قَص.. وقوف على الأطلال

26 أبريل 2026
26 أبريل 2026

1. ملحمة

انتشرت الأخبار من وكالات الأنباء. تسارعت الأقمار الصناعيَّة في بث الأمر عبر الفضاء. غَدَرَ الحلفاء بالحلفاء. لم يتَّفق الرِّفاق مع الرُّفقاء. اجتمع الرُّفقاء والفرقاء مع الأعداء. أيقظت الحماسة كل القصَّاصين، والنُّقاد، والشُّعراء. تدخَّل أولو النيَّة الحسنة والخبيثة من الوسطاء. نُفِخت كل الأبواق الحكيمة والرَّعناء. رفرفت الرَّايات في كافة الأرجاء. جيء بالصِبية، والشَّباب، والحمير، والجِمال، والخيول العرجاء. وُزِّعت المفاتيح البلاستيكيَّة التي ستفتح أبواب الجنَّة للمقاتلين الشُّهداء.

ذهب الجنود إلى الحرب، ولم يعودوا.

2. إعدام ميداني

كانت الاشتباكات الطَّاحنة تدور بالأسلحة الخفيفة، والمتوسطة، والثَّقيلة في النَّاحية الأخرى من البلاد، لكن أخبار تلك الحرب كانت تجد -وإن كانت مبتورة رقابيًّا، ومتناقضة منطقيًّا، ومستحيلة عقليًّا- طريقها إلى كل بيت.

ثم، فجأة، دوى الصُّوت مجلجلاً في الحانة التي أنا من مرتاديها في كل ليلة: «طاخ، طاخ، طاخ، بُمْ، بُمْ، بُمْ»!

وقد أسهبت كافة وسائل الإعلام، في اليوم التالي، في الحديث التَّفصيلي عن الظُّروف الميدانيَّة المُعَقَّدة، والضرورات العمليَّاتية الصَّعبة، والمقتضيات اللوجستيَّة الحرجة، التي تدعو إلى قتل النَّاس وهم في طور التثاؤب بسبب الخمر أو غيره.

3. هزيمة

القائد العظيم المزدان صدره بالأوسمة، والميداليَّات، والنَّياشين، أعلن الحرب على الأعداء الذين يهددون الوطن، وأمنه، وسلامته. قال ذلك في تصريح تلفازي استمع إليه المواطنون وشاهدوه، وارتعدت له الفرائص، ثم زَحَفَ الجيش.

الجنديُّ الذي مزَّقه الرَّصاص في تلك الحرب، ولم يُعثَر على جثَّته، له أمٌّ وأب (ماتا قبل اندلاع الحرب)، وزوجة، وولدٌ يعاني من مرض التَّوحُّد، وذكريات، وأصدقاء، ولم يكن يقصد أبداً أن يجعل القائد العظيم منتصراً في الحرب.

لكن القائد العظيم عاد منتصراً من الحرب.

4. حريق

أطلقوا الكلب البوليسي نحو هضاب عالية في آخر المدينة، حيث يوجد مبنى شامخ ومهجور يُشتبَه أن الجريمة قد ارتُكِبَت فيه. عاد الكلب حاملاً لسانه المقطوع بين أسنانه.

وفي الوقت نفسه، اندلع حريق هائل في القمر كانت مصدره هضاب عالية في آخر المدينة، فأرسلوا سيارات الإطفاء والإسعاف إلى الشَّمس.

5. جنود

قُبيل شروق الشَّمس أدرك الصف الأول من القادة حجم المؤامرة الدنيئة التي حيكت بحق الوطن بدعم من جهات أجنبيَّة. أصدروا أوامرهم العاجلة. غادر الجنود ثكناتهم على عجل وهم مدججون بالأسلحة. ملأوا السَّاحات والشوارع والميادين إنْ راجلين أو في الدبابات والعربات المدرَّعة، وسدَّوا كل زاوية يجب سدها، وأغلقوا كل مكان يتعين إغلاقه بما في ذلك أنابيب مياه الشُّرب والصرف الصِّحي، بينما كانت الطَّائرات المروحيَّة تحلِّق فوقهم. اقتحم الجنود البيوت، والشّقق التي في البنايات، والمكاتب، ومزارع الخضار والفاكهة والدَّجاج، والمصانع، والجامعات، ورياض الأطفال.

في المساء، عاد الجنود إلى الثّكنات.

