رواية الهشاشة

03 فبراير 2026
03 فبراير 2026

علت الرواية العربيّة وصاغت نماذجها الكبرى في سبعينيّات القرن العشرين، هي المرحلة الزمنيّة التي استوعب فيها العرب الهزيمة، وانفتح لهم جرح غائر، وبدت فكرة العروبة الضعيفة جليّة، وهي المرحلة التي سادت فيها الأيديولوجيّات الفلسفيّة والفكريّة والسياسيّة، هي مرحلة يقينيّة الهزيمة، ووجود إطار يمكن أن يستوعب الهزيمة من انتشارٍ للرؤى الفكرية الثريّة، ومرحلة التخلّي عن الحلم الواعد بالانتصار السّاحق الماحق على العدوّ التاريخي الأبدي الكيان الإسرائيلي.

في ظلّ هذا المقام العربيّ الخاصّ برزت آثارٌ روائيّة حملت همّ الواقع العربيّ، وخرجت إلى حدّ عن النموذج المحفوظيّ الطاغي والغالب، طرقٌ شتّى انفتحت للرواية العربيّة لتعبّر عن أزمتها وهزيمتها وانتكاستها وتخييب آمالها، ومن هذه الأرضيّة تفتّحت آفاقُ سرد حنّا مينة وغالب هلسا، والطيب صالح وجمال الغيطاني وعبد الرحمن منيف وإدوار الخراط، وغيرهم كثر، ساهموا في التعبير عن حسٍّ غالبٍ ووعيٍ خائب.

صنع هذا الخطّ الروائيّ المتعدّد الرؤى والأيديولوجيات والآمال وطرائق التفاعل مع الهزائم والكوارث والإحباطات والتعثّرات، صورة لإنسان مهزوم مأزوم، يرى ضياءً ووعيًا لا يتحقّق. الحامل لفكرة اشتراكيّة يرى المقبل في تحقّقها، ويردّ الهزيمة إلاّ انعدام إجرائها والعمل بها، والحامل لفكرٍ قوميّ يعيب غيابه، وفي النهاية كانت الرواية مرتبطة بفكرة، بحلم، بأمل على شدّة الهزائم وسوداويّة الواقع.

لقد ورث روائيّو اليوم هذا التراكم الهزائمي، وهذا الوعي بأفق منسدّ، وتبدّدت الأيديولوجيات الحالمة، وحلّ الواقع المتغيّر من جهة، والكاشف عن تراجع الإنسانيّة وسيادة الحيوانيّة، وحلّ الاعتقاد في عالم قابل للفناء في لحظة. الروائيّ اليوم يتعامل مع واقع معقّد دون أن يقدر على استشراف آفاقه، فقد الروائيّ القدرة على تمثّل الواقع والقدرة على رؤية ممكناته.

أصبح العالم سافرًا عن هشاشته، وإمكان دماره، وحلّ الوعي باستحالة فهمه. الهزيمة من وقْع تكرارها وتردادها ألفناها وطبّعنا معها، الانتصار هو المفاجئ، ولذلك نبهج به ونهتزّ ونطير وإن كان في مقابلة لكرة، أو سباق لسيّارة أو لهجن، تعرّى الكون من كلّ غطاء قيميّ أو مستقبليّ، وبان قبح عريه.

لهذا لم تعد الرواية العربيّة المعاصرة مشغولة ببناء حبكة متماسكة، ولا ببناء شخصيّات نموذجيّة، حاملة لرؤية وفكر وعقيدة، تفكّكت العقدة الماسكة للسرد الروائي، مواكبَةً لانهيار النماذج في واقع الحياة ولتكسّر الحلم بزعيم أو ببطل أو بحدث منقذ، الكائن الهشّ، المتردّد، الجاهل بمصيره وبموقعه، المنكسر بفعل الذاكرة المنخورة والزمن المنكسر، هو البديل للشخصيّة الفاعلة القادرة الحاملة لرؤية ووعي، يتوزّع دم المعنى في شخصيّات الرواية الحديثة بين عدد من الشخصيّات. أعمالٌ جمّة عبّرت عن هذا الانكسار وعن هذا التحوّل في الرواية العربيّة، أحمد سعداوي في فرانكشتاين في بغداد، الذي يجعل العنف ناتجا عن كيان يتكاثر بشكل ذاتيّ، وهو بذلك يرجعنا إلى العقيدة الفلسفيّة الفوكويّة، هدى بركات في بريد الليل، التي تملأ الرواية صخبا بأصداء أصوات فقدت القدرة على أن تنتظم في معنى واحد، حملا للقارئ إلى عوالم يرى فيها وجوده وكونه دون تشريح أو نقد أو إدانة لطبيعة هذا الواقع، وإنّما هي صور الوجود الإنساني يُدركها الروائيّ ويسرِّدها.

