«ما تبقّى من العمر»
قادرٌ هو أنور سونيا على أن يبثّ اللون والشكل ما تعتمل به نفسه من مختلف الاضطراب والهدوء، وأن يُوزّع فكرَه ورؤيته على الألوان والظلال والمناظر، يُبْدي لك وإن كنت خالي الذهن تاريخًا وثقافةً وحضارة ويُظْهرُ لك عوالم سطحها مكشوف وعمقها مغمورٌ.
بائعة الأدوية، وهي جالسة جلسة العُمانيات المميّزة وقبالتها امرأتان تقتنيان الأدوية الشعبية، والحوار قائم بين الثلاثة في محفلٍ تمثيليّ يُضمر رُكاما من الحكايا، وتاريخًا من التواصل النسائيّ والاعتقاد في الصيدلانيّة الشعبيّة العجوز، تعتيمٌ بيّن للمشتريتين وإضاءةٌ واضحة للفاعلة الأصل، الشخصيّة الرئيسة التي تُبَأَّر ألوانًا وحركةً واستقبالا، ورسْمًا لتفاصيل وجهها ولحركة كفّيها ولتخيّرها أدويتها ولتواصلها في حديث الإقناع بفاعليّة البضاعة وجدواها.
وتندرج لوحة السمّاك في الإطار ذاته، والمرحلة الفنيّة نفسها أداءً ووظيفةً وإعْمالاً للألوان وتوجُّها إلى رسْم اليوميّ المُختار من ظواهر اجتماعيّة قد لا يتنبّه إليها الإنسان العاديّ، المُحاط بلوحات فنيّة تثري وجوده الإنساني، إذ يرى الرسّام في سوق السمك صورة دالّة، وهيئةً معبِّرة ومعنى منغرسًا، يتجمّع في السمّاك، القابع في سوقه حاملاً تباشير السعادة، مقبلا على الحياة، حاملا دلالة مجتمع تنوّعت مظاهر الفرادة فيه، يرى الفنّان في السمّاك قيمةً من قيم البلاد وصورة ترشح عمقًا وتُخلِّد بشرًا.
مهمّة جدّا هذه المرحلة التي جال فيها أنور سونيا في مظاهر الواقع العُماني يرصده، ويسجّله حتّى لا يتآكل بفعل النسيان، يُسجّل الملابس مظهرَها وألوانها الزاهية واختلاف انتسابها قبل التحوّل إلى سيادة الظلام، يُسجّل المهن الشعبيّة قبل أن يأكلها الواقع المتحوّل، يُوثّق البنيان والأشياء في فضاء يغلبه التبدّل وإن كان ما زال مُحافظا على تقاليده وثقافته، ولكنّ الأهمّ من كلّ ذلك، أنّه يُحوّل المشهد إلى إحساس، إلى تعاطف، إلى حمولة دلاليّة، منها يُمكن أن نتبيّن التاريخ الأخلاقيّ والاجتماعي، ومنها أيضا نرى رؤية الرسّام وقد أسدل عاطفته ووعيه وإدراكه على المشهد المرسوم.
المرحلة التالية في الزمن وفي التجربة، تضمّنت نأيا عن التسجيل، واقترابا من التجريد، وابتعادًا عن رسم الوجوه، وعن التوجّه الانطباعي التوثيقي، وهي -في ظنّي- التجربة الأنضج فنيًّا ودلاليّا وتاريخيا، إذ يُعمل الرسّام فرشاته لعبًا بالأشكال والألوان والظلال، يمحو الوجوه قصْدًا ويلفت نظر الرائي إلى دلالة الألوان وبهجتها، إلى تنوّع الأشكال، إلى التصرّف في ظلال اللوحة، لوحة نساء تُبْدي قُدرة على الاحتفاء بتنوّع الألوان والمزج بينها في لمساتٍ تحتفي بالفنّ أكثر من المرجع، تنحو إلى خوض التجربة أكثر من تثبيت المرجع، وقس على ذلك لوحة عمانيات ولوحة السوق.
لا شكّ أنّ أنور سونيا لم يركد في منزلة الريادة الانطباعيّة وإنَّما كان فنّانًا حقًّا يُعمل فرشاته وألوانه حكايةً لواقعٍ وتمثّل لأبعاده، يستحضر التاريخ والإرث الثقافي، يهتمّ باليوميّ وبالاجتماعي وبالتاريخي، ويهتمّ أكثر بالفنّ تجربةً وإدراكًا ورحلة لا تسكن ولا تثبت في محلّ ولا تهجع في مضجع.
