قبل أن يذوب الآيس كريم
21 يوليو 2026
21 يوليو 2026
قبل فصلين صيفيين هنا في مسقط، يقابلهما فصلان خريفيان في ظفار كتبتُ مقالا بعنوان «باص وردي يبيع آيس كريم». أعود في هذا الفصل المسقطي الملتهب بدرجات حرارة لم نعهدها من قبل بهذا الارتفاع ليس إلى الباص الوردي، بل إلى الآيس كريم، ولكن من زاويتين مختلفتين، الأولى تتعلّق بذكرياتي في الطفولة مع أول قالب معدني لمكعبات الثلج Metal Ice Cube Tray أخرجتُه من مطبخ أمي، مقسمًا إلى عشرة مربعات متساوية. أما الثانية فكانت في صباح مسقطي حار، وعقارب الساعة تشير إلى العاشرة وخمسٍ وخمسين دقيقة، قبل الوصول إلى مُتحف بيت الزبير، حيث استقبلتني الدكتورة الصديقة الباحثة منى السليمي، وأجدها تشدني إلى قاعة النهضة بالمتحف، حيث نُصبت عربة لبيع الآيس كريم، فعرضت عليَّ تناوله، في يوم مخصص لديهم للآيس كريم Ice Cream Day.
فتح بيت الزبير بابًا واسعًا للذاكرة، على مرحلة من العمر شكلّت الوجوه والحكايات، فأخذت الذاكرة تنثال منها أول مشروع تجاري فكرتُ فيه وأنا طالبة بالمدرسة.
قلت لأمي: سأبيع الثلج!
نبعت فكرة بيع الثلج من علب الآيس كريم التي كان يعرضها متجر سبينس في مدرسة الرباط (السلطان قابوس حاليا) التي افتتحت في عام 1974م. كانت إجازة الصيف متنفسًا للتعبير عن الهوايات الشخصية، واكتشاف المهارات. لم تكن لديَّ فكرة عن البيع أو الشراء، لكن تفكيري كان يتجه إلى كيفية إدارة الوقت.
بدأت فكرة بيع الثلج طارئة وربما مزعجة لأمي، فالآيس كريم الذي كانت تعدّه لا يشبه الآيس كريم الذي نعرفه اليوم في المتاجر العالمية، بل كان آيسكريمها عبارة عن عصير الورد والفانيليا يُمزجان بالماء والحليب ويُصب الخليط كله في المكعبات، وبعد التبريد في الثلاجة يُتناول في محيط عائلي دافئ. وعلى الرغم من محاولتها إفهامي، إلا أنني لم أقتنع، وكان السبب وراء ذلك هو رغبتي في استثمار الإجازة الصيفية في البيع مثل بنات المدرسة، اللواتي كُن يبعن الحلويات والبسكوت والفشار في الشارع بين البيوت في منطقة الحصن.
بالطبع لن تقتنع أمي بالفكرة، لأنها تعرف أنني لست على دراية كبيرة بأمور التجارة البسيطة على الرغم من حفظي لجدول الضرب. كنت أظن أن حفظ جدول الضرب يكفي لإدارة مشروع تجاري صغير، لكنني اكتشفت أن التجارة تحتاج إلى شيء آخر اسمه إقناع الناس.
يظل استثمار الوقت في إجازة الصيف شكلًا من أشكال اختبار قدرة الذات على التفكير خارج الصندوق، ومعرفة معنى التحمّل والصبر. كانت الإجازة تبدأ بانتهاء الامتحانات وتسليم النتائج والشهادات. ومفردات الحياة الاجتماعية بسيطة؛ إما زيارة الأهل والأرحام، أو الذهاب في رحلة سياحية مع العوائل لزيارة أعين الطبيعة الخلابة في ظفار كعين حمران وأرزات، وكانت زيارة مرباط أجمل تلك الرحلات. كما كان يتخلل الإجازة بعض الألعاب الشعبية التي يمارسها الأولاد والبنات والشباب، وأهمها في منطقة الحصن وسككها، سجّلها عمير العشيت في كتابه (منطقة الحصن في ظفار ذاكرة وطن)، وأُشير إلى الألعاب التي كنتُ ألعبها أو أتفرج عليها مع أقراني، مثل: اليوس، الدحرجة بالعجلة، شد الحبل، القريع، خلانة، السباق، أغطية البطارية، الطاب، الخط والشير، المغمض، البكاكير، بيتكم جديدة وشار، طباقة، الطائرة الورقية، والمطويحة.