وعي الروائيّ العربيّ اليوم ليس حاملا لإرث ثقيل من الهزائم فحسب، بل هو يعيش في دائرة من الإحساس بالفناء، أو الجلوس على حافة البركان، حروبٌ، انهيار اقتصاديّ، مناخٌ قابل للإفناء، زمن متسارع، بداية فقدان الثقة في العلم والمعرفة، تداعي الأفكار الحالمة والأيديولوجيات المعزيّة للبشريّة بأفق حالم، من كلّ هذا النسيج الكونيّ يتشكّل الأفق الروائيّ للروائي العربيّ، الذي يحيا أزمة الإنسانيّة الكبرى، ويحيا معها، الوعي بفقدان الإنسانيّة، والتعايش مع الضيم الكونيّ، يعيش يوميّا على التطبيع مع اليأس والهزيمة ومرارة التقتيل في عالم عربيّ لم تهدأ جلدته في حديث الزمن، يرى الأطفال في فلسطين يُقتّلون، يألم لعائلات تعيش القرّ والحرّ في عراء الوجود، يرى شعبًا يُباع، ومنطقة عربيّة لم تهنأ براحة بال.

كيف للروائيّ العربيّ أن يحكي حكايته في ظلّ هذه التحوّلات الكونيّة والعربيّة والمحليّة، وأن يجعل القارئ يعيش فوضى المعنى، وأن يصمت عن الوعظ وعن البكاء وعن الحلم بأرض أجمل؟ ضمن هذا الأفق الكونيّ والعربيّ، تبرز الرواية في الخليج مختبرا مكثَّفا للتحوّلات، تخرج من هامشيّتها المتقصَّدة، لتأخذ نصيبًا من القدرة على حمل القارئ على أن يعيش هشاشته.

فعالم الخليج لم يعبر مسار الهزيمة الأيديولوجيّة، وإن كان عاشها وعايشها قلبًا وعقيدةً، وقد دخل صدمة التحوّل عبر ثنائيّات هامّة، تمكّن بها الروائيّ من الجمع بين الهمّ الكونيّ، العربيّ، والهمّ المحليّ، صدمة التحوّل في عالم الخليج، تمثّلت في: التحوّل من البداوة إلى المدينة، من الندرة إلى الوفرة، ومن الاستقرار الرمزي إلى سيولة الهوية.

الروائي الخليجي المعاصر لا يكتب الهزيمة، بل يكتب القلق. قلق المكان الذي يتغيّر بسرعة تفوق الوعي، وقلق الإنسان الذي يجد نفسه داخل مدن ضخمة بلا ذاكرة، وبلا تاريخ سردي طويل يحميه. لهذا انشغلت الرواية الخليجيّة بأسئلة الهوية، والعزلة، والجسد، والاغتراب داخل الرفاه نفسه.

في عدد من النصوص الروائية الخليجية يتبطّن العنف، يكمن في الفراغ، في الصمت، في الصلات المبتورة، في الإحساس بأن الحياة قابلة للعيش دون شدّة انضباط وخلوّ من المعنى.

تصبح الرواية على حدّ عبارة جميلة للكاتب الخطّاب المزروعي «مقاومة مخمليّة»، ناعمة، لا تقاوم السلطة العينيّة فحسب، بل هي تقاوم كلّ محو للوجود الإنسانيّ، كلّ بتر للأصول، كل انبتات عن الجوهر. تتأتّى لي في هذا المقام صورة بداية رواية سيدات القمر لجوخة الحارثي، وهي مستَهلّ دالّ عمّا أنا بصدد بيانه، «ميا استغرقت في ماكينة خياطتها السوداء، ماركة الفراشة، استغرقت في العشق.عشق صامت، لكنّه يهزّ بدنها النحيف كلّ ليلة في موجات من البكاء والتنهّد». الصمتُ بابٌ في الرواية الخليجيّة يُمكن أن يفتح رؤى هامّة.

تخلّت الرواية عمومًا عن تقديم البدائل الكبرى، عن تخليص الإنسان من جهله، وإنقاذه من البلادة والرداءة، وتوجّهت إلى تمتين قابليّة الإنسان للاحتمال، وتعطيله عن السقوط في العدم، في عالم غير قابل للاحتمال. فإن لم يكن الإنسان العربي قادرًا على إيجاد العدل، إيجاد الأجوبة، الخروج من المظلوميّة التاريخيّة، فالرواية -على الأقل- يُمكن أن تجعله يعيش همّه، يعيش سؤاله، دون جواب بالضرورة. الوعي بكلّ ذلك، حمل رواية الخليج إلى تصدّر المشهد العربيّ، وإلى تمثيليّة هذا المشهد.