ميسي أم رونالدو؟!
20 يونيو 2026
20 يونيو 2026
لا أطرح هذا السؤال في العنوان لأستعيد مقارنة استمرت سنوات طويلة لعشاق الثنائيات، والتي هي في نظري لا تجوز أصلا، لأنها ظالمة للاعب كرة قدم اسمه كريستيانو رونالدو جد واجتهد كثيرا، وكان سعيه مشكورا، لكن حظه العاثر أوقعه في زمن ميسي؛ الموهبة الفطرية التي تمشي على قدمين، والتي تحقق المعجزات بسهولة شرب الماء.
يوم الأربعاء الماضي، شاهدنا فصلًا جديدًا من هذه الحكاية الطويلة. في الصباح كان ليونيل ميسي يعزف أغنيته للأرجنتين أمام الجزائر، وفي المساء كان كريستيانو رونالدو يبحث للبرتغال عن لحن مفقود أمام الكونجو الديمقراطية. كان الأربعاءَ الذي يلخص زمنًا كاملًا: لاعب يشيخ بخفة ساحر هو ميسي، ولاعب يواجه العمر بإصرارِ محارب عنيد هو رونالدو.
المفارقة هنا أن هدف ميسي الأخير في المونديال سُجِّل بعد عشرين سنة بالتمام والكمال من هدفه الأول أمام صربيا في مونديال ألمانيا عام 2006. كلا الهدفين سُجّل في 16 يونيو بتاريخ الملعب (وإن كنا في عُمان قد شاهدنا الهاتريك مع فجر 17 يونيو). عشرون سنة متواصلة من السحر، والجمال، والدهشة، وفتنة الموهبة وهي تعبر الزمن. كل هدف من أهدافه الثلاثة يكاد يهتف: انظروا إليّ!، هدف من حافة منطقة الجزاء، وهدف ثانٍ بلمسة هداف يعرف طريق الشبكة، وثالث يقول إن المسافة بين ميسي والمرمى مهما كانت طويلة فهي قصيرة.
رونالدو، في المقابل، دخل مباراة البرتغال وهو يريد أن يقول إن حضوره ما زال مؤثرًا. مؤكدٌ أنه قال في نفسه: «أنا لستُ أقل من ميسي الذي سجل ثلاثة، ولا من مبابي وهالاند اللذين خطف كل منهما هدفين». أراد أن يقول: ها أنذا، ولكن الملعب قال شيئًا آخر. فقد لمس الكرة قليلًا، وسدّد ثلاث مرات خارج المرمى، وأضاع كرتين قريبتين في الشوط الثاني، وبدا وسط زحام تمريرات البرتغال كأن الفريق يملك الكرة ويفتقد الوجهة.
الفارق بين المباراتين كشف الفارق بين اللاعبَيْن في هذه المرحلة. ميسي صار يتحرك أقل، ويفكر أكثر. كلما تقدم في العمر، صار جسده أكثر رشاقة، وذكاؤه أكثر توقدا. يقرأ الملعب شبرًا شبرًا وهو يمشي الهوينى بين العشب. مدربه سكالوني يعرف ذلك جيدا، لذلك جعل جميع اللاعبين مهيئين لالتقاط ما يراه قبلهم: دي بول يفتح له زاوية التمرير، وماك أليستر يربك الدفاع بحركته وتسديده، ولاوتارو يجرّ قلبي الدفاع، ثم يدخل ألفاريز فيزيد الضغط والحركة، حتى تبدو الأرجنتين كلها كأنها جسد يتحرك بعقل ميسي.
أما رونالدو فقد افتقد هذا الحب الذي تُكنّه المجموعة للفرد، والاصطفاف حوله. فقد بدا معزولًا أغلب الوقت داخل منطقة الجزاء؛ كان من أقل اللاعبين لمسًا للكرة، وسدّد ثلاث كرات بلا إصابة للمرمى، وأضاع فرصتين قريبتين، إحداهما أثارت ضيق زميله برونو فرنانديز خلفه، ورغم أن البرتغال امتلكت الكرة ومرّرت كثيرًا، إلا أنها خرجت في النهاية بتعادل باهت أمام الكونجو.
