كونوا شعراء لعلكم تخلدون

20 أبريل 2026
20 أبريل 2026

يولد الشاعر كبيرا، يطوف على جمر اللغة، ويولّد الكلمات، ويعيد ترتيب العالم، إنه يقوم بواجبه في سبيل القصيدة، لا يريد من الآخرين أن يذكروه، ولا يطلب منهم أن يحملوا عنه قصيدته، إنه يقول، ثم يرحل، هكذا بكل بساطة، غير أن ما يتركه خلفه، يظل في قلوب وأفئدة الناس يشعلونه في ظلمات أيامهم، ويحملونه في عقولهم، ويسمرون به في ليلهم، قد لا يعرفون من قال هذا البيت، أو ذاك، ولكنهم يرددونه دون حاجة لملكية فكرية، ودون محاولة لتحجيمه، فالشاعر كتلة من الكلام، يحدّث به ذاته، ثم يعيره للآخرين، دون أنانية، أو نفعية، بل يسعده كثيرا أن يشاركه الآخرون أبياته، وينتشي حين يسمع قصيدته وهي تُغنّى، أو تتردد على ألسنة الناس.

الشاعر لا يموت، حتى ولو فُني جسده، ودُفن في قبره؛ لأن القصيدة التي تركها ـ كإرثٍ لمن بعده ـ تظل حية، ولأن كلماته تظل كـ (وقْف) لا ينتهي أثره، فكم من بيت نردده لامرئ القيس، أو لحسان بن ثابت، أو للمتنبي، أو لأبي تمام، أو لمحمود درويش، أو لنزار قباني، أو لغيرهم، نردد أبياتهم وكأنهم يعيشون معنا، يتحركون، ويثيرون مشاعر الشوق، والعشق، والحماس، والفخر، نعيد ما قالوه ذات انفلات عن نواميس الكون، والخيال، ونعيش معهم، وبينهم، ونمتشق سيف قصائدهم كلما أردنا أن نستشهد بموقف لا نستطيع التعبير عنه نثرا، وكلما حنّت قلوبنا لحبيب، أو عنت نفوسنا لمكان، أو زمن نقترض كلامهم دون وعي أحيانا، ونقول على لسانهم ما نود أن نقوله بألسنتنا.

الشعر هو الخلود، هو تلك العشبة التي كان يبحث عنها (جلجامش) بين أطلال الزمان، والمكان، دون أن يصل إليها، هو تلك (اليوتوبيا) التي تعيش فيها الكلمات، وتتناسل فيها اللغة، وتتزاحم فيها مراكب الفجر، وفلوات الفرسان، دون أن يقطعوها، فهو ـ أي الشِعر ـ بحور مترامية الأطراف، لا يمكن أن يقصيها الشعراء، ولا أن يصلوا إلى أبعادها القصيّة، ولذلك يكتفون بالسير بين المجرات، باحثين عن المفردة، وتائهين في ملكوت الخيال، علّهم يجدون ما يسدّون به رمق القصيدة، أو يعيدون تشكيل خرائط القلب، ولذلك تجدهم في غيابات النفس باحثين عن أنفسهم.

هكذا هو الشعر، هكذا هو الشاعر، فارس وحصان، خيّال وخيال، عالم واسع من الجمال الذي يتوالد كلما شعرنا بنهايته، فأي ماء هذا الذي يظل منسكبا من أعلى الزمان، مناسبا كعينٍ جارية، يسقي قلوب العاشقين ولو بعد الآف السنين؟..

كونوا شعراء أيها الشعراء، لعلكم تخلدون.