لا ضواحي ولا أوطان
24 فبراير 2026
24 فبراير 2026
قبل سنوات أعدت -لربما- قراءة رواية الغثيان لسارتر، وتتبع علاقته بسيمون دي بوافر. تأثرتُ بسارتر كثيرًا، مَن من جيلي لم يفعل؟ من منا لم يراقب تلك الحرب الصغيرة حول ما إذا كنت مع فريق البير كامو أم مع فريق سارتر. أتذكر قراءة كتاب «على مقهى الوجودية» لسارة بكويل، الحديث عنهما سارتر وكامو، حياتهما الشخصية، إيمانها بالمبادئ التي أعلنوا تبينها. وأتذكر بلا شك صورة لبكويل مؤلفة كتاب مقهى الوجودية، وهي وحيدة تجلس على كرسي في الخارج في فترة شبابها المبكر، معلقة على الصورة: فتاة وجودية في الضواحي.
قرأتُ هذا في سنة 2010 قبل الربيع العربي بعد تحشيد الناس في ميادين مفتوحة في العالم العربي، وعلى ذكر قصة الميادين - وإن هي مسألة جانبية- فأحد أبرز الصحفيين في ليبيا، وبعد سقوط القذافي تحديداً سنة ٢٠١٢، أنشأ صحيفة جديدة أسماها الميادين عندما سئل عن سر التسمية قال: إن ثورات العرب انطلقت من الميادين، صدقًا عندما قرأتُ هذا، قلت لكن من أين تبدأ بقية الثورات في العالم إذن؟. بالعودة إلى ذلك الوقت، لا يمكن تسميتي بجيل الربيع العربي، عادة ما ترتبط المجايلة في السياق السياسي الثوري، بأن تكون في بدايات عشرينياتك. حينها كنتُ في الثامنة عشرة من عمري. حسنًا يبدو بأنني لستُ من أولئك الذين لم يتوقفوا خلال الخمس عشرة سنة الماضية، من الرثاء. لا يملكون شيئًا سوى الحسرة أو الإقرار بالطيش وملاحقة الأوهام التي كانت أحلامًا حينها.
«جيلي» وهي بالمناسبة أيضًا - ما أكثر استطرادي -تطلق على الأفراد خلال ثلاثة عقود، إنهم جيل واحد، لكن الأمر تغير الآن، الإنترنت على سبيل المثال يجعل المولود اليوم يختلف عن المولود أمس. عاش جيلي سقوط بغداد، وشاهد بدون الشعور أن الأمر يخصه تمامًا الطائرات التي تخترق ذلك البرج العالي في سبتمبر، والتي سنسمع فيها اسم ابن لادن كثيرًا، كنا بعد لم نفهم ما الذي يحدث في أفغانستان، أما فلسطين فكانت موضوعنا الأثير في إذاعات المدرسة قبل أن يتوقف ذلك لأمر لم نعرفه أيضًا. كانت صناعة التلفزيون مزدهرة وبلغت ذروة نجاحها. قناة الجزيرة العربية التي أطلقت نهاية التسعينيات والتي ستُعتبر مع عوامل أخرى عنصرًا هامًا في تشكيل تنويعة أخرى من القومية العربية الحديثة، يا لقدرة التلفزيون أن يفعل شيئًا كهذا. لكن وبعد بضع سنوات سينتشر الإنترنت، ثمن الدخول كان باهظًا فقلما تسللنا لعوالمه ومنتدياته، عندما كنا نستعد لنكون جزءًا أساسيًا من تلك العوالم، تغير وضع الإنترنت واندثرت المنتديات، ظهرت وسائل تواصل اجتماعية أخرى مثل فيسبوك وتويتر. كل هذه التغييرات القصوى عشنا على حوافها، نحن من تأخرنا دوما بضعة سنوات على أي ثورة كبرى.
بعد عام ٢٠١٢ تغير العالم من حولنا، لم تعد الوجودية تحمل التوهج نفسه، ومن نقاشاتنا عن الفرق بين العبثية والعدمية مثلًا بل تأملنا مع جيل الثورة وضع أقدامهم واتجاههم القسري نحو «التصوف». حسابات الأشخاص الذين نتطلع اليهم على وسائل التواصل الاجتماعي، تغيرت صور معرفاتها، لدراويش يلفون بتنانيرهم الواسعة، دور النشر العربية وجدت في كتب التصوف صفقة رابحة. كم عدد الكتب التي اشتريتها حينها لأعرف عما يعنيه التصوف، هل هو مسلك يمكن أن يوجد في كل دين؟ اشتريت كتبًا عربية ومترجمة لمحاولة فهم ما يجري حقًا ولستُ لطبيعة جيلي كما أسلفت مستغرقة فيه. نُشرت رواية «قواعد العشق الأربعون» للروائية التركية أليف شافاق، أتذكر قراءتي لها في ليلة رمضانية دفعة واحدة، وتعلقي المحدود بجلال الدين الرومي وتبريزي. أردنا بشدة اقتناء ديوان المثنوي بالترجمة العربية في أجزاء ضخمة، كان ذلك كله في الوقت الذي تذوق فيه الجيل الذي يسبقنا طعم الهزيمة ومرارة الإخفاق سنة ٢٠١٣، فأين الثورات التي ضحوا من أجلها وأشعلت أفئدتهم. حينها كان من المنطقي أن يلمع التصوف كنجم في سماء قاتمة.
