مركزية المائدة تُقوضُ الإنسان!

01 مارس 2026
01 مارس 2026

«أُعِدُّ الكثير من أطباق الطعام، ولكنني لا أعرف جيراني لأرسل لهم شيئًا مما أطهو»، بدت جملة عادية قالتها إحدى قريباتي في تجمع صغير، ثم تدفّق الحديث بيننا، وأكدت قريباتي الشابات أنّ العادة التي كنّا نمارسها في طفولتنا قُبيل أذان المغرب بدقائق -والتي تجعل أوردة قُرانا ترتعشُ بالحياة والضجيج- آخذة في التلاشي والانقراض!

تكمنُ المفارقة في أنّ الطعام كان قليلًا وغالبًا مكرورًا، لكننا كنّا نتشاطره بمحبة غامرة مع جيراننا. نمضي في لهاثنا الحيوي، نطرقُ الأبواب المواربة، نتركُ نكهة أمهاتنا على موائدهم ونعود وفي أطباقنا نكهات أمهات أخريات في دأب لا ينقطع بيننا.

لم تكن الأطباق تُملأ وتُفرغ، تذهب وتعود فحسب.. كانت أشبه ما تكون بخيط رقيق يُنسجُ من دفء الجيران وروائح مطابخهم المتقافزة من النوافذ المفتوحة، فيربطنا بعضنا ببعض على نحو مُدهش. يختلطُ علينا الأمر أحيانا، فلا نُميّز أطباق أمّنا من أطباق جاراتها، فيصبحن على نحو ما أمهاتنا أيضا، يحميننا ويُطعمننا، يغضبن منا ويقرصن آذاننا.

وفي زمن مقاطع الفيديو القصيرة المُحملة بأشهى أطعمة العالم وثقافاته، بات التفنّن في تحضير الطعام بلا حدود، غير أنّ الجيران الذين نعرفهم أصبحوا قلّة! وبينما كُنّا ننظرُ إلى أنفسنا كامتداد لشجرة العائلة الكبيرة، تتوهّج بيننا اليوم أفكار من قبيل المساحة الشخصية والمبالغة في تقدير الفردية، حتى أوشكت فكرة «الجماعة» أن تفقد وظيفتها.

وليس هذا رثاءً حزينًا لتهشّم العادات القديمة، فلكل شكل من أشكال العيش ابتهاجاته وضرائبه.

فالحياة في السابق لم تكن لتنهض لولا يد الجماعة، أمّا الآن فتتضاءل الحاجة إلى الآخر، فثمّة عاملة في البيت وطلبات جاهزة وبدائل لا تنتهي تجعل الإنسان قادرًا على أن يعيش مُكتفيًا بذاته، مُهشِما شبكة الثقة بالآخر، مُمتلئا بشعور غامض بالانفصال عن سُرّة الجماعة!

تشير بعض الدراسات إلى أنّ تراجع نمط العلاقة بالجيران لا يُعزى دائمًا إلى تغيّرات ديموغرافية، كالعمر أو الكثافة السكانية، بل إلى تحوّل الطرائق التي يصوغ بها الأفراد علاقاتهم بالآخرين، وهو ما يؤثر في قدرة الشبكات الاجتماعية على الصمود والبقاء مترابطة عبر الزمن.

وأمام انحسار عادة تبادل الأطباق.. تلك اللقطة التي نستعيدها الآن بحنين جارف، تظهرُ صورة أخرى تُسمّى «الغبقة». تنهضُ هذه الممارسة على تنوّع محموم في الأطباق، بروح تنافسية تروّج لها المنصات حتى تتحول إلى فعل بصري باهت، تتقوّض فيه مركزية الإنسان ويتصلّب حضور المائدة. كلنا -شئنا أم أبينا- ندخل هذه اللعبة وتنطلي علينا خدعتها وحيلها البرّاقة، فلم يعد اللقاء يُقاس بدفئه، بل بتعدّد ثيماته وباللقطة التي سنُبهر بها الجميع ونتصدّر بها المشاهدات!

لكن ومن جهة أخرى، ورغم البعد الاستهلاكي لفكرة «الغبقة»، ورغم أنّ ما يظهر في الصورة يغدو أحيانًا أهم من عيش الحدث ذاته، فإننا نتشبّث بها. وفي ظني يحدثُ ذلك لأنّها تُضمر رائحة اللقاء المفقود بيننا. تُحرّض استعداداتنا للمحادثة المهددة بالانقراض على حد قول عالم الاجتماع الفرنسي «لوبروتون». تحرضُ الضحك والقدرة على تبادل الحميمي والعاطفي ومقاربة حساسيتنا البشرية.

إنّها تصنعُ رديفًا لشعورنا القديم عند تبادل الأطباق والسهر الليلي في بيوت الأهل والأقرباء، بل لعلنا نُراهن عليها لرتق الشقوق الجليّة بيننا.

بينما يذهبُ جلّنا إلى تعويض المفقود في الحياة الواقعية عبر احتضان ملاذات الشاشات السحرية والتخلّي عن العالم الواقعي الأكثر كُلفة. يقفُ آخرون في موقع المُتفرّج أيضا، عاجزين عن الانغماس في أشكال التواصل الجديدة، أو غير راغبين في اقتفاء أثر الآخرين، في ظل الذوبان المتسارع في الحدود بين العالمين!

هدى حمد كاتبة عُمانية ومديرة تحرير مجلة «نزوى»