كم تَكذب في سكوتها المدينة

12 أبريل 2026
12 أبريل 2026

(1)

ما النَّوم إلا انعدام وجاهة أسبابٍ ومهِمَّات أخرى.

(2)

كل هذا البحر تسويغٌ مُربَك لمركَب غريق واحد فقط.

(3)

والله، لم أكن أدري أنكِ كنتِ هناك في كل ذلك الوداع القاسي والطَّويل.

(4)

كل شيء يفتك بك، حتى الفكاك.

(5)

النسيان موهبة عظيمة لمن لا أستطيع إلا أن أتذكرهم.

(6)

النهار أفقيٌّ، والليل عموديٌّ، والموت حلزونيٌّ، والكتابة اسطرلابيَّة.

(7)

يسامرونني في المخاتلة، وأُطيح بنفسي (في أثناء ذلك).

(8)

أسوأ أنواعه: موتٌ يريد أن يعيدك إلى طُرقاتٍ ميِّتة.

(9)

في أحد أبعادها، الكتابة تصفية حسابات مع الأنا، والآخر، والأحياء، والأموات، وما استجد من أعمال (لكن ليس بنفس الترتيب بالضرورة).

(10)

غير أنه لم يعد هناك ما يمكن أن يتهشَّم.

(11)

في تجربة السِّجن لم يكن يريد أن يتعلَّم أي شيء من أي أحد، ولا أن يُعلِّم أي أحد أي شيء (هو الذي كانت قناعته ولا تزال أن ليس لديه ما يمكن أن «يعلِّمه» أي أحد إنْ في السِّجن الصَّغير ذلك، أو في السِّجن الأكبر هذا).

كان من الواضح، منذ البداية، في تلاسنات، ومشاحنات، وعراكات الزِّنزانة المكتظَّة بحوالي ثلاثة أضعاف طاقتها القصوى، وفي جبروت السَّجان، أن الوقت متأخر في ذلك على الجميع وعلى الأشياء، بما في ذلك الرِّوايات التي كان قد قرأها عن السّجن، قبل أن يدخله (والتي بعضها يُرَمْنِسُ السِّجن بصورة يدرك الآن أنها مضلِّلة)، بل أراد أن يتقبَّل حقيقة أنه موجود في الزِّنزانة لكن من دون أن يكون سجينا.

وفي هذه الليلة، بعد سنوات من تلك التجربة، حين يتذكر، يعتقد أنه نجح في ذلك.

(12)

قالوا: «سيحضرون جثمانه بعد قليل من المستشفى».

وبعد أن دفنوه قالوا: «رحمه الله».

أنْسَنَتْهُ اللغة وحدها بعد أن صار تحت التراب.

(13)

انتبه جيِّدا يا هذا: القارئ ليس مضطرا لك، تماما كما أنك لست في وارد الاضطرار له. ولذلك فإن على الكتابة أن تكون تحَرُّرا من كل الاضطرارات.

(14)

من لي بابتسامة صغيرة كأصابع نخلةٍ نحيلة منذ صلاة الغياب وحتى اللحد؟

(15)

أُغمي على الباسقات، في هذا الفجر، عند شعر رأسكِ القصير.

(16)

لا أقتفي أثركِ (على الرغم من أني لا أزال لِصَّا وقافرا معا).

(17)

كل هذه السنين وشبح ذلك الطفل الذي لم أُرِد أن أعودَه يطارد نفسه. يا له من مسكين.

(18)

يغيب التِّذكار حينَ... كلا، لا يغيب التذكار حينا.

(19)

يتحدَّد المصير، في حالتكِ وحالتي، بوجهة لا تليق إلا بالتَّبرؤ والنُّكران.

(20)

ما الذي يعنيه البحر؟

كم أثخنَّا في أولئك الغرقى، والطيور، والنُّجوم، والغيوم.

(21)

الذين ماتوا لا يزالون هناك («الذين كانوا/ كانوا»، قاسم حدَّاد).

