الولاءات..
19 يونيو 2026
19 يونيو 2026
تؤسس الحالة الاجتماعية الكثير من معززات البقاء والاستمرار من القيم والمبادئ: (كالوفاء، الكرم؛ التضحيات؛ التعاون؛ التكامل؛ النصرة؛ المؤازرة..) والتفاهمات الأخرى القائمة بين المجموعات الصغيرة والأفراد، التي يرى فيها؛ جل أبناء المجتمع الملاذ الآمن للبقاء والاستمرار لماهية الحالة الاجتماعية، ذلك لأن هذه القيم والمبادئ والتفاهمات تمثل الأسس التي من شأنها ليس فقط لبقاء صورة الحالة، ولكن لدورها الكبير من التماهي في كثير من التجاذبات، ولكثير من الانفلاتات والمستجدات، وهذا لا يعني بالضرورة أن تحقق هذه الصورة النجاحات المطلقة لهذه المحافظة، أو لوجود البعض من السلبيات التي تمخر في ذات الحالة فتضعفها، لتعاود الحالة ذاتها نحو الصمود والعطاء، والحفاظ على قدر كبير من نسبية الهوية، ومع ذلك فالناس حريصون على أن تبقى اجتماعيتهم مصانة بما يتعارف عليه أبناء المجتمع، وما يؤمنوا به من معززات البقاء والاستمرار الآنفة الذكر.
تحضر الولاءات؛ جزء لا يتجزأ من نسيج الحالة الاجتماعية، ولا يمكن تجاوزها بأي حال من الأحوال، فتوجد شيئا من تعزيز القيم، فـالولاءات الوطنية الكبرى، ولذوي النسب، والقبيلة، ولذوي الفضل، ولذوي المعرفة، ولأولياء الأمر، وللأصدقاء والمعارف، كلها ممارسات غير منكورة في الثقافة الاجتماعية، وتمارس بأريحية مطلقة؛ وبدون تكلف في أغلب الأحيان، وهذه كلها ولاءات طبيعية ومقبولة، ولا تثير حفيظة عرف أو قانون، وكما هو الحال في المجتمعات التقليدية تتماهى الكثير من الولاءات إلى حد عدم القدرة على التفريق بين علاقات القرابة، والصداقة، والولاءات التي تنحاز قليلا نحو اختيارات الذات الفردية، ولكن يبقى الخطأ في الممارسة الولائية في الولاءات المصطنعة، وأصفها بالمصطنعة لأنها تخرج عن سياقها الطبيعي، والخطأ فيها؛ أنها تذهب إلى تحقيق منافع خاصة؛ لا أكثر؛ فتسقط في الفردانية وتتجاوز المقبول على مستوى الجماعة، ولأنها كذلك فهي تنحاز نحو تحقيق الأهداف الخاصة؛ وبالتالي فهي غير صادقة أو حقيقية، لأنها تتقاصر عن المستوى العام، وتلتحم بالمستوى الخاص، وفي حالتها الاستثنائية هذه فهي تصطدم بالبعدين: الإنساني والاجتماعي، وإن حظيت بالقبول لظرف استثنائي، فإن قبولها هذا لا يلبث أن ينكشف للعامة ويعري المصالح الخاصة، فالولاءات الخاصة لها سلبيات كثيرة، فبالإضافة إلى تقصد أصحابها إلى مصالحهم الشخصية الخاصة عند من يوالونهم -وهذه تكثر في المؤسسات الوظيفية- فهم أيضا يخرجون أنفسهم من الولاءات الطبيعية القائمة على التعاون والتكافل والتكامل بين أفراد المجتمع الواحد، ومع ذلك فهم يمارسون نوعا من الخداع؛ والذي سرعان ما يكتشف، ولذلك قيل: «لا تخدع لتصل، فالعلاقات التي تُبنى على الزيف، تنهار على أول صدق».
والسؤال: لماذا تحل الولاءات؛ أصلا؛ في الحالة الاجتماعية، أكثر في وجود العلاقات الاجتماعية الأخرى؟ يمكن تفسير ذلك أن الحالة الاجتماعية قائمة على الأعراف والتفاهمات التي لا تحكمها النصوص التشريعية الأخرى -الدينية والمدنية- بصورة مباشرة، مع أنه حتى هذه التفاهمات الاجتماعية والأعراف، هي لا تخرج كثيرا عن التشريع في بعديه الديني والمدني، لكن توجد فيها مساحة استثنائية غير موجودة في بعدي التشريع، ولذلك جاء التوجيه النبوي على صاحبه أفضل الصلاة والسلام: «تعافوا الحدود قبل أن تأتوني؛ فما آتاني من حد فقد وجب»، فالمساحة المتاحة في البعد الاجتماعي أكثرها مهادنة على تجاوز الحدود عند الحد المعقول، وفي سلطنة عُمان يوجد نظام «التوفيق والمصالحة»، كإحدى المحطات المهمة في تجاوز المطالبات وتعافي الحدود، ومعنى هذا أن الولاءات ليست شرا بالمطلق، ولا خيرا بالمطلق، وإنما ينظر إليها بكثير من العناية بشرط أن لا تضر بالحقوق ولا تتداخل مع ظلم الآخر، وأما كحرية شخصية؛ فالفرد له الحرية المطلقة في أن يوالي من يريد، فهو المسؤول عن تصرفاته، ومتى اصطدم ببعدي التشريع فعليه أن يتحمل مسؤولية نفسه.