6. أثينا القديمة

رأيته عدة مرَّات حين أصبح من سكان الحيِّ المؤقَّتين في أول الشتاء. كان يغني، ويرقص، ويقهقه وهو في وضعٍ جسمانيّ حَربيّ طُرواديٍّ. وكان يبدو، في ذلك الوضع، أن مهمته المقدَّسة الوحيدة في الحياة، حسب أوامر آلهة الأولمب، هي حراسة عربة التَّبضُّع الإسبارطيِّة التي لا بد أن يكون قد «صادرها» من موقف السيارات أمام محل السوبرماركت الضَّخم المجاور. وفي تلك العربة كان هناك عتادٌ هائلٌ يشبه الثِّياب الغابرة، وآلة غيتار من غير أوتار، وصفحات نوتات موسيقيَّة مهترئة، وفي إحدى زوايا العربة كانت تنام رائحة أمِّه.

كان يرشف بِزُهْدٍ اضطراريٍّ، حسب الظَّن الحَسَن، حساء بارداً مخلوطاً بماء المطر من كوب كوكاكولا ورقي. ومع كل رشفة يتجشَّمُها، كمن عليه أن يتجرع كأس سقراط، كان يشتِمُ أُمَّهُ، والحساء، والعالم، والمطر، وسقراط أيضاً.

بعد بضعة أسابيع تذكرتُه فجأة في منتصف ليلة انخفضت فيها درجة الحرارة إلى ما تحت الصِّفر، فهرعتُ خارجاً ببطانيَّتي المُزدَوجة الثانية المخصَّصة احتياطاً للضيوف. لكنه لم يكن هناك. ما كان هناك بدلاً منه عربة تَبَضُّعٍ مقلوبة، وأسمال على الريح، وإسفلت من عظام القطط والأشباح الطُّرواديَّة، ونوتات موسيقيَّة تسبح في الصمت، وبقع دم متناثرة، وآلة غيتار قديمة كاملة الأوتار، وأضواء تبرق كالأسماك في حوض الليل، وخصلات شَعْرٍ دامية مهروسة في بقايا فروة رأس.

7. ظلال

تداعى علينا السَّحرة، ووحيدو القرن، والمشعوذون، والخيول، وأولئك الذين ألهموا كتب الرُّسل، وألوان الجمر وقوس قزح، والفيَلة، والعَرَّافون، والفئران، والخيميائيُّون، والكُتبُ الصفراء والحمراء، والديناصورات، وتسريبات الرَّماد والصحافة، والتَّنانين، والأنبياء، والزَّرافات، والملائكة، وبنات آوى، والشَّياطين. كان ذلك كثيراً جداً.

وحين اكتمل اجتماعهم، أمرونا مزمجرين: «هيا، اخرجوا من هنا»!

لكننا لم نهتم أبداً بذلك، وخرجنا.

8. انتظار

قال الأول الذي كان يرشف كوب شاي ساخن أحمر مع سكَّر زائد ونعناع في المقهى الواقع في أول الحي وهو يهرول نحو الثاني الذي كان يرشف جعة باردة في آخر حانة على بعد ثلاثة أو أربعة أحياء: «آه، سقطت السَّماء الأولى في الليل».

وقال الثاني وهو يعدو نحو الثالث الذي كان يتلمظ شيئاً من المشروبات الغازيَّة في نقطةٍ ما على قارعة الطريق السَّريع الذي يطوِّق المدينة: «ياه، أُسِرَت السماء الثَّامنة عند الفجر».

أما الرابع، فلم يقل شيئاً للخامس حين وصل إلى المقبرة التي كان يقهقه فيها السَّادس.

9. وقوف على الأطلال

أعلنوا الوحدة فيما بينهم لأسباب واضحة تتعلَّق بروابط الدَّم، واللغة، والدِّين، والتَّاريخ، والمصير، وغير ذلك مما تقوله نصوص مادة «التربيَّة الوطنيَّة» في المقرَّرات الدِّراسيَّة.

وفي أثناء ذلك أنشأوا أيضاً أجهزة الأمن، والسّجون، والإذاعات، والمحطَّات التلفازيَّة، والصُّحف اليوميَّة، والمجلات الأسبوعيَّة والشهريَّة وربع السنويَّة.

ثم استوردوا أحدث الأسلحة وأشدها فتكاً من نِصفي الأرض، وأسوأ آلات التعذيب من القرن الأول قبل السابع عشر، وذلك بغرض تحرير الأراضي التي احتلها العدو الغاشم، وإعادة الاعتبار للأجيال الماضية، والمعاصرة، والقادمة.

وفي أحد الأيام كانت قطعان الإبل، كعادتها، تسرح، وتمرح، وتأكل، وتشرب متنقلة بين المراعي الخصبة وكثبان الصَّحراء الممتدة.

وفي ذلك اليوم أعلنوا الحرب.

عبدالله حبيب كاتب وشاعر عُماني