أتذكر معارض فنية في الجامعة لفنون تشكيلية عن التصوف وروايات على الرغم من أنها تتحدث عن الاستبداد ومسحوق غسيل الملابس للغسالات الأوتوماتيكية إلا أن سئمتها، وأعني بشكل خاص اللغة قد طبع عليها التصوف نفسه. ما الذي سنفعله بعدتنا عن الوجود والعدم؟ ولماذا نقف في كل مرة كما لو أننا «الشهود» على ما يجري لكنهم لا يفهمونه تمامًا؟
سأقرأ لاحقًا عن الهرب لروحانية التصوف بعد الهزيمة السياسية والروحية، إذ كان التصوف عالما بلا تسييس، مساحة لا يجري فيها التفاوض مع شيء ما مثل السلطة، بل مساحة آمنة للاستسلام، للتلاحم مع الله وخلقه، كان ذلك هو الكهف الذي دخله جيل الربيع العربي. قرأت عن قصص شخصية يتحدث فيها مصريون مثلًا عن تقويم حياتهم بعد «الصياعة» مطلقين على ذلك أوصافًا مثل النضج، أو رؤية العالم على حقيقته من مسافة محايدة ومعرفة أن أهم شيء هو الزهد والتعلق بعالم بعيد يشبه الجنة لكنه مطمئن أكثر منه كثيف وحاد. لكنني لم أكن قد فهمت الصوفية بعد حينها، وعندما اقتربتُ من ذلك- لم يعد لهذه التقليعة التي دعمتها أنظمة عربية بكل ما تملك من نفوذ ومال- القيمة نفسها أو هذا ما نظنه من عالم بات يُعرض على الشاشات بشكل مباشر، يمكننا فيه تمييز ما هو شائع وما هو ليس كذلك. ما الذي سيحدث إذن إنها عشرينياتنا نحن، الفترة التي سننخرط فيها حقًا في شيء ما كبير، وتحولات تختبرنا. غير انه ومع حرب المحتل في غزة سنة ٢٠١٤ لم يحدث لنا أشياء كبيرة حقًا، لم نمتلك قضيتنا الوطنية الخاصة، لا يمكن الخروج إلى الميادين، إما لإحباط الناس، أو لأن السلطات تراقب ببساطة رسائلنا عبر الإنترنت، حتى تلك التي نقول فيها صباح الخير.
ما الذي كنا نتعامل معه؟ أطلال لأحلام الذين سبقونا؟ ربما لم نمتلك هذا أيضًا. أي ملاذ هو ملاذنا نحن؟ أي شيء قد أحسسنا فيه بأن ما يجمعنا مصير مشترك، أن نعرف كيف وجدنا أنفسنا على تلك البلاطة تحديدًا، مدركين تاريخ بلداننا، وتنوع هوياتنا، ومستقبلها الذي كنا ننتظره وظننا أنه ينتظرنا أيضًا. ما الذي نفعله بدواوين المثنوي والتي بالكاد حصلنا على ثمنها من وظائفنا الصغيرة الأولى والتي كانت امتيازًا كبيرًا في عالم أكثر الشباب فيه (باطلون) عن العمل. ألم يعد للحياة معنى بعد أن تحاربنا في معنى أن تكون ماهيتنا تسبق وجودنا والعكس من ذلك؟ عبثي أم عدمي؟
وعندما بلغ مواليد ١٩٩٠ عمر الثلاثين، احتفلوا بذلك في بيوتهم، ربما يكون هنالك شخص غائب عن أجواء الحفلة الصغيرة على الرغم من أنه موجود في حجرة من حجرات البيت؛ لأنه معدٍ لإصابته بكورونا. شاهدنا المطارات في الصور مظلمة، منعنا من التجوال، ترى هل ما كان ينتظرنا طيلة الوقت هو حدود «الأبوكالبس» ثم ألم يكن الاتفاق قائمًا على أننا من سيجني على نفسه، ليعيد إنتاج دورة الخسارة نفسها التي عاشها الجيل الذي يسبقنا؟ لماذا قدرنا هو عدم الانخراط التام أو أن نكون «مفعولا به» يطفئ الشموع وإن فعل فذلك وراء الأبواب المغلقة قسرًا.
فترة كورونا لا أعرف كيف مرت، يبدو كما لو أنها محذوفة من ذاكرتنا، هنالك أشخاص يطلبون من العالم تغيير التقويم وشطبها تمامًا، وستختلط علينا الأمور، وستصبح طريقتنا في الإشارة لأي شيء قبل أو بعد كورونا.
بعد ذلك كله لم يكن لنا قضيتنا الوطنية الخاصة، العالم العربي أمعن في ترسيخ الدولة الوطنية، لا يوجد عالم يسمى العالم العربي، إن العالم هو اسم الدولة التي حددتها سايكس بيكو وأشياء أخرى. وعندما بالكاد أردنا أن نقول لا، علينا استعادة حقنا في لحظة قصوى كتلك التي عشنا على أطرافها، كانت الإبادة على غزة قد أعادتنا سلبيين لم يفعلوا شيئًا في فترة شبابهم سوى الانتظار والامتثال، دون وجودية ولا تصوف ولا ثورة ولا تاريخ مشترك. لا شيء، لا شيء على الإطلاق.
أردتُ أن أمتلك صورة لفتاة عبثية في ضاحية ما، ربما صورة أخرى من ميدان ثوري يستعد بإرادة صلبة للغاز المسيل للدموع. أردتُ أن ألتحم بالخالق في سلام، أردتُ أن أقف على طريقتي في وجه دبابة إسرائيلية، لكنني مع ذلك، قضيتُ الوقت أنتظر ذلك وانتهى بي الأمر في حجرة مغلقة أفعل ما أتقنه حقًا: الانتظار.
