حفلة

28 يونيو 2026
28 يونيو 2026

1. وطن

بعد سنوات طويلة، كان مسافرا في طائرة تمر بسماء عاصمة بلاده ليلا. ألصق وجهه بالنَّافذة وحاول استعادة ما أمكن من تفاصيل باهتة تضيئها الأنوار البعيدة. لا شك أن ذلك هو الحي الذي كان يقيم فيه على طرف المدينة. أما بقعة الضوء الناتئة فلا بد أن تكون السَّاحة العامة التي كانت مقر الاعتصامات ومنطلق المظاهرات. فكَّ حزام مقعده، ونهض، وتوسَّط الممر. مدَّ ذراعيه إلى جانبيه وأخذ يعليهما وينزلهما قبل أن يتقدم سائرا ببطء مغناطيسي نحو مَخرج الطَّوارئ.

2. موكب

خرجنا من المطار بعد الغروب مرافقين الجثمان الموضوع في سيارة إسعاف، ونحن في طابور طويل من السَّيارات التي كانت تضيء إشارة الحالة الطارئة. وما إن دخلنا إلى زحام المدينة أخذت مركباتنا تتباعد في الشَّوارع المزدحمة، ثم صار الموكب يتشتَّت وينقطع عند الدُّوارات وإشارات المرور بسبب قوانين أولويَّة العبور. لكني رأيت، بعد قليل، سيارة تضيء إشارة الحالة الطارئة أيضا، وتلك السَّيارة كانت مغلَّفة كالهديَّة من سقفها حتى عجلاتها بأشرطة ملوَّنة من ذلك النوع الذي يعكس الضوء، وباقات ورود وزهور، وتتبعها سيارات أخرى تطلق أبواقها وأغانيها الصَّاخبة.

اختلطت سيارات الموكبين. وفي إحدى اللحظات كانت سيارة الإسعاف الصّامتة التي تُقِلُّ الجثمان تسير تماما خلف سيارة العروسين.

3. شريشة

انصرفت الممرِّضات بسبب طلبه اللحوح الذي عبَّر عنه بصوتٍ متذَمِّرٍ وعالٍ. وعلى السَّرير المُفْرد الضَّيق ذي المخدة والشَّرشف الأبيض، تذكَّرها في آخر السَّكرات، فتحرك رأسه الصغير الموصول بأسلاك ممتدة إلى أجهزة وشاشات تحيط به. انداح الرأس قليلا يمينا ويسارا، وهمس بصوتٍ واهنٍ لأهله وأصدقائه المتحلِّقين حول السَّرير في احتضاره: «انتهى الأمر. لقد نسيتُها».

أغمض عينيه الذَّاويتين، بينما انفرجت شفتاه المتشققتان عن ابتسامة صغيرة. تحركت ذراعاه الواهنتان قليلا، وكانت هناك غيوم، ونجوم، وفراشات، وبحار، وخمور، وأغانٍ، وطيور يصطبغ ريشها على السَّرير.

وصل في آخر الليل إلى جدار تقع في أعلاه نافذة مضيئة مطلَّة على جهة شروق الشَّمس، في بيت تُظلِّل بابه الأمامي «شريشة» كبيرة في آخر طريق داخلي مرصوف في الحارة. انتبه إلى أنه لا يملك مفتاحا للبيت الرَّابض في الظلام. ولغاية اليوم، ها هو يجلس وحيدا تحت «الشِّريشة» الكبيرة، في الليل وفي النَّهار.

4. حفلة

قُضي الأمر منذ البداية بوصول بطاقة الدَّعوة المكتوبة بخط اليد الكوفي الأسود الأنيق. وفي عُروة المغلَّف الأبيض كانت هناك وردة طبيعيَّة من ورود الجبل الأخضر ملفوفة بشريطين أحدهما حريري والثاني مخملي، أنيقَيْ اللونين الأبيض والأسود ومتناسقَيْهما.

وصلت بطاقة الدَّعوة إلى ذلك الشَّخص الذي يقطن مع زوجته في شقّة صغيرة تقع في الدور العاشر من إحدى البنايات الواقعة في حيٍّ يسكنه متوسطو الدَّخل على طرف المدينة. وفي بطاقة الدَّعوة نفسها، وبعد ذكر اسم السِّيد المدعو، جاءت عبارة «وحرمه المصون» من دون ذكر اسمها.

