في عام 2018 بثّت الإذاعة الإسرائيلية مقطوعة موسيقية للألماني (ريتشارد فاغنر) الذي يُعدُّ علامة بارزة في تاريخ الموسيقى في العالم بعد بتهوفن، وفجأة، توقّف بثّ المقطوعة، يومها، ظنّ المستمعون أنّ حدثا جللا جرى، أو بأحسن الأحوال حدث عطل فنّي خلال البثّ، والأعطال الفنّيّة واردة، وكثيرا ما تحصل، لكنّ اتّضح للمستمعين أن التوقّف كان مقصودا، فالإذاعة اعتذرت عن بثّ المقطوعة مع وعد منها لمستمعيها بعدم تكرار مثل هذا (الخطأ)، والمقصود بـ(الخطأ) هو بثّ موسيقى (فاغنر) الذي ترك وراءه (13) عملا أوبراليا، أبرزها أوبرا (غسق الآلهة)، ولا يوجد سبب فنّي يجعل المسؤولين في وسائل الإعلام الإسرائيليّة يدرجون موسيقى (فاغنر) في القائمة السوداء، سوى أنّ أعماله الموسيقية كانت مفضّلة لأدولف هتلر، ولنا أن نتصوّر: كيف لفنّ موسيقار كبير يمنع لأن (الديكتاتور) الألماني كان معجبا بفنّه الرفيع!!؟ علما بأنّ فاغنر ( 1813-1883 ) توفّي قبل 50 سنة من وصول هتلر إلى السلطة، بل أن هتلر وُلد بعد وفاة فاغنر بست سنوات!!
فهل لـ(فاغنر) ذنب في ذلك؟
مع تفهّمنا واستيعابنا للجرائم الكبرى التي ارتكبها (هتلر) في حقّ الإنسانية، وهذا الأمر جعل الذين تعاطوا معه منبوذين، وقد دفعوا الثمن غاليا، والكثير منا شاهد فيلم (باريس والآخرون) للمخرج الفرنسي كلود ليلوش الذي فاز بالجائزة الكبرى في مهرجان( كان) 1981م، ونتذكّر مشهد حلق شَعَر المغنّيّة إدث بياف وطوافها في شوارع باريس لأنها غنّت للجنود الألمان خلال احتلالهم فرنسا في الحرب العالمية الثانية، وبقي في ذاكرتنا مشهد عازف البيانو (كارل كريمر) الذي حين أنهى معزوفته التفت ليجد المقاعد فارغة بعد أن وُزّعت على الجمهور صورة له مع هتلر الذي كان يثني على موسيقاه ! ولا ننسى رقصة (بوليرو) تحت برج إيفل في المشهد الختامي،
لكنّ الوضع مع (فاغنر) يبدو مختلفا، فإعجاب هتلر به جعل المنع يطال موسيقاه، التي أحبّها (هتلر) منذ طفولته، ودرسها عام 1905م في فيينا، لكنّه لم يواصل دراسة الموسيقى، في وقت كان به الجوع (حارسه الوحيد) كما يقول في مذكّراته، غير أن فشله هذا لم يحول بينه، وبين موسيقى (فاغنر) التي يرى خصومه أنّ موسيقاه غذّت جنون العظمة لدى هتلر، وكان كثيرا ما يكرّر أنّ (فاغنر) ملهمه، وقد شكّلت موسيقاه «الملامح الأولى للنازية»، لذا، كانت تُعزف قبل أن يلقي (هتلر) خطبه الحماسية، وكذلك كانت تبثّ روح الحماس في المعسكرات، وقد اعتاد هتلر على حضور عروضه الأوبرالية، والتردّد على مدينته (بايروت) الواقعة جنوب ألمانيا، ويلتقي عائلة (فاغنر).
كلّ هذه الحفاوة دفع ثمنها (فاغنر) بأثر رجعي!
ولا يمكننا التغافل عن تهمة معاداة السامية، التي ألصقتْ بـ(فاغنر)، ولم تنس (إسرائيل) منذ قيام كيانها في فلسطين عام 1948م الكُتيّب الذي وضعه فاغنر (اليهودية في الموسيقى) المطبوع في عام 1850م باسم مستعار، وبه وردت إشارات إلى عدم حبّه لليهود، فاعتقدوا أنّه ضمر عداء لهم، فمُنعت بيع أعماله، وتداولها، وفرضت حظرا عليها في الحفلات، والمناسبات، ولم يكسر الحظر سوى قائد الأوكسترا الشهير دانيال بورنباوم حين عزف مقطوعة من إحدى أعماله الأوبرالية في حفل أقيم في القدس عام 2001م.
وظلّ المنع ساري المفعول، رغم مرور عقود على سقوط النازية، ولم تشفع له عبقريّته، يقول ليونارد برنشتاين الموسيقي الأمريكي اليهودي عن فاغنر «أكرهه وأنا جاثم على ركبتي»، فصُمّت الآذان عن سماع موسيقى ( فاغنر) في أزمنة لا يرتفع فيها غير صوت الكراهية، وذهب كلام المحامي جوناثان ليفني أدراج الرياح حين قال: «نحن لا نذيع آراء هذا المؤلف الموسيقي، وإنما نذيع موسيقى رائعة ألّفها»، وحتى وصف موسيقاه بـ«الرائعة» كان قد استكثره (نيتشه) على أعماله، رغم أنّ(نيتشه) كان في بداية حياته من المغرمين بها، لكنه انقلب عليه في كتابه (قضية فاغنر) وهاجمه هجوما لاذعا واعتبر موسيقاه « تثقله بالهموم» ولا تجعله «خفيفًا قادرًا على التحليق»، وهذا يأتي من رفضه للطروحات الفلسفية المتعالية التي تفتقر للصدق الواقعي حتى في الموسيقى، رغم أن فلسفة نيتشه تقوم على تمجيد إرادة القوّة التي من خلالها يحقّق الإنسان شرط وجوده، وإرادة القوّة ارتبط بها اسم (فاغنر)، وعاد هذا الارتباط مجدّدا، بعد أن أسمت القوّات العسكرية الخاصّة الروسيّة التي شنّت تمرّدا على القوات الروسية منتصف عام 2023م، (مجموعة فاغنر)، ودخلت أراضيها من جهة أوكرانيا، وهو الاسم السرّي لمؤسّسها الذي «أطلق عليها اسم (فاجنر) نسبة للموسيقار الألماني» كما أشار موقع (الجزيرة نت)، واليوم تسود عالمنا سياسة القطب الواحد، وبدلا من (هتلر) واحد، ظهر أكثر من (هتلر)، واختلّت موازين القوى، وصار الظلم ظلمات، لكنّ منع موسيقى (فاغنر) في(إسرائيل) مستمرّ، والخاسر الكبير هو الجمهور الذي حُرم من سماع موسيقاه، التي ستظلّ خالدة، أما التباسات المراحل، فستذهب مع الريح.