واللافت أن هذا المنتخب يملك من اللاعبين من يفوقون زملاء ميسي مهارة، في بعض المراكز. برونو فرنانديز، مثلًا متوَّج أفضل لاعب في الدوري الإنجليزي هذا الموسم، وجواو فيليكس، متوَّج هو الآخر أفضل لاعب في الدوري السعودي، وفيتينيا وجواو نيفيز من أهم لاعبي الوسط في العالم، وفازا بدوري الأبطال مع ناديهما باريس سان جرمان، وزميلهما في النادي والمنتخب نونو مينديز هو أيضا من أهم الأظهرة في العالم حاليا. ومع ذلك، لا يبدو أن هؤلاء يخدمون رونالدو بالحب نفسه الذي يخدم به لاعبو الأرجنتين ميسي.
المسألة هنا إذن هي في كيفية بقاء اللاعب مؤثرًا حين يتقدم به العمر. هذا ما يبدو فيه ميسي ناجحًا حتى الآن وهو يحتفل في هذا الأسبوع بعيد ميلاده التاسع والثلاثين. أما رونالدو، فقبل أن نتسرع بالقول إن الزمام بدأ يفلت منه، لا بد أن نتذكر أنه أكبر من ميسي بعامين، وليس من المبالغة في شيء القول إنه لو لم يوجد هذا الأرجنتيني الساحر في زمنه لقيل عن رونالدو، من غير تردد تقريبًا، إنه أعظم لاعب في عصره.
لكن ميسي الذي وصفتُه في مقال سابق بأنه كالشاعر الأموي جرير «يغرف من بحر»، وقد وُصِف بذلك لسهولة جريان الشعر الجميل على لسانه، صعّب المهمة على كل مجايليه ومعاصريه، وفي مقدمتهم رونالدو الذي وصفتُه أيضا بأنه كالشاعر الفرزدق، الذي كان يعتمد على الصنعة أكثر من اعتماده على الموهبة، إذ تقوم القصيدة لديه على قوة السبك والتعقيد وغريب اللفظ، وقد تذمّر مرة قائلًا: «يأتي عليَّ وقت يكون فيه قلع ضرس أهون عليَّ من قول بيت شعر»، وإذا ما أسقطنا هذه العبارة على اللاعب البرتغالي فإنه سيقول: «يأتي عليَّ وقت يكون فيه قلع ضرس أهون عليَّ من تسجيل هدف».
هذه المقارنة العربية تقابلها مقارنة غربية من عالم الموسيقى. إذ شُبِّه ميسي بالموسيقار موزارت؛ العبقرية التي تتدفق كأنها لا تبذل أي جهد، فيما شُبِّه رونالدو بــ«سالييري» الذي صوره فيلم «أماديوس» بالموسيقار محدود الموهبة، الغيران من موزارت لأنه عاجز عن مجاراته، وهي في نظري مقارنة ظالمة لرونالدو في اجتهاده ودأبه، لذا فإنني استحسنتُ إنصاف الصحفي والكاتب الإيطالي باولو كوندو له في كتابه «المتبارزان» بقوله: «إذا كان ميسي موزارت، فإن رونالدو ليس سالييري؛ إنه أكثر من ذلك بكثير». نعم، كريستيانو أكثر من مجرد لاعب محدود الموهبة أو غيران أو حاسد. هو مثال للإرادة الصلبة، والتمرين الشاق، والصبر الجميل، ومطاردة الأرقام بكل ما أوتي من عزيمة.
خلاصة القول ميسي لا يمكن أن يقارن بأحد. سرّ تفرده هو أنه جعل كرة القدم تبدو سهلة جدًّا، بل أسهل من لعبة البلايستيشن. أما رونالدو فهو مثال عظيم للاجتهاد. غير أن «العمر لا يرحم» كما قال ميسي ذات يوم. وأظن أنه آن الأوان لرونالدو أن يفكر جيدًا في كتابة نهاية لحكايته إن أراد أن يحتفظ له الناس بصورة اللاعب العظيم الذي كان.
سليمان المعمري كاتب وروائي عُماني
