عيني عينك.. نهارًا جهارًا

01 فبراير 2026
01 فبراير 2026

السبت، 7 أغسطس 1993 مسقط

ينبغي التفكير بالانتحار في مكان آخر.

الخميس، 8 مايو 1997، لوس أنجيلوس، كاليفورنيا

حب؟ كلا، ليس هناك من حب!

هناك أقنعة حقيقية وصادقة للرغبة، والرغبة في التوحد (رغبة جنسيَّة، رغبة غراميَّة، رغبة روحيَّة، رغبة نفسيَّة، رغبة صداقيَّة، رغبة عاطفيَّة، رغبة رفاقيَّة، رغبة إبداعيَّة، رغبة وجوديَّة، رغبة معرفيَّة، رغبة أنطولوجيَّة، رغبة واعية، رغبة لا واعية، رغبة...، أُف، إلخ). أما الحب نفسه، أي الحب لِذاتِه (ليس بالمعنى الذي قصده سارتر، القائم نقيضًا لـ«بِذاتِهِ»، ولكن بالمعنى اللغوي والثقافي العام)، فكلمة لا معنى لها حتى عند السيِّد المسيح شخصيًا والمتصوفة المسلمين، كلهم كانوا يحاولون أن يجدوا مبررًا ووسيلة لإراقة أنفسهم، والتخلي عنها، وإضاعتها على جسر عالي العُلويَّة -جسر يقود نحو أعالٍ أعلى.

على المرء المغامرة بقول مثل هذه الفداحات ردًا على «اللباقة»، و«التهذيب»، و«المثالية» التي تَسِمُ الكلام عن الحب.

السبت، 10 مايو 1997، لوس أنجيلوس، كاليفورنيا مهيض.

الأحد، 11 مايو 1997، لوس أنجيلوس، كاليفورنيا الحياة كذبة كبيرة فعلًا. لكن المشكلة هي: كيف نثق في صدق المقولة ما دام قائلها قد مرَّ بـ«الحياة» وفيها قال مقولته؟ أليس من المحتمل أن يكون كاذبًا بدوره؟

الثلاثاء، 20 مايو 1997، لوس أنجيلوس، كاليفورنيا سئمت من كل هذا. سئمت، سئمت، سئمت!

الأربعاء، 21 مايو 1997، لوس أنجيلوس، كاليفورنيا أف!

الخميس، 22 مايو 1997، لوس انجيلوس، كاليفورنيا أبي ميت ووجهه بشوش وطيب، وهو مُمَدَّدٌّ وشفتاه مبتسمتان في خليط عجيب من الفرح والشماتة، وأرى ابتسامته بوضوح على الرغم من حلكة الليل البهيم. أنا حيٌّ وأحاول أن أحمي جثمانه العاري تمامًا من أفكاك أسماك القرش التي تكاد تتسلق جانبي قاربنا الصغير الذي أحاول في الوقت نفسه أن أفعل ما في وسعي كي لا يغرق (أقرب المقاربات له هو قارب «الشاشة» لدينا في الباطنة)، إذ تتقاذفه أمواج المحيط «الهادي» الهائجة التي أحرص، في وقائع اليقظة، على مشاهدتها من مرة إلى ثلاث مرات في الأسبوع في سانتا مونِكا.

يقول لي «جثمان» أبي بطريقة لامبالية كرهتها تمامًا واشمأززت منها بالكامل بالنظر إلى أني في وقت وظرف عصيبين أحاول فيهما أن أحمي جثمانه من أسماك القرش: «تتذكر تعوب الكحالي»؟! فأجيب بمزاج نافذ الصبر: «أيوا أبَّاه والله العظيم أتذكره»!

أفيق.

لن أذهب لمشاهدة المحيط الهادي اليوم.

الجمعة، 23 مايو 1997، لوس أنجيلوس، كاليفورنيا ليلة ليلاء، وأنا من الليالي الليلاء سئمت.

الأحد، 25 مايو 1997، لوس انجيلوس، كاليفورنيا تشارلي تشابلن ملقيًا النظرة الأخيرة على الولايات المتحدة من على سلَّم الطائرة: لقد أصابني ما فيه الكفاية من هذه البلاد غير السعيدة!