في ذلك اليوم بعدما أقنعت أمي إنني سأبيع الثلج مع البنات، علقت قائلة: «أنت ما تعرفين تبيعين، إيش يجلسش هناك تتقاتلن مع بنات الحصن؟» لم أهتم بكلامها، كان ثمة صوت داخلي يدفعني إلى خوض المغامرة.
خرجتُ من البيت، وافترشتُ كرتونة، وفي يدي الأخرى حافظة الثلج الوردي. لم أزاحمهن، لأنهن عندما رأينني همهمن ببعض الكلمات التي فيها «دغل» فلم يُعجبهن وجودي، فحسب تصورهن أن الشارع لهن وصار يُعرف بهن. جلست في آخر الصف، وبدأ الأطفال يتزاحمون نحو الثلج. كنتُ أبتسم، لم أفكر في معنى برودة قالب الثلج الملون؟ ولا كيف سيغيّر الطعمُ مذاق اللسان، ولا كيف سيكبر مشروعي الصغير من قطع الثلج إلى كوب الآيس كريم كالذي شاهدته في متجر المدرسة، وعلق بذهني؟ كل ما فكرتُ فيه كان سعادةً غامضة... ففكرة استثمار إجازتي قد نجحت، وهذا يحفزني ليوم جديد من الحياة اليومية الناجحة.
لهذا، عندما عبأت علبتي بنكهتين من الآيس كريم في قاعة النهضة، وتحركتُ مع مضيفتي إلى قاعة بيت الدلاليل، عادت خواطري إلى تذكر موقع الثلاجة في متجر المدرسة، والأرفف التي تصطف فوقها ألواح ماركات الشوكولاته الفاخرة، والبسكويت، والعلكة. سحبتُ الملعقة الأولى من نكهة الآيس كريم المُزّينة بقطع صغيرة من المانجو والتوت والرمان، محاولة استرجاع الطعم الذي في الطفولة، لكنني لم أجده، فأدركت أن الآيس كريم لم يكن يُباع في الدكاكين، ولم يكن شيء يُشبهه أبدا، بل كان يُمثّل رمزًا لمرحلة في حياتي، وخيوطًا متداخلة، بدأت بفكرة مشروع تجاري لبيع الثلج، إلى طموح في صناعة الآيس كريم، ومن مدرسة غرست فينا حب العلم إلى تأمل في مخزون ألعاب شعبية تشكل ثقافة ناعمة مؤثرة، هكذا كانت طفولة جيلنا تتشكّل.
اليوم تغيّرت النكهات، وتغيّرت الثلاجات، وكبرت متاجر الآيس كريم، لكن شيئًا واحدًا لم يتغير؛ أن أجمل طعمٍ لا تصنعه الفانيليا ولا التوت ولا المانجو، بل تصنعه الذاكرة.
لذلك ظل طعم الآيس كريم في الثلاجة الزجاجية المستطيلة، وبسعر تستطيع طالبة في المرحلة الابتدائية أن تدفعه من مصروفها. لم أكن أقطع مسافات لشرائه، كنت أخرج في الفسحة وأجر قدمي إلى متجر المدرسة، وبمجرد أن أدخله أتجه وأفتح باب الثلاجة العامرة، أختار ما أحب. وقبل أن أعود إلى الصف، كان الآيس كريم قد أُكل في الطريق قبل أن يذوب.
آمنة الربيع باحثة أكاديمية متخصصة فـي شؤون المسرح
