مــاجد

07 مايو 2024
07 مايو 2024

بينما كنت أقضي إجازتي السنوية في إسطنبول عام 2020 تعرفت على ماجد، الشاب القادم من غزة والذي يصعب عليك أن تخمّن عمره، إذ يبدو صغيرًا في مظهره، انسجمنا في الحديث سريعًا والسر في ذلك عُمان.

كان ماجد قد زار عُمان قبلها بسنوات ليشارك بصفته فنانًا تشكيليًا في ملتقى للفنون بصلالة، أحبَّ عُمان كثيرا وأحب أهلها، حتى أنه تحدث عنها كثيرا في مناسبات عديدة. تركَ ماجد كأي غزي خان يونس مخلفا زوجته وأبناءه وعائلته الممتدة طلبا للعيش، أراد أن يحسن من حياة أبنائه، وكان قد عرف أن إسطنبول هي خيمة الغزيين آنذاك، لكن ماجد قرر أن يخطو هذه الخطوة متأخرًا سنوات عديدة، فالشباب في غزة يغادرون في بداية عشرينياتهم إن صح لهم ذلك بعد أن يخوضوا معارك عديدة لتلبية شروط الخروج من غزة أو تجاوز «عنف الفيزا» بحسب الباحث هادي العجلة حول وضع الغزي مع التأشيرات الدولية، إذ تكاد الدول التي تقبل وجودهم تعد على أصابع اليد الواحدة، إلا أن إسطنبول لم تكن الخيمة المتخيلة وسرعان ما تسببت الصراعات الداخلية بين الأحزاب السياسية في تقويض آليات التعامل مع المهاجرين واللاجئين، هذا بالإضافة للتقلبات الاقتصادية الحادة من قبيل التضخم في تركيا عموما. استاء ماجد كثيرا، وشعر بالعار؛ لأنه لم يستطع تحقيق أي تقدم يذكر، نعرف جميعا أن شعوره بالذنب لا أساس له، فقد بذل كلّ جهد ممكن من أجل الوصول للنجاح المنشود من هجرته هذه. ثم جاءت أحداث السابع من أكتوبر وطوفان الأقصى.

كان ماجد قبلها بأسابيع قد بدأ التخطيط للسفر إلى أوروبا، البحث عن منح للفنانين، أو البحث عن أي منفذ للجوء إلى هناك لكن كل هذه التطلعات قتلت مطلع أكتوبر، إذ أصبحت الاحتياجات والأولويات مختلفة، أصيب والد ماجد الذي رفض مغادرة بيته، وكل عائلته تعيش في خيام بأوضاع صعبة ومستحيلة في «المواصي» جنوب قطاع غزة، «رفح»، فكر ماجد مثل العديد من الغزيين بالعودة إلى غزة حتى وإن كلفه ذلك حياته، أراد أن يكون بجانب عائلته. ماجد على عكسنا جميعا في بداية هذا العدوان الإسرائيلي البشع كان الأكثر هدوءا فيما يتعلق بالاستقطاب السياسي الفلسطيني، في مجموعتنا على الواتساب كان يحاول التوفيق بين الأطراف أو تفهم الاختلاف، لكنه لم يعد يشارك كثيرًا منذ ثلاثة أشهر في الحديث عن الحرب أو حتى التعليق عليها.

صحّ لي أن التقي ماجد سريعا قبل أيام، كنتُ متوجسة كعادتي عندما يتعلق الأمر بأصدقائي الغزيين في هذه الفترة. سألته كيف الحال؟ ثم قال لي: الحمدلله، الأمل موجود، أنا وعائلتي متمسكون بالأمل، وفخورون بهذه المقاومة. لم أكن أتوقع أن يقول لي ماجد ذلك، إذ لا ينتمي ماجد سياسيًا لحماس، قال لي ماجد: إنه يختلف عن الأجيال الجديدة في غزة في أنه شهد حضور الاحتلال المادي في غزة قبل مغادرة إسرائيل في 2006، شهد الانتفاضتين الأولى والثانية وعاش كل تفاصيلهما. يعرف ما الذي يعنيه الاحتلال جيدا، وما الذي تعنيه إسرائيل بشكل خاص. لم يكن من الممكن، إلا أن يأتي السابع من أكتوبر وأن اختلافه مع حماس قادم من أن السابع من أكتوبر تأخر كثيرًا للحد الذي ظنّ فيه مع آخرين بأنها تخلت عن أي مشروع تحرري حقيقي لصالح تحقيق وجودها ومصالحها الخاصة كجماعة. قال ماجد مثلنا جميعا: لقد تغيرت كثيرا منذ السابع من أكتوبر، لم أعد الشخص مثله. ظننا أنا وصديقتي التي رافقتني في هذا اللقاء بأن هذا النوع من الاعترافات يخصنا نحن من نشاهد ما يحدث من الخارج، لكننا لم نكن محقات، ماجد وعائلته تغيروا كثيرا، ماجد شهد حروبا عديدة لكنها لم تكن بعنف هذه الإبادة، أبدى ماجد حماسته لما يحدث في الجامعات الأمريكية، من أن طلبة وأساتذة يعرّضون أنفسهم ومستقبلهم للخطر من أجل هذه القضية، التي ينبغي أن تكون قضية الجميع. قال لي ماجد: يجب أن لا أخجل من تحديد موقفي مما يحدث في فلسطين؛ لأنه يمسنا جميعا، إذ لاحظ في مناسبات عديدة أنني انسحب من النقاش على اعتبار عدم امتلاكي الحق في الكلام أمام أصوات قادمة من غزة أو فلسطين؛ لأنهم هم من يمرون بهذه المحنة. لم يكن ماجد يمثل لي معنى الصمود، بالمعنى «الكليشيهي» للكلمة، والذي ينزع عنها «سياسيتها» على العكس من ذلك كله، ينطلق ماجد من مواقف سياسية راديكالية واضحة، ويؤكد على قراءات سياقية ينطوي عليها كل مشروع تحرري جرى في التاريخ الحديث بالإضافة لطبيعة إسرائيل الخاصة القائمة على الديانة أو التاريخ الاستثنائي لهذه المجموعة.

ماجد الذي تتعرض عائلته الآن للموت يمتلك الأمل، الأمل المكلل بالسياسة، لا بالمعنى الإغاثي، بل بالمعنى الكامل للإرادة الإنسانية الحرة. ماجد آمل أن نلتقي معك أنت وعائلتك المرة القادمة في مسقط، وأن يشاهد العالم أجمع لوحاتك وفنك.