«ن» قصة حب قصير
29 مارس 2026
29 مارس 2026
في البدء كنَّا غريبين في النَّأي عن مقلتينا، السَّديم في النَّاي، سادرَين في الرِّيح، راحت الأمُّهات، الخطايا، لم تكن الكلمة في مستهلِّ الأناجيل، أشجارٌ أنجبت الانقراض، قطط متوحشةٌ، أرواحٌ في القروح، القيامة في كتبٍ قديمةٍ، جبابرةٌ، سَحَرَةٌ، وَجَلٌ، قلبٌ لم يكتمل في النَّظرة التي في الماء
لا أحسد نوح في الذكرى
إسماعيلَ في دم اليابسة
سعيد الغيلاني عند السِّدرة
حين السُّرَّة
غيومٌ على القُدود
وحدي أعلم مكان القبر
التَّخمين طمأنينة الجلاد
الحَدسُ مهمَّة الصَّرعى
أجيء إلى هنا حين أريد
لا أعود إلى هناك حيث لا أريد
قليلٌ من الفردوس، كثيرٌ من الطريق
كل الرَّهط يحدُثُ مرة أخرى
امرأةٌ تُريح روحها على الكتفِ الأيمن لميّتٍ يقود سيَّارة دفعٍ رباعيٍّ على طريقٍ مُسَفْلَت في نهايات ليل مسقط، تمد راحتها، تمسِّد الجانب الأيسر من صدره، تسأله عن مكان وجود قلبه
«إبريل أقسى الشهور» (1)
الخميس أكثر الأيام ارتباكاً في الحنان
دفترٌ بنيٌّ سامقٌ في الرِّيح
عند أساطير لا تُحسن الحِنَّاء
ليس عليَّ محاولة الشِّعر ثانيةً
ليس على النَّثر تَوَسُّل مكانٍ ثالث
شجرةُ غافٍ على تخومٍ رامت الانتحار بجرعة من ألوان زائدة، مفترقاتُ طُرُقٍ صغيرة، كبيرة، رقائقُ رغيفٍ، حنانٌ عنيفٌ، مشقَّة العائلة في الغيب، استحالة البلاد، حيرةُ أفلاجٍٍ، التقاط آخر صورة للتدخين عند اللافتة التي تشير إلى أول قرية في الأبديَّة، أكبرُ، أنقى، أصعبُ، أقربُ، أقصى ما بين الزَّمالة، الصَّداقة، الحب، عند التَّهور في رفاقيَّة القُبلة، كتابةٌ، طيورٌ جريحةٌ في النُّطق، هجراتٌ عائدةٌ، جثامينُ بعيدة في الغيوم، لوحةٌ صغيرة مغبرَّة في جراح بيت مهجور، يتخاصمان مرَّة في كل شهر، يتصالحان في إياب كل ليلة
لسنا بحاجة إلى معطف
طريدان في الموت
شقيقانِ استحالتانِ على المُنحَدَر
لم أكن أستغيث بكِ
لا أتوسَّل الشُّهداء
تاهَ الاعتذار في صدمةٍ كهربائيَّة مزدوجة
مأساة القرنفل على كوكبٍ مجاور
جاءتني امرأةٌ غيرُك
سترحلين مثل امرأة غيرك
حلَّ السَّراب، طَرَدَ الغُبار
احتكاك الضُّلوع بضحكتك القصيرة ذات النَّغمتين، نفورُ النَّبض، لستُ ركيكاً يتخلَّص من عينيه بالقول: أنا لا أعرف من أنتِ
يا الله، كم قرأنا، كَتَبْنا، أشياء كهذه من قبل
لا تعرفين من أنتِ
لا أدرك من أنا
هذا لا يسعف غيرنا، لا يفيدنا
حَسَنُ النِّية دوماً مثل القرابين
مخلصٌ للشِّعر في بعض حين
وفيٌّ للموت في كل حنين
في كل الأحيان تتوضأ المياه بشعر رأسك القصير
امرأةٌ، رجلٌ، في اختلال المواقيت، يأس السنين
لستُ الهشيم، لستِ العرين
أعرفكِ
لستِ ضوءاً باهراً
سأنطفئ بعد ضحكتك الثانية
في وقتٍ متأخرٍ من أغنيةٍ ذهبنا فيها إلى الماء
البحر محاصَرٌ بين ذاكرتين
أشعلنا الطَّحالب، أشعلتنا القواقع
أنتِ حوريَّة عمياء غُبَّ الضَّباب
أنا لست رهين اليابسة
لا أُفاضِلُ إذ السُّلوان
رأيتُ شجن الغيوم قبل أن ألمحك في الرَّذاذ
ضمَّني الوَجْدُ الفراقُ قبل ولادتك
أصطادُ الكلمات من يأسٍ قديم
لن تعودي
كنتُ سأذهب
تَرَدُّدٌ على تباشير الثَّلج في الفصول، نسمة يائسة على ضلعٍ متخثِّرٍ، عودة تَعُّوب الكحَّالي إلى الأزرق
أقول، لا أقول
أتوارى
الخجل أفضل إتاحة لهذه الروح
حين كنا وحيدين عند الغروب على شاطئ «فِنْس» (2)
خشيةُ القدِّيسين من الكتاب، حِشمةُ الحبر في المتاهة، عسلٌ في القبر، نبيذ معتَّق في هواء مهجور، صلوات منسيَّة، مسافة مريم إبراهيم عند الجبهة، نطقك حرف «الدَّال» قبل «الرَّاء» مُهَروِلاً بين الجبل، السَّاحل، فارق السِّن، رضابك حين أشعل سيجارتك، الحريَّة بين نهديك الطَّيبين اللذين نسيا أن يكبرا أكثر مما ينبغي، احتمالاتُ نوارس، خيولٌ، انكسار حلقوم الخشب في غابات مطيرة، قَطْفُ ليمونة في نظرة يابسة
القلقُ أكبرُ في نظرتي المُعَمَّدة منذ ستِّين عاماً
التفاتتك إلى الرَّماد، استدارة ردفيك نحو الزَّبد تحت شرشفٍ أزرق
تلعثم أغانٍ مختارة في غَرَقٍ
ما لا يمكن من صمت يُسربلُ الهيولى
لستِ اللغة
ليست التَّأتاة بمنجاةٍ منِّي
لا أحتاجكِ في الحتف
«لا أريد من الحب غير البداية» (3)
أدركُ غير ذلك بعد شهور
الصَّمت الأكثر ألقاً على نصل جاء لتوِّه من الكَبِد، التَّنور، مذابح القبائل، لا أستميحك الطريق
نركبُ السَّفائن كي لا نكون السَّلالم
لا عريش لنا نهجره إلى السَّديم
لا أنتِ في قِرطِك المنسي على طرف البلاد
لا في ساعة اليد التي أهداكِها رجلٌ آخر
لا أنا أستطيع الحب من جديد
لا أنتِ في الحب من قديم
لن يغنِّي أحد: «مسموح ياللي تعذَّر/ مسموح لو ما تعذَّرت»(4)
لا أم في فضيحتي
لا أب يدافع عن البيت
هذي انتظارات الخَلاص
هذي النهايات قد ابتدأت.
مسقط، أواخر 2025.
----------------------------------
(1): تي إس إليت.
(2): قرية بحريَّة عُمانيَّة.
(3): محمود درويش.
(4): شريطة أن يكون ذلك بصوت نوال الكويتيَّة وحدها، فقط، لا غير.
عبدالله حبيب كاتب وشاعر عُماني
