في أثر الماء: شخصيات متأزمة، وحكايات مستعادة

25 يوليو 2022
25 يوليو 2022

غلاف رواية تغريبة القافر

تحتفي رواية (تغريبة القافر) لزهران القاسمي الصادرة عن مسكيلياني للنشر والتوزيع عام 2022م بسيرة القرية، وتأخذ من بلدة المسفاة فضاء رئيسا لانطلاق الأحداث إلى فضاءات أخرى مشكّلة منها أحداثا جديدة في العمل السردي. وإذ تسلّط الرواية الضوء على عوالم القرية فإنها تهتم وتعكس صورة الحياة فيها، وثقافة المجتمعات، وطبائع الناس وسلوكياتهم وملامح وجودهم الدائم؛ فترسم ارتباط الإنسان بالجبل والماء والمزارع والحياة اليومية والفقر والجدب والحكايات والأساطير.

تنطلق الرواية من بلدة المسفاة، وتأخذ القارئ معها في صوت ممتد في الآفاق يفتتح به الراوي فصول روايته قائلا: "غريقة.. غريقة.."، ومعه يبدأ المشهد الأول مقدّما حكاية الغريقة وسيرة الماء: "ارتفع صوت الطارش في بلدة المسفاة وهو يطرق الأبواب ويصيح بالناس: "غريقة.. غريقة.. حدّ غرقان في طوي لخطم..".

إنّ البلدة التي هي مسرح لأحداث الرواية فضاء يضجّ بمقومات الحياة: بشخصيات عدّة محملة بطبائع مختلفة ومصائر محدّدة يصنعها الراوي، وبأمكنة محدّدة داخل فضاء القرية تشكّل الشخصيات وتحدّد علاقتهم بالأرض، وبمسارات زمنية رُسمت في التشكيل السردي وعملت على مدّ الشخصيات بحكايات زمنية؛ لذا فإنّ فضاءات القرى عادة ما تكون عوالم حكائية خصبة، تدور أحداثها في دوائر متشابهة يربطها الفعل البشري، وعليه فإنّ الرواية تشتغل على هذا المفهوم في بناء الصورة العامة للمكان وتخيّل الأحداث، وليس غريبا أن تضجّ الرواية بما نقلته عن واقع القرى بهذا الكمّ الهائل من الحكايات أو تعدّد الشخصيات.

يفتتح الراوي الفصل الأول جامعا عددا كبيرا من شخصيات في القرية، محاولا من خلالها الدخول إلى الجوّ العام للرواية، ومنطلقا منها في بناء الأحداث، وتحديد مصائر الشخصيات، فنجد شخصياته التي ينطلق منها تحمل دلالات معينة ومهارات محددة يقتضيها النص، فنجد: الطارش، والقابلة، والمداوي، والرحال الطبيب، والرجل القوي، وذا البصر الثاقب، والشجاع، والخيّاطة، والبيدار، والفقيه، ورجالا آخرين في القرية، إنها شخصيات اقتضى وجودها لا سيما في الفصل الأول بمهمة الافتتاح السردي ومن ثَم الانطلاق في جوانب مختلفة لأحداث الرواية فيما بعد.

إنّ القارئ لتغريبة القافر يجد فيها تأزّم الشخصيات، وأنها تعيش حالة من الاغتراب والقطيعة مع الذات أحيانا ومع الآخر أحيانا أخرى، وأنّ هناك فتورا في العلاقات فيما بينها، وحميمة كبرى عند بعضها الآخر. تعيش شخصيات الرواية مراحل مختلفة من هذا الصراع بين الحب والفقد، والحنين والغياب، وتشكو الاغتراب الداخلي والحزن والضعف والمرض ليقدّم الراوي صورة معبّرة عن أغلب شخصياته، المسكونة بالضعف أو الباحثة عن المجهول، ويحكي عن ماضيها ويعيده إلى لحظة السرد رابطا بين حالين اثنين لكل شخصية، فبعد حادثة "غريقة البئر" على سبيل المثال يستطرد الراوي عائدا إلى الوراء، ساردا سيرة "مريم بنت حمد ود غانم" ومفصّلا في ذكر الاسم بالكامل كون الاسم شائعا في القرية، وفي إحدى عشرة صفحة يسرد الراوي عن شخصية مريم وعن زوجها ومرضها رابطا بين حدثه الرئيس المتمثّل في حادثة الغرق وبين ما سيأتي من أحداث تشهدها الرواية.