زرت اليوم بعض آثاره في هوليوود. تشابلن مبدع عظيم. كثيرًا ما ينتابني شعور أنني مثل تشابلن: مُهَرِّج حزين! لا أحد يحفل بالنظر إلى عيون المهرِّجين! فقط حركاتهم، وما في النفس يحرِّكون!

الثلاثاء، 27 مايو 1997، لوس انجيلوس، كاليفورنيا سؤال هذه الليلة كما سؤال كل ليلة: كيف سأنام الليلة؟

الأربعاء، 28 مايو 1997، لوس أنجيلوس، كاليفورنيا «تعبٌ كلها الحياة فما أعجب إلا من راغب في ازدياد» -فعلًا. كان المعِّري وافرًا، زائدًا، فائضًا، عرمرمًا. كيف يمكن أن أضيف كلمة أخرى إلى السطر - سطري-- إلا إذا كنت ناقصًا؟

الأحد، 22 أغسطس 1998، أوستن، تكسَس

اليوم، ظَهر الشجاع، المقدام، الهمام، الرئيس العربي «...» على محطة السي إن إن (CNN) متحدثًا بالإنجليزية ليقول إن العزم الذي عقدته الولايات المتحدة على ضرب العراق قد وجه بالرفض في الولايات المتحدة نفسها. وضرب على ذلك مثال مقاطعة الطلبة المعارضين للحرب حديث وزيرة الخارجية مادلين أولبرايت وزميلها وزير الدفاع الأمريكي وِليَم كون في جامعة أوهايو ستيت وإحراجهم لهما، مضيفًا: «أنا بنفسي شاهدت ذلك على السي إن إن»! (ومن مشاكل هذا الرئيس الهمام أنه دائمًا يتعرف على أحداث السِّياسة الدوليَّة من طريق محطة السي إن إن «التي منها يأتيك الخبر اليقين»؛ فعبر هذه القناة تابع تطورات حرب الخليج الثانية، لدرجة أنه في إجابة عن سؤال ذات مرة قال نافيًا: «لكن السي إن إن لم تقل ذلك»)!

أضاف الزعيم الهمام أنه حتى الفلاح البسيط في أقصى ريف بلاده يطَّلع الآن على ما يدور في العالم عبر محطات الأقمار الصناعيَّة والأطباق الهوائية. وللأمانة والموضوعيَّة فإنه قال أيضًا إن السِّياسة الأمريكيَّة في «الشرق الأوسط» تتبع معايير مزدوجة (حتى الشَّيطان يمكن أن يقول ذلك من دون أن يتحمَّل أدنى مسؤوليَّة)! ولذلك فإنه -يضيف ذلك الزَّعيم العربي الصنديد -- ما دام الفضاء مفتوحًا على الأخبار مليئًا بها من كل حدب وصوب، فما الذي يمكن أن يقوله للشارع في بلاده والشارع العربي عمومًا؟!

وقد ركَّز الرئيس الهمام على هذه النقطة فعلًا؛ أي استحالة تضليل الناس في الوطن العربي فيما يخص السؤال الأمريكي/ العراقي بسبب سهولة الحصول على الأخبار والمعلومات «الحقيقية» من المحطات الفضائية والأطباق الهوائية. بكلمات أخرى: إن على الولايات المتحدة الامتناع عن القيام بعمل عسكري ضد العراق ليس لأسباب سياسيَّة جوهريَّة، أو إنسانيَّة، أو قيميَّة، أو أخلاقيَّة؛ ولكن لأنه ليست «لدينا» (نحن الزعماء العرب) طريقة لتبرير مثل ذلك العدوان لشعوبنا في عصر انتشار المعلومات والأخبار عبر التلفزيون الفضائي خاصة، وذلك، ضمنيًا، على عكس مراحل سابقة أمكن لنا تبرير مثل ذلك العمل والضحك على الناس! ولذلك فإن على السياسة الأمريكية أن «تدارينا» ولا «تفضحنا» أمام قومنا!

بلى والله هكذا! عيني عينك، نهارًا جهارًا، سي إن إن إنًَّا!

عبدالله حبيب كاتب وشاعر عُماني