دفتر مذيع :سعيدية مطرح والخيام

12 يوليو 2023
12 يوليو 2023

عندما يُتداول الحديث عن التعليم سابقا، يذكر أنه لم تكن في كل عمان سوى ثلاث مدارس كلها تحمل اسم (المدرسة السعيدية). وما لاحظته لدى كثيرين أنهم يعرفون سعيدية مسقط (وأشهر طلبتها، جلالة السلطان هيثم حفظه الله) وسعيدية صلالة (وأشهر طلبتها السلطان قابوس رحمه الله)، ولكن قليلون هم الذين يعرفون سعيدية مطرح. وربما أقل من يعرفون أن هناك سعيدية جوادر.. بل حتى في زنجبار، وتحديدا في الجزيرة الخضراء (بيمبا) أسس العمانيون مدرسة سعيدية في الذكرى المئوية للسيد سعيد بن سلطان.

أما حديثي هنا فهو عن مدرستي (سعيدية مطرح)، التي تأسست عام 1959م. بناء من طابقين يقف شامخا، مكملا لوحة الواجهة البحرية لسور اللواتيا (عند دوار السمكة حاليا) بنوافذ مطلة على البحر الذي يلامس جدارها، قبل أن ينشأ كورنيش مطرح، وميناء قابوس.. البوابة العامة ناحية بيت البرندة حاليا، الذي كان أيضا بناء مميزا نشاهد فيه أحيانا وجوها أوروبية لا نعرفها! فقد كان هذا مقر (المجلس الثقافي البريطاني).

الدراسة في السعيدية إلى الصف السادس الابتدائي، وكانت تسمى (الابتدائية العامة) وهذا هو أعلى سقف للدراسة في عمان، ومن يكملها يبحث عن عمل أو سيتولى بعض أهله تهريبه لخارج البلاد للتكملة. ولكن من ميزاتها أنه قبل الأول الابتدائي تدرّس أيضا مرحلة التمهيدي، وقد كنت من المحظوظين أن درست فيها من التمهيدي إلى الصف الثاني.. هنا وجدت نفسي وأنا ابن السادسة تقريبا وسط مئات الأطفال، بعد أن كان أقصى عدد يمكن أن ألعب معهم لا يتجاوز ثلاثة.. لا يشترط تقديم شهادة الميلاد لأن كثيرين لم يولدوا في المستشفيات، إذا فمقياس القبول للقيد في المدرسة أن تطال أذنك اليسرى بيدك اليمنى أو العكس من فوق الرأس.. هنا شممت رائحة الكتب والدفاتر الجديدة، وامتلكت أول كراسة رسم وعلبة أرناج (ألوان) خشبية ثم مائية، وهذه بالذات كنا عندما تبدأ في الجفاف نغمس رأسها بقطرة ماء لتنشيطها أو نفتحها لعصرها من الداخل! وممسحة برائحة الفواكه وبراية بها مرآة لم أعرف الحكمة منها إلى اليوم..

لا أتذكر جيدا من الطاقم التدريسي إلا مدرسا فلسطينيا شديدا جدا اسمه الأستاذ فاروق والأستاذ سليمان الوهيبي الذي سأجده بعد سنوات في مدرسة الوليد بن عبدالملك بروي، والأستاذ حمد حامد.. في ذلك الوقت نقول (وستاد).

من الصف الأول ندرس المنهج القطري، الذي يبدو أن المشتغلين عليه غالبا من الشام من خلال أسماء الأشخاص، وأشكالهم، وأسماء المدن، وتفاصيلها.

نتعلم عبارات نعرف بعضها ونجهل معظمها مثل (دادا - بابا - ماما - نانا - في دولاب ماما لولو - شربت ماء باردا - رأيت غزالا شاردا - جاءت مريم من لبنان - حضر شوقي من حوران...الخ).

في ساحة المدرسة يبدو أن هناك بعض الأنشطة مثل المعسكر الكشفي بإمكانيات متواضعة.. سمعت أحدهم يقول: بيسووا لنا رحلة خلوية في الجبال لم أستوعب شيئا وقتها..

أما طابور الصباح فنُنشد فيه السلام الوطني المصري قبل ظهور السلام السلطاني العماني (بلادي بلادي بلادي.. لك حبي وفؤادي.. عمان يا أم البلاد.. أنتِ غايتي والمراد..... الخ). كما نردد نشيد (بلاد العرب أوطاني.. من الشام لبغدانِ.. ومن نجد إلى يمن.. إلى مصر فتطوان...الخ).