هكذا، إذا، ابتدأنا الاستعداد الحثيث لحضور المناسبة منذ حلول الظَّهيرة؛ فقد أخذ كل منا يتأهب لحضور الحفلة الموسيقيَّة التَّنكريَّة السَّنويَّة التي دعانا إليها في منتجعه الصَّحراوي المكوَّن من خيام صغيرة، ومتوسطة، وكبيرة اتخذت شكل مخيَّم دائري، وهي مخصَّصة للحفلة وأنشطتها. وكذلك كانت هناك أيضا ثلاث خيام كبيرة أو أربع تقع على مسافة متوسطة عن الخيام الأخرى، ولا يبدو أن لها علاقة مباشرة بالحفلة، هذا إضافة إلى «كرفانات» خشبيَّة بيضاء محمولة على شاحنات عملاقة من ذوات الدَّفع الرُّباعي المتوقِّفة على الكثبان.

كانت تلك الخيام تقع في أقصى نقطة من صحراء البلاد مترامية الأطراف، وجهَّزها صاحبها بوسائل الرَّاحة والتَّرف الحديثة من أثاث فاخر مستورد من إيطاليا، ودورات مياه مجلوبة من بريطانيا، وهذه الحمَّامات من النوع الخشبي المتنقل، لكنها لا تختلف كثيرا عن تلك التي تقضي حاجتك فيها في فنادق الخمس نجوم في أي مدينة في العالم. كما شملت تجهيزات المخيَّم مولِّدا كهربائيَّا أمريكيَّا ضخما اختير مكانه، ووُضع في خندقٍ غائر لكي تصل إليه التَّهويَّة الطبيعيَّة على مبعدة من المخيم، وفي الوقت نفسه كي لا يصل هديره إلى الخيام فيزعج مَنْ فيها. واحتوى المخيَّم على كافة التجهيزات والأدوات الكهربائيَّة التي يحتاج لها المكان وضيوفه من مكيفات، ومدافئ، ومكائن حلاقة كهربائيَّة، ومُجَفِّفات شَّعر، وأجهزة كمبيوتر ثابتة ونَّقالة، وشاشات كبيرة تُعرض عليها أفلام مثل: «سالو: أيام سادوم المائة والعشرون» لبيير باولو بازوليني، و«عيون مغلقة على اتِّساعها» لستانلي كوبرِك، إضافة إلى أحدث الأفلام التي انتجتها السِّينما البورنوغرافيَّة الأمريكيَّة، وغير ذلك، وملعب كرة ذي عشب صناعي، وآخر لكرة الطائرة والتَّنس. هذا إضافة إلى «جاكوزي»، وغرفة «سونا»، وغرفة بخار، وبركة سباحة أولمبيَّة مشيَّدة من مواد غير ثابتة، وغير ذلك بكثير أكثر.

لكني لا أحسن الرقص، ولا الغناء، ولا التَّمثيل، ولم أحضر حتَّى حفلة موسيقيَّة تنكُّرية واحدة من قبل. غير أني استعنت بما تبقى في ذاكرتي من فترة إقامتي الدِّراسيَّة في بريطانيا، وما قرأته من كتب وشاهدته من أفلام ومسرحيَّات وعروض أوبرا هناك، خاصَّة تلك التي تدور أحداثها في القرنين السادس عشر والسابع عشر؛ فارتديت بدلة «تكسيدو» يغطيها معطف أسود طويل، وساعة جيب (بلاستيكية، في الحقيقة، وقد ابتعتها من متجر الهدايا الرَّخيصة المجاور لِسَكننا)، وقناعا فينيسيَّا (من نفس المحل أيضا) وقفَّازين أبيضين، وعصا مشي خيزرانيَّة بُنِّيَّة اللون ابتعتها بثمن زهيد من حانوت في السوق الشعبي في الحي الذي أقيم فيه. وبهذا اعتقدت بمقدار من الثِّقة التي لا بأس بها أني لن أكون أسوأ الحضور هنداما في الحفلة، وسأحاول التَّغلب على جهلي الغناء والرقص ببعض الألاعيب والحِيل التي لا أتوقع أن ينتبه لها أحد في قصف وضحكات المناسبة.

أما هي فقد صارحتُها بأنها بالغت كثيرا في إضفاء مظهر غامض وأنيق أكثر مما ينبغي لحضور الحفلة؛ فقد اختارت حذاء عالي الكعب كثيرا بصورة لا أظنها مريحة لقدميها في أثناء الرَّقص خاصة وأنها ليست قصيرة، وقميصا أحمر قصير الكُمَّين ارتدته فوق المشدَّات التي نحتت خصرها وأبرزت ثدييها، وتنورة سوداء منفوشة بعض الشيء من قماش الدانتيل، وقفازين أبيضين طويلين يصلان إلى كوعيها، ومكياج وجه فاقع بكل مُكَوِّناته.

ثم ذهبنا لحضور الحفلة الموسيقيَّة التنكريَّة السَّنويَّة في المنتجع الصَّحراوي.

وكنتُ واثقا أن ما حَدَثَ كان سيحدث.

عبدالله حبيب كاتب وشاعر عُماني