ماذا عن إجازات الأمومة والأبوة؟
24 مايو 2026
24 مايو 2026
قد يبدو تطبيق برنامج تأمين إجازات الأمومة والأبوة ضمن منظومة الحماية الاجتماعية مجرد امتداد لحقوق وظيفية تقليدية، لكن القراءة المتأنية تكشف أنه تحول أعمق في فلسفة الدولة تجاه العمل والأسرة.
إذ يمنح النظام الأم إجازة أمومة لمدة (98) يوما بأجر كامل، كما يمنح الأب إجازة أبوة لمدة (7) أيام بأجر كامل. ويتيح كذلك إمكانية حصول الأم -بناء على طلبها- على إجازة إضافية لرعاية الطفل لمدة مماثلة دون بدل، مع استمرار سداد الاشتراكات التأمينية طوال فترة الإجازة. كما يوفر النظام حماية في الحالات الاستثنائية، مثل وفاة الأم أثناء الوضع أو خلال الإجازة، إذ ينتقل بدل الإجازة المتبقي إلى الأب المؤمن عليه لرعاية الطفل، إضافة إلى استمرار صرف بدل إجازة الأمومة في بعض حالات انتهاء الخدمة المرتبطة باستحقاق بدل الأمان الوظيفي. ويشمل النظام كذلك حالات احتضان طفل محروم من أسرته الطبيعية.
وهو ما يعكس تحولا من حماية العامل إلى حماية الأسرة؛ ففي النماذج التقليدية تركز أنظمة العمل على الفرد بوصفه موظفا، أما هذا النظام فينظر إليه بوصفه أما أو أبا أو جزءا من أسرة. وهو تحول جوهري من اقتصاد قائم على الإنتاج فقط إلى اقتصاد يراعي دورة الحياة.
ولم يكن تطبيق النظام في هذا التوقيت عشوائيا، بل يرتبط بثلاثة تحولات رئيسية: أولها إعادة هيكلة منظومة الحماية الاجتماعية، إذ تعيد سلطنة عمان بناء منظومتها الاجتماعية بشكل شامل، بما يشمل التقاعد، والأمان الوظيفي، والمنافع الاجتماعية. وثانيها التغيرات الديموغرافية والاجتماعية، مثل زيادة مشاركة المرأة في سوق العمل، وتغير شكل الأسرة، وارتفاع تكاليف المعيشة، مما يجعل دعم مرحلة الأمومة ضرورة لا خيارا. أما العامل الثالث، فهو التنافسية الاقتصادية؛ فالدول اليوم لا تتنافس فقط على جذب الاستثمار، بل أيضا على استقطاب الكفاءات والحفاظ عليها. ووجود نظام متقدم لإجازات الأمومة يسهم في تقليل تسرب النساء من سوق العمل، وتعزيز الاستقرار الوظيفي، ورفع جاذبية بيئة العمل.
ولو قارنا هذا النظام بأنظمة أخرى حول العالم، لوجدنا أن بعض الدول تقدم إجازات أقصر أو دون أجر كامل، وفي كثير من الحالات تتحمل جهة العمل العبء بالكامل. أما في النظام العُماني، فالعبء موزع عبر نظام تأميني تكافلي، مما يخفف الضغط على صاحب العمل ويضمن الاستدامة.
وفي المقابل، تقدم بعض الدول الأوروبية مددا أطول قد تصل إلى سنة، لكنها غالبا تكون بأجر جزئي أو بضرائب أعلى. وقد اختارت سلطنة عمان نموذجا يوازن بين مدة الإجازة والاستدامة المالية، عبر توفير إجازة بأجر كامل ضمن نظام تأميني تكافلي. فبدلا من أن تتحمل الدولة أو صاحب العمل التكلفة مباشرة، أُنشئ فرع تأميني ممول باشتراك تتحمله جهة العمل بنسبة (1%) من أجر المؤمن عليه شهريا، بما يحقق الاستدامة المالية، ويوزع المخاطر، ويخفف العبء عن أصحاب الأعمال.
وعلى المدى الطويل، يعني ذلك استمرار النساء في العمل دون خوف من فقدان الدخل، وتحسن جودة الحياة الأسرية، وانخفاض الضغط النفسي والمالي في المراحل الحساسة من الحياة. أي أننا لا نستثمر في «إجازة» فحسب، بل في استقرار أسري ينعكس على الاستقرار الاقتصادي.
إجازات الأمومة والأبوة بسلطنة عمان، بالتالي، ليست مجرد منفعة جديدة، بل خطوة نحو اقتصاد أكثر إنسانية، وسوق عمل أكثر استدامة، ونظام اجتماعي أكثر نضجا.
حمدة الشامسي كاتبة عُمانية في القضايا الاجتماعية