لم نعرف بعد المقاصف المدرسية، عدا بائعة الباقل (الفول) أمام المدرسة التي تبيع كل عشر حبات بعشر بيسات تقدمها في ديس صغير مثل ديس الحلوى، أما الوجبة الدسمة فعند شخص يبيع حبة تشاباتي مع قطعة سهوة مقلية نقوم بتفتيتها لصنع سندويتشة بدائية، قبل أن يظهر شخص ثالث لديه عربة بأربع عجلات يبيع سندويتشات خبز روتي (شرائح) منزوع الأطراف مع جبنة كرفت مبشورة.. وخلف سور اللواتيا يمكن شراء الآيس كريم من بائعة أخرى، وهو عبارة عن مكعبات ثلجية لشراب الورد أو الفيمتو، كما يمكن شراء لفة غزل بنات بيضاء تستورد فيما يبدو من إيران داخل عبوات من صفيح.

في حوالي عام 1972/م - حسب تقديري - تقرر هدم المدرسة بسبب تساقط جزء من سقفها، مخافة أن تتهدم على رؤوس الطلبة ليعاد بناؤها من جديد، يبدو أنها نفس فترة تفجيرات الديناميت لإنشاء الميناء. ربما كانت هي سبب التصدعات. أذكر الثقب الواضح الذي حدث في سقف الطابق الثاني. فتم نقلنا سنة دراسية واحدة لمدرستيّ الخيام، حيث أنشئت واحدة عند منتصف الواجهة البحرية، والأخرى داخل العريانة (العرين لاحقا) خلف مستشفى طومس (الرحمة) تقريبا، وهنا كان نصيبي. لا أذكر ماذا سميت (ربما سلطان بن أحمد)، ولكن أيا كان الاسم، فالذي رسخ في الأذهان وتم تداوله هو (مدرسة الخيام)..

قضاء سنة دراسية في مدرسة الخيام كان تجربة مثيرة، تفاصيلها مختلفة. حجم الخيام كبير، تستند على أعمدة من خشب البامبو الكبير، الذي يندر أن يظل صامدا عموديا، ويكاد يسقط لولا الحبال المثبتة على أوتاد أرضية تملأ الممرات الخارجية نتعثر بها أحيانا، ولونها من الخارج بيضاء، ومن الداخل بين صفراء وبرتقالية أو زيتونية مزخرفة بنقشة صغيرة متكررة، وبها نوافذ صغيرة تفتح بحبال تحكم أفقيا.. الخطط والتواطآت كثيرة وسهلة لإحداث فتحات جانبية أو خلفية للهروب من بعض الحصص، ولكن السور المحيط بها عال عتيد..

حلمنا خلال تلك السنة بالمدرسة الجديدة التي سنعود لها العام القادم (حوالي ١٩٧٤).. ولكن كانت خيبة الأمل كبيرة جدا عندما افتتح المبنى، وفي عز فرحتنا بها، حيث قررت الوزارة أن تخصص هذه المدرسة للطالبات، ويتغير اسمها من السعيدية إلى أسماء بنت أبي بكر للبنات.. ردة فعل الطلبة كانت عنيفة رافضة، فقبل أن تستقبل المدرسة الطالبات في اليوم الدراسي الأول استبق بعض الطلبة من الصباح الباكر حاملين ما يستطيعون من وسائل الشغب محتلين الطابق العلوي والسطح مهددين بأن من سيدخل سيسقط على رأسه أي شيء، حصاة، حديدة، لوح علبة مملوءة بأي شيء، أي شيء للدفاع ومهاجمة من (سيحتلون) مدرستنا. منعني والدي من التوجه للمدرسة، خاصة وأننا أصبحنا في بيت آخر بعيد في مطيرح.. لم يحسم الأمر إلا بتدخل الأمن وتطويق المدرسة لاستتباب الأمر، وننقل نحن من مدرستيّ الخيام، ونتوجه إلى مدرسة حسان بن ثابت قرب بيت الفلج، وحملت المدرسة اسم (أسماء بنت أبي بكر) لمدة ثلاثة عقود أو أكثر، ثم أعيد لها اسم المدرسة السعيدية حتى الآن. وربما كان هذا سببا لجهل الكثيرين بسعيدية مطرح.. فرحت كثيرا بعودة اسمها.