(22)

ليس في معارك الأمس الطَّاحنة، ولا يتطرَّف في الحياد المطحون اليوم إلى أن يجيء الموت وتدوم الفضيحة في الذِّكر بأكثر مما يبقى هو على الأرض، وكأنه يكتب و/أو يقرأ هذا: «لكن يدي أحدهما كانتا قد أطبقتا على حنجرة «ك»، بينما أوغل الآخر بالسِّكين في قلبه وأدارها مرتين.

وبعينين ذاويتين كان «ك» لا يزال قادرا على رؤية كليهما أمامه وخدُّ كل منهما يلامس خد الآخر وهما يشاهدان الفعل النِّهائي.

«مثل كلب»، قال «ك» لنفسه. كان الأمر وكأنما على العار أن يبقى حيَّا بعد موته» (كافكا، «الفقرة الأخيرة من المحاكمة»، ترجمتي عن النسخة الأكاديميَّة الإنجليزيَّة المعتمدة من «كلاسيكيَّات شوكِن» في مؤاخذة لأربع ترجمات عربيَّة اطَّلعت عليها لكل من نبيل الحفَّار، ومحمد أبو رحمة، وسماح الجلوي، ويوسف عطا الطريحي).

(23)

الوقت قصير جدا في كل صباح، ويكون ضربا من ضروب الخِدع السِّينمائيَّة في كل مساء.

(24)

الحب صُوَر، وهو من تمرئياتِ «غيبٍ» ليس أصله «الغيبيَّة» الواقعة. - أي تلكم التَّمرئيات - في عالم المُثُل، والصُّورة هي الأصل (من دون أن أضطر لتقديم أي اعتذار لأفلاطون، المثالي الأعظم على الإطلاق).

(25)

في مكانٍ ما من الحياة، من القيامة، من أحد القبور: أنا وحدي.

(26)

لا أصدقاء حين التَّفكير في الذهاب إلى الحانة. لا أصدقاء قبل الدخول في الحانة. لا أصدقاء أثناء الوجود في الحانة. لا أصدقاء بعد الخروج من الحانة. وأترك الحانة مليئة بالخمر، والذكريات، والأصدقاء.

(27)

- وحين تموت بعد كل هذا، كيف ستكون صورتك أمام الناس؟

- سأتفكر في سؤالكِ بعد أن أموت، وبعد أن تكون لك صورة.

(28)

اللهم يا ربي في ظلمة الليل ووضح النَّهار قارِب بين صدرها وصدري كما تُقارُب بين السماء والأرض. وفي النهار لن يفطن للمرء أي أحد.

(29)

تعالوا كيلا نودِّع هذا الشَّهيد (لنسمح له أن يودِّعنا).

(30)

الحياة ركيكة في مأدبة المثقَّفين (اضطرارا، البارحة)، و«الحال عند الأكابر لا يُعَوَّل عليه» (ابن عربي، في كل يوم وليلة).

(31)

أنتظركِ (دوما) عند الحافَّة (بالضبط).

(32)

لا أُحْسِنُ الموت في حضور كل هذه الهياكل.

(33)

أيتها الشمس: أنت هاجعة في كل يوم، فلماذا تستيقظين في هذا اليوم تحديدا؟

(34)

أعرفهم جيِّدا: يتساقطون شهداء في هذه الجِهَة، بينما القتال يدور على تلك الجبهة.

(35)

أيها الماضي: عُد كي لا أنساك؛ فذكريات أخرى بعدك تجيء في كل يوم.

(36)

ها هي نظريَّة التَّاريخ تصير أكبرُ أو أصغر من التَّاريخ. لكن، إلى أين يذهب التَّاريخ نفسه؟

(37)

الناس طبيعة و«طبيعة»، والحريَّة اختراع شخصيٌّ يفوق الطَّبيعة دوما.

(38)

الهجر على قدر القلب، وليس بحجم المسافة.

(39)

يتحاربون بسبب المطر، ولا يصطلح حالهم في الصَّيف القادم.

(40)

الحياة شيء غريب (أليس كذلك)؟ وسيكون أكثر غرابة (أليس كذلك)؟

(41)

كم تكذب في سكوتها المدينة.

عبدالله حبيب كاتب وشاعر عُماني