجعة للشباب العُماني للعمل في القطاع الخاص هو إيجاد منظومة إدارية تعالج هذه السلوكيات، وتتضمن على سبيل المثال: تبني سياسة واضحة للسلوك المهني يتم وضعها في مكان بارز عند مدخل الشركة؛ ترحب بالموظفين، وتُعلي من شأنهم، وتعزز من قيم الاحترام والثقة في الموظفين، وسعي الشركة لتحسين بيئة العمل بما يؤدي إلى بناء فريق عمل منسجم وقادر على تعزيز مكانة الشركة، وتحقيق أهدافها المالية والإنتاجية والاستثمارية مع وجود قنوات آمنة للشكاوى تُمكّن الموظفين من الإبلاغ عن السلوك غير اللائق دون الخوف من الانتقام أو التأثير على مستقبلهم الوظيفي.
كما ينبغي أيضًا على الشركات ربط تقييم المديرين بسلوكهم، وألا يقتصر تقييمهم على تحقيق الأهداف المالية أو التشغيلية فقط، بل ينبغي أن يشمل طريقة تعاملهم مع فريق العمل ودورهم في بناء فريق عمل ناجح ومتميز، هذا بالإضافة إلى تدريب المديرين على مهارات القيادة والعمل تحت الضغوط والقدرة على حل الخلافات وإدارتها بشكل يعزز انتماء الموظفين لشركتهم ورغبتهم في أن يكونوا جزءًا من نجاحها.
وعلى الرغم من أن هذا السلوك قد يكون مقتصرًا على الشركات الصغيرة أو المتوسطة التي تتم إدارتها من قبل مجموعة من الوافدين الذين لا يمتلكون المهارات القيادية والإدارية الكافية، إلا أنه يشير إلى نوع من الضغوط التي يتعرض لها عدد من العاملين في القطاع الخاص، خاصة أن هناك ضغوطات عديدة يواجهها الشباب العُماني في ظل وجود أعداد كبيرة من الباحثين عن عمل لم يتم استيعابهم، وهو ما قد يجعل البعض منهم يتقبل تلك الأساليب ويرضى بالواقع ويتناسى حقوقه في العمل وسط بيئة عمل مشجعة وداعمة؛ تأخذ بأيدي المبادرين وترفع من شأنهم وتعمل على تدريبهم وتأهيلهم ليكونوا بناة المستقبل وقادة التنمية وصناع التحول الاقتصادي الذي ننشده، سواء في الصناعة أو التجارة أو السياحة أو النقل والخدمات اللوجستية وغيرها من القطاعات الاقتصادية الأخرى التي تحتاج إلى الكفاءات العُمانية المبدعة والمتميزة والقادرة على العطاء في مختلف المجالات.
محمد بن أحمد الشيزاوي كاتب متخصص في الشؤون الاقتصادية