وهكذا في أغلب فصول الرواية يتدخل الراوي معرّفا بشخصياته، ومقدّما إياها للقارئ، فها هو يقدّم شخصية "آسيا بنت محمد" وحكاية موت أطفالها عنها ورحيل زوجها "إبراهيم بن مهدي" إلى مسقط وتركه لها وحيدة حتى لحاقها به في أكثر من عشرين صفحة، ويقدّم شخصية "سلام ود عامور الوعري" في أكثر من اثنتي عشرة صفحة، وفي الفصل السابع من الرواية يسرد عن شخصية "عبدالله بن جميل" وعودته إلى البلدة باحثا عن أموال والده التي تركها برحيله عن البلدة باعتبارها شخصية لها ارتباط مهم بحادثة الغريقة وبأحداث القافر فيما بعد.

هكذا يغوص الراوي في بواطن الشخصيات ويستخرج منها الحكايات ويعمل على إنتاجها واستعادتها من جديد، فيستخرج قيم الحب القديم بين "كاذية بنت غانم" وبين "سلام ود عامور الوعري" في ثنايا سرده، ويستعرض لحظات الفراق والشوق المتمثلة في "آسيا بنت محمد" وزوجها "إبراهيم بن مهدي"، كما يعرض لحظات الحب والغياب بين "سالم بن عبدالله بن جميل" وزوجته، ولحظات الصراع بين شخصيات البلدة وتبدّل أفعالهم واختلافهم فيما بينهم.

بل إنّ الراوي يصبح عليما بثقافة الواقع ويحيل عليها، ويجعل من شخصياته عليمة أيضا بها؛ إذ تظهر ثقافة سالم في "قفر الماء" وتتبع مجاري الأفلاج، وعلمه بنظامها وشقها وجريانها وتظهر مهارته خاصة عند مشهد احتباسه في الفلج.

إنّ شخصيات العمل الروائي متنوعة وعلى قدر جيد بثقافة المنطقة، كما إن لكل شخصية طريقة وأسلوبا في معايشتها لحياتها في القرية، وعليه فإنّنا نجد أن الشخصيات تقوى ملامحها وتفتر في مجريات الأحداث بحكم مرور الزمن، كما إنها تقدّم ارتباطا وثيقا بالحكاية الشعبية في غير موضع وهو ما استندت عليه الرواية في سير الأحداث، ففي غير موضع تنقل لنا الرواية على لسان شخصياتها إيمانها الشديد بالأساطير والحكايات الشعبية الدارجة والعلاجات التقليدية؛ ففي ذكر حادثة غرق "مريم بنت حمد ود غانم" يذكر الراوي أنها تداوت من الشقيقة بكيّ رأسها بعد أن سمعت نصيحة "حمدان المداوي"، أما أهل القرية فتداولوا الحكايات عنها و"قالوا عنها إنها مجنونة، وقالوا أصيبت بالحسد لجودة صنعتها، والبعض أكّد أنّ ساحرة دخلت بيتها وسقتها شيئا بدّل حالتها". (ص25)

وعلى ما يبدو إنّ شخصيات الرواية/ القرية تستسلم لهذه الحكايات وتؤمن بها إيمانا يصنع منها ثقافة ومرجعية؛ إذ إنها وردت في أكثر من موضع وأكثر من حكاية بصيغة التأكيد والإقرار، ففي حكاية "آسيا بنت محمد" وموت أطفالها فإنها "تتذكر أنّ إحدى العجائز قالت لها: خصيبة بنت مبروك سحرت زوجش". (ص52) لذا فإنّ إيمانها الشديد بمثل هذه الحكايات جعل منها "ومن باب الحرص سمّت طفلتها الأخيرة شنّة، إذ خافت أن تختار لها اسما جميلا فتموت، فقد أخبروها بأنّ الأسماء الشائنة تمنع الحسد وتحرس الطفل من العين.

ثم علّقت حرزا في رقبة الطفلة وربطت حرزا آخر في زندها، ووضعت ثالثا في خلخال رجلها. وكان كل حرز لغاية ما، واحد لأم الصبيان وآخر لعين الحسد وواحد لعين الفرح.

واستخدمت آسيا الكثير من البخور، بعضه للنهار وبعضه للّيل، وهو في المجمل لبان وصمغ وحرمل ودقة ومخلّط من أشجار الجبل لطرد الجن من البيت. تبخّر آسيا المكان وهي تتمتم بالتعاويذ والأدعية.

نذرت النذور وذهبت إلى قبور الصالحين فوضعت نذورها كما أوصوها بيضا فاسدا وبخورا وقطع نقود معدنية وبعض الفضة ومزقا من ملابس الطفلة. وزارت عيون الماء حيث ترمى قطع الحلوى حول المنبع وهي تقول: "يا عين زولي العين عن شنّة بنت آسيا". وتكرّر تعويذتها وهي ترمي الحلوى عند جنبات العين. فعلت كل ما بوسعها وهي ترقب طفلتها تذوي مع الأيام، لم تترك حيلة إلا وقد جرّبتها علّها تنجح في إيقاف ذلك التدهور الذي يهدّ جسد الطفلة.

لكن الموت لا تمنعه الطلاسم عندما يجيء، فلا الاحتراز ولا الطب يقيان منه، ولا الأسماء الشائنة تبعده عن ضحيته. ولذلك بعد أن صارعت طفلتها المرض مدة، أسلمت روحها لبارئها وتركت وخزا عميقا في صدر أمها، وما أشد معاناة من يقف عاجزا أمام الجائحة وهي تأخذ كل ما في طريقها". (ص53-54)

هنا يتضح التداخل العميق بين السرد وبين المعتقد الذي يبني نصا ممتزجا بالتصديق لما هو سائد على ألسنة الناس. لقد اشتغلت الرواية على الجمع بين الصراع الداخلي للشخصيات وتبدّل أحوالهم وبين حكاياتهم الشعبية وثقافتهم وموروثهم، فصنعت شخصية القافر من تتبّع أثر الماء عوضا عن تتبع أثر الأقدام، فقد تشكّل هاجس القافر الأكبر من الماء الذي شكل ثيمة مهمة في سيرته، ابتداء من حادثة غرق والدته في البئر، ومرورا بحادثة موت والده أثناء شقّه الفلج، وانتهاء بحادثة جرفه في الفلج واحتجازه داخله. لقد اشتغلت الرواية على شخصية القافر وجعلت منه معادلا لكينونة الماء، وبتعبير الراوي "كلما اتسعت رقعة الزمن وطالت حكاية القافر زاد الناس فيها الكثير حتى صارت تشبه الأساطير التي تناقلها الرواة عن أسلافهم". (ص210) ما يشير إلى ارتباط الشخصية بثيمة الماء وأنهما قرينان تتسع بهما الأحداث والحكايات والأساطير، وتتداخل الحكاية الشعبية مع الشخصية الرئيسة والعمل على استعادتها في السرد وتشكيلها وفق الواقع.

لقد أنتج الصراع الدائر بين الشخصيات حركة محورية في السرد، وجعل القارئ يتنقّل في مواضع عدة باحثا عن أصوات سردية تحمل الوجع والذاكرة الإنسانية في مخيلتها، وجعل النص السردي يعبّر عن ثقافة شاملة أساسها الماء وهويتها المكان. إنّ تغريبة القافر صورة حيّة للواقع، ولوحة إنسانية تعيد إلى النفس الأمل الذي ينشده الإنسان في سيره على هذه البسيطة، وإنّ صورة القافر في الرواية هو صورة الباحث عن الحياة المتمثلة في الماء. وإنّ عملية "القفارة" قائمة على تتبع الصوت والأحاسيس الداخلية وهي التي يحيل عليها النص في علاقة تكوينية بين شخصية القافر وبين الماء، لعلّها تكوّنت منذ أول صوت بدأه الراوي في الرواية حينما صاح على لسان الطارش "غريقة.. غريقة.. حدّ غرقان في طوي لخطم..".